الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ لاَ تَفِي بِالدِّينِ فَالْغَرِيمُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ وَيَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال فِي رَجُلٍ أَفْلَسَ: هَذَا الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ (٢)، فَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ تَفِي بِالدَّيْنِ فَوَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لأَِنَّ الْمَال يَفِي بِالدَّيْنِ فَلَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِي الْمَبِيعِ كَالْحَيِّ الْمَلِيءِ، وَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ (٣) .

_________

(١) حديث: " أيما رجل باع متاعًا فأفلس. . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٩١ - ٧٩٢) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلًا.

(٢) حديث: " أيما رجل مات أو أفلس. . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ٢٩) من حديث أبي هريرة وقد ضعفه الشوكاني في نيل الأوطار (٥ / ٢٤٢) .

(٣) المهذب ١ / ٣٣٤.

الْمُحَاصَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ

١١ - مَنْ أَوْصَى بِوَصَايَا تَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ، وَكَانَ الثُّلُثُ يَضِيقُ بِالْوَصَايَا فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ يَتَحَاصُّونَ فِي مِقْدَارِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ بِنِسْبَةِ مَا لِكُل مِنْهُمْ، فَيَدْخُل النَّقْصُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، فَمَنْ أَوْصَى لِرَجُل بِثُلُثِ مَالِهِ وَلآِخَرَ بِالسَّدْسِ وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا أَثْلاَثًا فَيَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا كَمَا فِي أَصْحَابِ الدُّيُونِ الَّذِينَ يَتَحَاصُّونَ مَال الْمُفْلِسِ، وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) .

مُحَاطَّةٌ

انْظُرْ: وَضِيعَةٌ

مُحَاقَلَةٌ

انْظُرْ: بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٧٤، وتكملة فتح القدير ٩ / ٣٦٨، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٢٧، والفواكه الدواني ٢ / ١٩١، والمدونة ٦ / ٥١، ٥٤، ومغني المحتاج ٣ / ٤٨، وكشاف القناع ٤ / ٣٤٠، والمغني ٦ / ١٥٩.

مَحَبَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَحَبَّةُ فِي اللُّغَةِ: الْمَيْل إِلَى الشَّيْءِ السَّارِّ.

قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْمَحَبَّةُ إِرَادَةُ مَا تَرَاهُ أَوْ تَظُنُّهُ خَيْرًا، وَهِيَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: مَحَبَّةٌ لِلَّذَّةٍ كَمَحَبَّةِ الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ، وَمَحَبَّةٌ لِلنَّفْعِ كَمَحَبَّةِ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١)، وَمَحَبَّةٌ لِلْفَضْل كَمَحَبَّةِ أَهْل الْعِلْمِ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ لأَِجْل الْعِلْمِ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْمَوَدَّةُ:

٢ - الْمَوَدَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَحَبَّةُ الشَّيْءِ وَتَمَنِّي كَوْنِهِ، وَيُسْتَعْمَل فِي كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى أَنَّ التَّمَنِّي يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْوُدِّ؛ لأَِنَّ التَّمَنِّيَ هُوَ

_________

(١) سورة الصف / ١٣.

(٢) المفردات للأصفهاني والمعجم الوسيط، وتفسير القرطبي ٤ / ٥٩ - ٦٠، ١١ / ١٦٠ - ١٦١.

تَشَهِّي حُصُول مَا تَوَدُّهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَل بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، أَنَّ الْحُبَّ يَكُونُ فِيمَا يُوجِبُهُ مَيْل الطِّبَاعِ وَالْحِكْمَةِ جَمِيعًا، وَالْوُدُّ مِنْ جِهَةِ مَيْل الطِّبَاعِ فَقَطْ (٢) .

وَعَلَى هَذَا فَالْمَحَبَّةُ أَعَمُّ مِنَ الْمَوَدَّةِ.

ب - الْعِشْقُ:

٣ - الْعِشْقُ فِي اللُّغَةِ: الإِْغْرَامُ بِالنِّسَاءِ وَالإِْفْرَاطُ فِي الْمَحَبَّةِ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْعِشْقِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ أَعَمُّ مِنَ الْعِشْقِ.

ج - الإِْرَادَةُ:

٤ - الإِْرَادَةُ فِي الأَْصْل قُوَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَهْوَةٍ وَحَاجَةٍ وَأَمَلٍ، وَجُعِل اسْمًا لِنَزُوعِ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ مَعَ الْحُكْمِ فِيهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَل أَوْ لاَ يُفْعَل، ثُمَّ يُسْتَعْمَل مَرَّةً فِي الْمَبْدَأِ وَهُوَ نُزُوعُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ، وَتَارَةً فِي الْمُنْتَهَى وَهُوَ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَل، أَوْ لاَ يُفْعَل.

وَقَدْ تُذْكَرُ الإِْرَادَةُ وَيُرَادُ بِهَا الْقَصْدُ (٤)،

_________

(١) سورة الروم / ٢١.

(٢) الفروق اللغوية / ٩٩، والمفردات للأصفهاني والمعجم الوسيط.

(٣) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والفروق اللغوية / ٩٩.

(٤) المصادر السابقة، والمفردات لمعاني القرآن.

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَْرْضِ﴾ (١) أَيْ لاَ يَقْصِدُونَهُ وَلاَ يَطْلُبُونَهُ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالإِْرَادَةِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ أَعَمُّ مِنَ الإِْرَادَةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحَبَّةِ:

أ - مَحَبَّةُ اللَّهِ وَمَحَبَّةُ الرَّسُول ﷺ

٥ - أَجَمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ حُبَّ اللَّهِ ﷾ وَحُبَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرْضٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ مِنْ شُرُوطِ الإِْيمَانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) .

وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسُهُ بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ (٤) .

وَلِقَوْلِهِ ﷺ كَذَلِكَ: لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ

_________

(١) سورة القصص / ٨٣.

(٢) سورة البقرة / ١٦٥.

(٣) سورة المائدة / ٥٤.

(٤) حديث: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٨)، من حديث أبي هريرة.

حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١) .

كَمَا أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَنْجَاةٌ مِنَ النَّارِ وَمُوجِبَةٌ لِلْجَنَّةِ (٢) لِحَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَل الرَّسُول ﷺ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَال لَهُ الرَّسُول ﷺ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا؟ قَال: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاَةٍ وَلاَ صَوْمٍ وَلاَ صَدَقَةٍ وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَال: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ (٣) .

ب - مَحَبَّةُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ أَفْضَل الأَْعْمَال الَّتِي تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ حُبَّ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَأَهْل الْعَدْل وَالْخَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٤) .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥)

_________

(١) حديث: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه. . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٨)، ومسلم (١ / ٦٧) من حديث أنس بن مالك.

(٢) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٢٨ وما بعدها، وتفسير القرطبي ٤ / ٦٠ وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية / ٢٩٤، والآداب الشرعية ١ / ١٧٣، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٢ / ٢٣٣.

(٣) حديث الأعرابي الذي سأل الرسول ﷺ: " متى الساعة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٥٧) ومسلم (٤ / ٢٠٣٢) من حديث أنس والرواية الثانية أخرجها مسلم كذلك.

(٤) سورة الكهف / ٢٨.

(٥) سورة الحشر / ٩.

وَلِحَدِيثِ: قِيل لِلنَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُل يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَال: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ (١) ".

وَلِحَدِيثِ: ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِْيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ (٢) .

كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُبْغِضَ أَهْل الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ؛ لأَِنَّ هَذَا مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ، فَإِنَّ عَلَى الْمُحِبِّ أَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّ مَحْبُوبُهُ وَيُبْغِضَ مَا يُبْغِضُ مَحْبُوبُهُ، لِحَدِيثِ: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ (٣) .

ج - عَلاَمَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ

٧ - قَال الْعُلَمَاءُ إِنَّ مِنْ عَلاَمَاتِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَنْ يَضَعَ لَهُ الْقَبُول فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَأَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَأَنْ يَقْبَل تَوْبَتَهُ، وَأَنْ يَتَوَلاَّهُ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَنْ يَحْفَظَ جَوَارِحَهُ وَأَعْضَاءَهُ حَتَّى

_________

(١) حديث: " المرء مع من أحب ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٥٧) ومسلم (٤ / ٢٠٣٤) من حديث ابن مسعود.

(٢) حديث: " ثلاث من كن فيه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٦٠) ومسلم (١ / ٦٦) من حديث أنس.

(٣) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٣٦، ودليل الفالحين ٢ / ٢٣١، ٢٤٦ وما بعدها، والعقيدة الطحاوية / ٣٨٣.

يُقْلِعَ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَيَسْتَغْرِقَ فِي الطَّاعَاتِ بِجَعْلِهِ لَهُ وَاعِظًا مِنْ نَفْسِهِ وَزَاجِرًا مِنْ قَلْبِهِ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ (١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَل لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٢)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) الآْيَةَ وَلِلْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُِعِيذَنَّهُ (٤) .

وَلِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيل: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيل فِي السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْل السَّمَاءِ، وَيُوضَعُ لَهُ الْقَبُول فِي أَهْل الأَْرْضِ وَفِي رِوَايَةٍ:. . . وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَيَقُول: إِنِّي أُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضْهُ، قَال: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيل، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْل السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضُوهُ، قَال: فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَْرْضِ (٥) .

_________

(١) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٧٣ - ٤٧٦، وتفسير القرطبي ٤ / ٥٩، وما بعدها، ١١ / ١٦٠ - ١٦١، دليل الفالحين ٢ / ٢٦٠، وما بعدها، الآداب الشرعية ١ / ١٧٣.

(٢) سورة مريم / ٩٦.

(٣) سورة المائدة / ٥٤.

(٤) الحديث القدسي: " ما تقرب إلى عبدي بشيء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤١) من حديث أبي هريرة.

(٥) المصادر السابقة، وانظر الآداب الشرعية ١ / ١٧٣، وحديث: " إذا أحب الله العبد. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٤٦١) ومسلم (٤ / ٢٠٣٠) من حديث أبي هريرة، والرواية الثانية لمسلم.

د - مَحَبَّةُ إِحْدَى الزَّوْجَاتِ أَوْ أَحَدِ الأَْوْلاَدِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ

٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُؤَاخَذُ إِذَا مَال قَلْبُهُ إِلَى إِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَأَحَبَّهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَا إِذَا أَحَبَّ أَحَدَ أَوْلاَدِهِ أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِينَ؛ لأَِنَّ الْمَحَبَّةَ مِنَ الأُْمُورِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ فِيهَا خِيَارٌ وَلاَ قُدْرَةٌ لَهُ عَلَى التَّحَكُّمِ فِيهَا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِل وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ (١)، قَال التِّرْمِذِيُّ - فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ - يَعْنِي بِهِ الْحُبَّ وَالْمَوَدَّةَ.

وَقَال الصَّنْعَانِيُّ: وَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ، وَمَيْل الْقَلْبِ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ بَل هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ.

وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَضِّل الْمَحْبُوبَ عَلَى

_________

(١) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ يقسم لنسائه. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٣٧) وصوب إرساله.

غَيْرِهِ بِالْعَطَايَا، أَوْ بِغَيْرِهَا مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الإِْنْسَانُ بِغَيْرِ مُسَوِّغٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُل الْمَيْل فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (١) .

وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيل لإِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ (٢)، قَال الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ الْمَيْل فِي الْقَسْمِ وَالإِْنْفَاقِ لاَ فِي الْمَحَبَّةِ، لِمَا عَرَفْتْ مِنْ أَنَّهَا مِمَّا لاَ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ (٣) .

وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأَْوْلاَدِ بِالْعَطَايَا وَنَحْوِهَا لِبَشِيرِ ﵁: أَكُل وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ قَال: لاَ. قَال: فَأَرْجِعْهُ وَفِي رِوَايَةٍ: أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْل هَذَا؟ قَال: لاَ قَال فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ، وَفِي ثَالِثَةٍ: أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْل هَذَا؟ قَال: قَال: فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذَنْ فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ (٤) .

_________

(١) سورة النساء / ١٢٨.

(٢) حديث: " من كان له امرأتان. . . ". أخرجه النسائي (٧ / ٦٣) والحاكم (٢ / ١٨٦) من حديث أبي هريرة واللفظ للنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) سبل السلام ٣ / ٣١١، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠١، ٣ / ٢٥١ والمغني ٧ / ٢٧، ٣٥، وابن عابدين ٢ / ٩٨، والفواكه الدواني ٢ / ٤٥ - ٤٦.

(٤) حديث بشير: " أكل ولدك نحلت مثله. . . ". أخرج الروايتين الأولى والثانية البخاري (فتح الباري ٥ / ٢١١)، وأخرج مسلم (٣ / ١٢٤٣) الرواية الثالثة.