الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ جَمْعُ نَصِيبٍ شَائِعٍ فِي مُعَيَّنٍ (١)، أَوْ هِيَ: تَمْيِيزُ الْحِصَصِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ (٢) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُحَاصَّةِ وَالْقِسْمَةِ أَنَّ الْقِسْمَةَ أَعَمُّ مِنَ الْمُحَاصَّةِ لأَِنَّ الْمُحَاصَّةَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَفِ الْمَال بِالْحُقُوقِ وَإِنْ كَانَ الاِثْنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي التَّقْسِيمِ وَالإِْفْرَازِ.
ب - الْعَوْل:
٣ - الْعَوْل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ عَال يَعُول، وَمِنْ مَعَانِيهِ الاِرْتِفَاعُ وَالزِّيَادَةُ وَالْمَيْل إِلَى الْجَوْرِ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: زِيَادَةُ السِّهَامِ عَلَى الْفَرِيضَةِ فَتَعُول الْمَسْأَلَةُ إِلَى سِهَامِ الْفَرِيضَةِ فَيَدْخُل النُّقْصَانُ عَلَى أَهْل الْفَرِيضَةِ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ (٤) .
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُحَاصَّةِ وَالْعَوْل أَنَّ كُلًّا مِنَ الْغَرِيمِ فِي الْقِسْمَةِ بِالْمُحَاصَّةِ، وَالْوَارِثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَائِلَةِ آخِذٌ أَقَل مِنْ حَقِّهِ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُحَاصَّةِ مِنْ أَحْكَامٍ:
يَتَعَلَّقُ بِالْمُحَاصَّةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
مُحَاصَّةُ الْغُرَمَاءِ مَال الْمُفْلِسِ
٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا حُجِرَ عَلَى الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ - وَهُوَ الَّذِي أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ -
_________
(١) الكفاية شرح الهداية مع تكملة فتح القدير ٨ / ٣٤٧.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٢٦٩.
(٣) لسان العرب.
(٤) قواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني.
فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَتَحَاصُّونَ فِي مَالِهِ يُوَزِّعُهُ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ بِنِسْبَةِ دَيْنِ كُلٍّ مِنْهُمْ (١) .
قَال الدَّرْدِيرُ: تُقْسَمُ أَمْوَال الْمُفْلِسِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِنِسْبَةِ الدُّيُونِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَأْخُذُ كُل غَرِيمٍ مِنْ مَال الْمُفْلِسِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ بِأَنْ تُجْمَعَ الدُّيُونُ وَيُنْسَبَ كُل دَيْنٍ إِلَى الْمَجْمُوعِ فَيَأْخُذُ كُل غَرِيمٍ مِنْ مَال الْمُفْلِسِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ فَإِذَا كَانَ لِغَرِيمٍ عِشْرُونَ وَلآِخَرَ ثَلاَثُونَ وَلآِخَرَ خَمْسُونَ فَالْمَجْمُوعُ مِائَةٌ، وَنِسْبَةُ الْعِشْرِينَ لَهَا خُمْسٌ، وَنِسْبَةُ الثَّلاَثِينَ لَهَا خُمْسٌ وَعَشْرٌ، وَنِسْبَةُ الْخَمْسِينَ لَهَا نِصْفٌ، فَإِذَا كَانَ مَال الْمُفْلِسِ عِشْرِينَ أَخَذَ صَاحِبُ الْخَمْسِينَ نِصْفَهَا عَشَرَةً، وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الثَّلاَثِينَ خُمْسَهَا وَعُشْرَهَا سِتَّةً، وَصَاحِبُ الْعِشْرِينَ خُمُسَهَا أَرْبَعَةً.
وَيَحْتَمِل طَرِيقًا آخَرَ: وَهِيَ نِسْبَةُ مَال الْمُفْلِسِ لِمَجْمُوعِ الدُّيُونِ فَلَوْ كَانَ لِشَخْصٍ مِائَةٌ وَلآِخَرَ خَمْسُونَ، وَلآِخَرَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَمَال الْمُفْلِسِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ فَنِسْبَةُ مَال الْمُفْلِسِ لِمَجْمُوعِ الدُّيُونِ النِّصْفُ فَيَأْخُذُ كُل غَرِيمٍ نِصْفَ دَيْنِهِ (٢) .
هَذَا إِذَا كَانَتِ الدُّيُونُ مِنْ جَنْسِ مَال
_________
(١) الاختيار ٢ / ٩٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٧١، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٠، وكشاف القناع ٣ / ٤٣٢.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٢٧١.
الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، كَمَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، قَالُوا: فَإِنْ كَانَتِ الدُّيُونُ مُخَالِفَةً لِجِنْسِ مَال الْمُفْلِسِ وَصِفَتِهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَبِيعُ مَال الْمُفْلِسِ وَيَقْسِمُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْغُرَمَاءِ مَنْ دَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ جَنْسِ الأَْثْمَانِ، وَلَيْسَ فِي مَال الْمُفْلِسِ مِنْ جَنْسِهِ وَرَضِيَ الْغَرِيمُ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ مِنَ الأَْثْمَانِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَطَلَبَ جَنْسَ حَقِّهِ اشْتَرَى لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ الَّتِي آلَتْ إِلَيْهِ بِالْمُحَاصَّةِ مِنْ جَنْسِ دَيْنِهِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ عَلَى الْمُفْلِسِ دُيُونٌ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا نَقْدٌ وَبَعْضُهَا عَرْضٌ وَبَعْضُهَا طَعَامٌ بِأَنْ كَانَ لأَِحَدِ الْغُرَمَاءِ دَنَانِيرُ وَلآِخَرَ عُرُوضٌ وَلِبَعْضِهِمْ طَعَامٌ فَإِنَّ مَا خَالَفَ النَّقْدَ مِنْ مُقَوَّمٍ وَمِثْلِيٍّ يُقَوَّمُ يَوْمَ الْحِصَاصِ (أَيْ يَوْمَ قَسْمِ الْمَال) فَإِذَا كَانَ لِغَرِيمٍ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَلِغَرِيمٍ آخَرَ عَرْضٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَلآِخَرَ طَعَامٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَمَال الْمُفْلِسِ مِائَةٌ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَثْلاَثًا فَيَأْخُذُ صَاحِبُ النَّقْدِ ثُلُثَهَا، وَلِكُل مِنْ صَاحِبَيِ الْعَرْضِ وَالطَّعَامِ الثُّلُثُ فَيُعْطِي لِصَاحِبِ النَّقْدِ مَنَابَهُ، وَيَشْتَرِي لِصَاحِبِ الْعَرْضِ عَرْضًا مِنْ صِفَةِ عَرْضِهِ بِمَا نَابَهُ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَشْتَرِي لَهُ طَعَامًا مِنْ صِفَةِ
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٩ - ٢٧٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٥١، وكشاف القناع ٣ / ٤٣٢، والمغني ٤ / ٤٩٤.
طَعَامِهِ بِالثُّلُثِ الثَّالِثِ، وَيَجُوزُ مَعَ التَّرَاضِي أَخْذُ الثَّمَنِ إِنْ خَلاَ مِنْ مَانِعٍ.
هَذَا تَفْصِيل الْمَالِكِيَّةِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَيَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَقُومَ الْغُرَمَاءُ بِتَفْلِيسِ الْمَدِينِ الَّذِي أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَقَسْمِ مَالِهِ بَيْنَهُمْ بِالْمُحَاصَّةِ دُونَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل الْحَاكِمِ (٢) .
ظُهُورُ غَرِيمٍ بَعْدَ الْمُحَاصَّةِ:
٥ - لَوْ تَحَاصَّ الْغُرَمَاءُ دَيْنَ الْمُفْلِسِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ فَلاَ تُنْقَضُ الْمُحَاصَّةُ وَيَرْجِعُ الْغَرِيمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِفْلاَسٌ ف ٥٣) .
مُحَاصَّةُ أَصْحَابِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ
٦ - الدَّيْنُ الْمُؤَجَّل يَحِل بِتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ أَصْحَابَ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ يُشَارِكُونَ أَصْحَابَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ فِي الْمُحَاصَّةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِفْلاَسٌ ف ٢٤) .
وَإِذَا
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٧٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٥١، والمغني ٤ / ٤٩٤.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٣، ٢٦٤.
وَجَدَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي بَاعَهَا لِلْمُفْلِسِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَجَازَ لَهُ أَنْ يُحَاصِصَ الْغُرَمَاءَ بِثَمَنِ الْعَيْنِ.
وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ أَفْلَسَ، وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ فِيهِ، صُورَتُهُ: رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا وَقَبَضَهُ فَلَمْ يُؤَدِّ ثَمَنَهُ حَتَّى أَفْلَسَ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الشَّيْءِ فَادَّعَى الْبَائِعُ بِأَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَادَّعَى الْغُرَمَاءُ التَّسْوِيَةَ فِي ثَمَنِهِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ إِنْ كَانَتِ الدُّيُونُ كُلُّهَا حَالَّةً، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُؤَجَّلًا، وَبَعْضُهَا حَالًّا يُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ حَلَّتْ دُيُونُهُمْ، ثُمَّ إِذَا حَل الأَْجَل شَارَكَهُمْ أَصْحَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ فِيمَا قَبَضُوا بِالْحِصَصِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُقْبَضِ الْمَبِيعُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَوْلَى بِثَمَنِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ (٣) .
وَلِرُجُوعِ الْغَرِيمِ فِي عَيْنِ مَالِهِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَرْطًا فَإِنْ تَخَلَّفَ
_________
(١) المغني ٤ / ٤٥٣، والدسوقي ٣ / ٢٨٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٨.
(٢) حديث: " من أدرك ماله بعينه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٦٣) ومسلم (٣ / ١١٩٣) من حديث أبي هريرة.
(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٤.
شَرْطٌ مِنْهَا فَلاَ حَقَّ لَهُ فِي عَيْنِ مَالِهِ وَإِنَّمَا يُحَاصِصُ الْغُرَمَاءَ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِفْلاَسٌ ف ٢٨ - ٣٩)
مُحَاصَّةُ الْوَرَثَةِ تَرِكَةَ مُوَرِّثِهِمْ
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ سِهَامُ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ شَرْعًا تَزِيدُ عَلَى أَصْل التَّرِكَةِ الْمُقَدَّرِ بِالْوَاحِدِ الصَّحِيحِ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ التَّرِكَةَ لاَ تَفِي أَصْحَابَ الْفُرُوضِ، فَإِذَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ عَنْ زَوْجٍ وَأُمٍّ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ فَرْضًا، وَلِلأُْمِّ الثُّلُثَ فَرْضًا، وَلِلأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ النِّصْفَ فَرْضًا، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ زَادَتِ الْفُرُوضُ عَنْ أَصْل التَّرِكَةِ (أَيِ الْوَاحِدِ الصَّحِيحِ) وَهُنَا قَدْ تُسَاوَى الْوَرَثَةُ فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيْنَ أَمَرَ بِإِلْحَاقِ الْفَرَائِضِ بِأَهْلِهَا لَمْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمِيرَاثِ فَيَأْخُذُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ حَقِّهِ إِنِ اتَّسَعَ الْمَحَل، فَإِنْ ضَاقَ الْمَحَل تَحَاصُّوا - كَالْغُرَمَاءِ - فِي التَّرِكَةِ وَلاَ يَصِحُّ إِسْقَاطُ حَقِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ لأَِنَّهُ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ بِنَصٍّ ثَابِتٍ (١) .
_________
(١) شرح السراجية ص٩٩، ١٠٠ ط. مصطفى الحلبي، والعذب الفائض ١ / ١٦٠ - ١٦٤، والفواكه الدواني ٢ / ٣٠٠، ٣٠١. وحديث: " أن رسول الله ﷺ أمر بإلحاق الفرائض بأهلها. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١١) ومسلم (٣ / ١٢٣٣) من حديث ابن عباس.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَوْلٌ ف ٣، وَإِرْثٌ ف ٥٦ وَمَا بَعْدَهَا) .
مُحَاصَّةُ الْغُرَمَاءِ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ
٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قُسِمَ مَال التَّرِكَةِ فَظَهَرَ غَرِيمٌ يَجِبُ إِدْخَالُهُ فِي الْقِسْمَةِ شَارَكَ بِالْحِصَّةِ وَلَمْ تُنْقَضِ الْقِسْمَةُ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُل بِذَلِكَ، وَقِيل تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ كَمَا لَوِ اقْتَسَمَتِ، الْوَرَثَةُ ثُمَّ ظَهَرَ وَارِثٌ آخَرُ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْقَضُ عَلَى الأَْصَحِّ، قَال الرَّمْلِيُّ: وَفُرِّقَ الأَْوَّل بِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي عَيْنِ الْمَال بِخِلاَفِ حَقِّ الْغَرِيمِ فَإِنَّهُ فِي قِيمَتِهِ وَهُوَ يَحْصُل بِالْمُشَارَكَةِ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا اجْتَمَعَتِ الدُّيُونُ فَالْغُرَمَاءُ يَقْسِمُونَ التَّرِكَةَ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ بِالْحِصَصِ، وَلَوْ تَوِيَ شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ اقْتَسَمُوا الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ وَيُجْعَل التَّاوِي كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا، لأَِنَّ حَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعَلَّقَ بِكُل جُزْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ فَكَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ (٢) .
وَلَوْ وَقَعَتِ الْقِسْمَةُ ثُمَّ ظَهَرَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ مُحِيطٌ وَلَمْ تُوَفَّ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهِمْ وَلَمْ يُبْرِئِ الْغُرَمَاءَ رُدَّتِ الْقِسْمَةُ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣١٦ - ٣١٧، وكشاف القناع ٣ / ٤٣٨.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٢٦.
وَكَذَا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُحِيطٍ بِالتَّرِكَةِ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ مِنَ التَّرِكَةِ مَا يَفِي مِنَ الدُّيُونِ وَرَاءَ مَا قُسِمَ، لأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ فِي إِيفَاءِ حَقِّهِمْ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ أَدَّاهُ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهِمْ جَازَتِ الْقِسْمَةُ، أَيْ تَبَيَّنَ جِوَازُهَا سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا أَوْ غَيْرَ مُحِيطٍ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَال بِخِلاَفِ مَا إِذَا ظَهَرَ لَهُ وَارِثٌ أَوِ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَقَالَتْ: الْوَرَثَةُ نَحْنُ نَقْضِي حَقَّهُمَا، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْقَضُ إِنْ لَمْ يَرْضَ الْوَارِثُ أَوِ الْمُوصَى لَهُ، لأَِنَّ حَقَّهُمَا فِي عَيْنِ التَّرِكَةِ فَلاَ يَنْتَقِل إِلَى مَالٍ آخَرَ إِلاَّ بِرِضَاهُمَا (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قُسِمَ مَال الْمَيِّتِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الْمَال، قَال مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا فَقُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ قَدِمَ قَوْمٌ فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنٍ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ وَقَدْ أُعْدِمَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ الأَْوَّلِينَ الَّذِينَ أَخَذُوا دَيْنَهُمْ قَال مَالِكٌ: يَكُونُ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ قَدِمُوا فَأَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنًا أَنْ يَتَّبِعُوا كُل وَاحِدٍ مِنَ الْغُرَمَاءِ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِمْ إِذَا فُضَّ دَيْنُهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ قَبَضُوا دَيْنَهُمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَاصَّةِ فِي مَال الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ
_________
(١) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٨ / ٣٧٦.
أَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنًا أَنْ يَأْخُذُوا كُل مَا وَجَدُوا فِي يَدِ هَذَا الْغَرِيمِ مِنْ مَال الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْلَفْ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا مِقْدَارَ مَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتَّبِعُونَ بَقِيَّةَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مَا يَصِيرُ لَهُمْ عَلَى كُل رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى مَال الْمَيِّتِ الَّذِي أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ وَيُنْظَرُ إِلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ الأَْوَّلِينَ وَدَيْنِ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا دَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ مَال الْمَيِّتِ بِالْحِصَصِ، فَمَا صَارَ لِهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى الْمَيِّتِ الدَّيْنَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوا أُولَئِكَ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ قَبَضُوا دَيْنَهُمْ، قَبْل أَنْ يَعْلَمُوا بِهَؤُلاَءِ، وَلاَ يَتَّبِعُونَ كُل أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ بِمَا أَخَذَ مِنَ الْفَضْل عَلَى حَقِّهِ فِي الْمُحَاصَّةِ، وَيَتَّبِعُونَ الْعَدِيمَ وَالْمَلِيءَ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَضْل الَّذِي أَخَذُوا حَيْنَ وَقَعَتِ الْمُحَاصَّةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا دَيْنَهُمْ (١) .
وَرُجُوعُ الْغَرِيمِ الطَّارِئُ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا الْمَال إِنَّمَا هُوَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ مُشْتَهِرًا بِالدِّينِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَارِثُ أَوِ الْوَصِيُّ بِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُشْتَهِرًا بِالدَّيْنِ أَوْ عَلِمَ الْوَارِثُ أَوِ الْوَصِيُّ بِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ فَتَعَدَّى الْوَارِثُ أَوِ الْوَصِيُّ وَأَقْبَضَ
_________
(١) المدونة ٥ / ٤٨٤، ٤٨٥.
التَّرِكَةَ لِبَعْضِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنَّ الطَّارِئَ مِنَ الْغُرَمَاءِ يَرْجِعُ عَلَى الْوَارِثِ أَوْ عَلَى الْوَصِيِّ فَيَأْخُذُ مِنْهُ جَمِيعَ حَقِّهِ لِتَعَدِّيهِ بِالْقَسْمِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَارِثُ أَوِ الْوَصِيُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ قَبَضُوا أَوَّلًا بِقَدْرِ مَا أَخَذَ هَذَا الطَّارِئُ مِنْهُ (١) .
٩ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُلُول الدَّيْنِ الْمُؤَجَّل بِالْمَوْتِ أَوْ عَدَمِ حُلُولِهِ فَقَال بَعْضُهُمْ: يَحِل، وَقَال آخَرُونَ: لاَ يَحِل.
وَالتَّفْصِيل فِي (أَجَلٌ ف ٩٥، وَتَرِكَةٌ ف ٢٤) .
١٠ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا وَجَدَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ فِي التَّرِكَةِ كَمَنْ بَاعَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَكَانَتِ الدُّيُونُ تُحِيطُ بِالتَّرِكَةِ، فَهَل لِهَذَا الْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ أَمْ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَيَتَحَاصُّونَ جَمِيعًا؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْغَرِيمَ الَّذِي وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي التَّرِكَةِ لاَ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا بَل يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فَيَتَحَاصَصْ مَعَهُمْ بِالثَّمَنِ الَّذِي لَهُ؛ لأَِنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ قَدْ خَرِبَتْ بِالْمَوْتِ (٢) .
_________
(١) الخرشي ٥ / ٢٧٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٤ والمبسوط ١٨ / ٢٧ - ٢٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٢٨٢، والخرشي ٥ / ٢٨١، وكشاف القناع ٣ / ٤٢٦، والمغني ٤ / ٥٠٢.