الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَحْدَهُ أَوْ بِالاِشْتِرَاكِ مَعَ الْمُسْلِمِ
أ - صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَحْدَهُ:
٥ - إِذَا صَادَ الْمَجُوسِيُّ وَحْدَهُ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ صَيْدِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ إِلَى الْقَوْل بِتَحْرِيمِ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ زَكَاةٌ، أَمَّا مَا لَيْسَتْ لَهُ زَكَاةٌ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: بِحِلِّهِ.
الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَى حِل صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ، كَمَا قَال بِحِل ذَبِيحَتِهِ، وَدَلِيلُهُ هُوَ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ فِي ذَبِيحَتِهِ (١) .
ب - صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ مُشْتَرِكًا مَعَ الْمُسْلِمِ:
٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ مَجُوسِيٌّ مَعَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلصَّيْدِ فَإِنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ لاَ يُؤْكَل، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةِ تَغْلِيبِ جَانِبِ الْحُرْمَةِ عَلَى جَانِبِ الْحِل.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَيْدٌ - ف ٤٠ وَمَا بَعْدَهَا) .
نِكَاحُ الْمَجُوسِيِّ
أ - زَوَاجُ الْمُسْلِمِ بِالْمَجُوسِيَّةِ
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى حُرْمَةِ زَوَاجِ
_________
(١) البناية شرح الهداية ٩ / ٦٣٦، والشرح الكبير ٢ / ١٠٥، قوانين الأحكام الشرعية ١٩٨، وبداية المجتهد ٤٧٩ - ٤٨٠، والمغني لابن قدامة ٩ / ٣٦٢، ٣٧٥، ٣٧٦.
الْمُسْلِمِ مِنَ الْمَجُوسِيَّةِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (١) .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢) وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَى حِل نِكَاحِ الْمُسْلِمِ بِالْمَجُوسِيَّةِ وَقَال ابْنُ الْقَصَّارِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا أَنْ تَجُوزَ مُنَاكَحَتُهُمْ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَجُوسَ لَهُمْ كِتَابٌ فَهُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ (٣) وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِل لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٤) .
ب - زَوَاجُ الْمَجُوسِيِّ بِالْمُسْلِمَةِ
٨ - يَحْرُمُ بِالإِْجْمَاعِ زَوَاجُ الْمَجُوسِيِّ بِالْمُسْلِمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (٥) .
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢١.
(٢) سورة الممتحنة / ١٠.
(٣) المبسوط للسرخسي ٤ / ٢١١، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم ٣ / ١٠٢، وتفسير القرطبي ٣ / ٧٠، والشرح الكبير ٢ / ٢٦٧، والحطاب ٣ / ٤٧٧، والمجموع ١٦ / ١٣٦، وروضة الطالبين ٧ / ١٣٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ١٣١.
(٤) سورة المائدة / ٥.
(٥) سورة البقرة / ٢٢١.
وَهَذَا الْحُكْمُ لاَ اسْتِثْنَاءَ فِيهِ بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ حَيْثُ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ أَهْل الْكِتَابِ (١) .
ج - إِسْلاَمُ زَوْجَةِ الْمَجُوسِيِّ:
٩ - إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَةُ الْمَجُوسِيِّ قَبْل زَوْجِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ. وَالتَّفْصِيل فِي (إِسْلاَمٌ ف ٦) .
تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ زَوْجَتَهُ بِالْمَجُوسِيَّةِ:
١٠ - إِذَا ظَاهَرَ الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ مِنَ امْرَأَتِهِ فَشَبَّهَهَا بِالْمَجُوسِيَّةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ هَذَا الظِّهَارِ عَلَى الأَْقْوَال الآْتِيَةِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل أَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَمْ تُشْبِهِ الأُْمَّ فَلاَ يَكُونُ ظِهَارًا، وَبِقِيَاسِ حُرْمَةِ وَطْئِهَا عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ.
الْقَوْل الثَّانِي: هُوَ ظِهَارٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
_________
(١) الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية ٤ / ٣٣٠.
الْقَوْل الثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّ شَبَّهَ الزَّوْجَةَ بِظَهْرِ الْمَجُوسِيَّةِ وَهِيَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مُؤَقَّتًا فَهُوَ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الظِّهَارِ، إِنْ نَوَاهُ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَإِنْ شَبَّهَ الزَّوْجَةَ بِالْمَجُوسِيَّةِ دُونَ كَلِمَةِ الظَّهْرِ، فَإِنَّهُ إِنْ نَوَى الظِّهَارَ قُبِل قَوْلُهُ فِي الْفَتْوَى، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل أَنَّ الْمَجُوسِيَّةَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلاَ يَكُونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ. وَلَمَّا كَانَ يُقْصَدُ بَهِ الظِّهَارُ كَانَ كِنَايَةً فِيهِ (١) .
ظِهَارُ الْمَجُوسِيِّ:
١١ - إِذَا ظَاهَرَ الْمَجُوسِيُّ مِنْ زَوْجَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل:
لاَ يَصِحُّ ظِهَارُهُ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَحُجَّتُهُمْ: أ - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٢) . وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿منكم﴾ فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَدُل عَلَى اخْتِصَاصِ الظِّهَارِ بِالْمُسْلِمِينَ.
ب - الْمَجُوسِيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ فَلاَ يَصِحُّ ظِهَارُهُ لأَِنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
_________
(١) البناية شرح الهداية ٤ / ٦٩٤، وروضة الطالبين ٨ / ٢٦٥، والشرح الكبير على حاشية الدسوقي ٢ / ٤٣٣، المغني ٨ / ٦.
(٢) سورة المجادلة / ٢.
الْقَوْل الثَّانِي:
يَصِحُّ ظِهَارُ الْمَجُوسِيِّ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حُجَّتُهُمْ:
أ - قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (١) .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ أَنَّ الآْيَةَ عَامَّةٌ فَيَدْخُل فِيهَا الْكَافِرُ أَيْضًا، فَصَحَّ ظِهَارُهُ.
ب - الظِّهَارُ لَفْظٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ فَيَصِحُّ مِنَ الْمَجُوسِيِّ كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلاَقُ.
ج - الْكَفَّارَةُ فِيهَا شَائِبَةُ غَرَامَةٍ فَيَصِحُّ مِنْهُ الإِْعْتَاقُ (٢) .
وَصِيَّةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَصِيَّةُ لَهُ
١٢ - تَأْخُذُ كُلٌّ مِنْ وَصِيَّةِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَصِيَّةُ لَهُ حُكْمَ وَصِيَّةِ الْكَافِرِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) .
وَقْفُ الْمَجُوسِيِّ
١٣ - يَصِحُّ وَقْفُ الْمَجُوسِيِّ مَا دَامَ بَالِغًا عَاقِلًا أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ قُرْبَةً عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ الْمَجُوسِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ الْمَجُوسِ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ بَاطِلًا (٣) وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي (وَقْفٌ) .
_________
(١) سورة المجادلة / ٣.
(٢) البحر الرائق ٤ / ٩٣ - ٩٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٢، والمغني ٧ / ٤.
(٣) المغني ٦ / ٣٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٦، ٣٨٠، والبحر الرائق ٥ / ١٨٩ - ١٩٠، والدر المختار وحاشية رد المحتار ٤ / ٣٤٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٨ - ٧٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٤، ومواهب الجليل ٦ / ٢٤.
تَوَارُثُ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُسْلِمِ
١٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَجُوسِيَّ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَلاَ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ، لأَِنَّهُ كَافِرٌ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جِزْيَةٌ ف ٢٨ ٢٠) .
الْقِصَاصُ بَيْنَ الْمَجُوسِيِّ وَغَيْرِهِ
١٥ - الْمَجُوسِيُّ كَافِرٌ، وَحُكْمُهُ فِي الْقِصَاصِ حُكْمُ الْكَافِرِ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْقِصَاصِ لَهُ أَوْ مِنْهُ، وَالتَّفْصِيل فِي (قِصَاصٌ ف ١٣ وَمَا بَعْدَهَا)
دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ الذِّمِّيِّ أَوِ الْمُسْتَأْمَنِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي (دِيَاتٌ ف ٣٢) .
تَوْلِيَةُ الْمَجُوسِيِّ الْقَضَاءَ
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسِيَّ لاَ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِ لأَِنَّ الْقَضَاءَ وِلاَيَةٌ بَل مِنْ أَعْظَمِ الْوِلاَيَاتِ - وَلاَ وِلاَيَةَ لِكَافِرٍ عَلَى
_________
(١) حديث: " لا يرث المسلم الكافر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٥٠)، ومسلم (٣ / ١٢٣٣) من حديث أسامة بن زيد واللفظ لمسلم.
مُسْلِمٍ (١) -. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢) . وَأَمَّا تَوْلِيَةُ الْمَجُوسِيِّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فَاخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف ٢٢) .
قَضَاءُ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمَجُوسِ
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمَجُوسِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا وَكَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَحَاكَمَ الْمَجُوسُ وَهُمْ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِلَى الإِْمَامِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الذِّمَّةِ سَوَاءٌ فِي عُقُودِ الْمُعَامَلاَتِ وَالتِّجَارَاتِ وَالْحُدُودِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لاَ يُرْجَمُونَ لأَِنَّهُمْ غَيْرُ مُحْصَنِينَ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي مُنَاكَحَاتِهِمْ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: هُمْ مُقَرُّونَ عَلَى أَحْكَامِهِمْ لاَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمْ فِيهَا، إِلاَّ أَنْ يَرْضَوْا بِأَحْكَامِنَا. وَقَال مُحَمَّدٌ: إِذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا حُمِلاَ جَمِيعًا عَلَى أَحْكَامِنَا، وَإِنْ أَبَى الآْخَرُ إِلاَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ خَاصَّةً. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُحْمَلُونَ عَلَى أَحْكَامِنَا وَإِنْ أَبَوْا إِلاَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ نُجِيزُهُ إِذَا تَرَاضَوْا بِهَا (٣) .
_________
(١) البحر الرائق ٦ / ٢٦٠، والشرح الكبير ٤ / ١٢٩، ١٦٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٥، وكشاف القناع ٦ / ٢٩٥.
(٢) سورة النساء / ١٤١.
(٣) تفسير الجصاص ٢ / ٤٣٤ - ٤٣٦، والقرطبي ٦ / ١٨٦.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ خُيِّرَ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ فِي الْمَظَالِمِ مِنَ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي وَجَحْدِ الْحُقُوقِ.
وَإِنْ تَخَاصَمُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ رُدُّوا إِلَى أَهْل دِينِهِمْ إِلاَّ أَنْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ، وَإِنْ كَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا مَجُوسِيٌّ ذِمِّيٌّ أَوْ مُعَاهَدٌ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ وَمُسْلِمٌ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِشَرْعِنَا قَطْعًا، طَالِبًا كَانَ الْمُسْلِمُ أَوْ مَطْلُوبًا، لأَِنَّهُ يَجِبُ رَفْعُ الظُّلْمِ عَنِ الْمُسْلِمِ، وَالْمُسْلِمُ لاَ يُمْكِنُ رَفْعُهُ إِلَى حَاكِمِ أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ تَرْكُهُمَا مُتَنَازِعَيْنِ، فَرَدَدْنَا مَنْ مَعَ الْمُسْلِمِ إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى عَلَيْهِ.
وَلَوْ تَرَافَعَ مَجُوسِيَّانِ ذِمِّيَّانِ وَلَمْ نَشْتَرِطْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ لَهُمَا الْتِزَامَ أَحْكَامِنَا وَجَبَ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا فِي الأَْظْهَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (٢) . وَلأَِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ مَنْعُ الظُّلْمِ عَنْ أَهْل الذِّمَّةِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ وَالثَّانِي: وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمُ بَل يَتَخَيَّرُ
_________
(١) القوانين الفقهية ١٩٦، والجامع لأحكام القرآن ٦ / ١٨٤.
(٢) سورة المائدة / ٤٩.
لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١) .
أَمَّا لَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا مَجُوسِيَّانِ شُرِطَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ لَهُمَا الْتِزَامُ أَحْكَامِنَا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا جَزْمًا عَمَلًا بِالشَّرْطِ.
وَإِنْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيَّانِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، وَأَحَدُهُمَا مَجُوسِيٌّ، فَيَجِبُ كَذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي الْمُسْلِمِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا جَزْمًا، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لاَ يَرْضَى مِلَّةَ الآْخَرِ.
وَاسْتَثْنَى الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ مَا لَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا أَهْل الذِّمَّةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُمْ لاَ يُحَدُّونَ وَإِنْ رَضُوا بِحُكْمِنَا، لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا أَهْل الذِّمَّةِ أَيْ وَمِنْهُمُ الْمَجُوسُ الذِّمِّيُّونَ إِذَا اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إِحْضَارِهِمْ وَالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْل دِينٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ أَهْل أَدْيَانٍ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ - مَجُوسِيٌّ - وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ لأَِنَّهُ
_________
(١) سورة المائدة / ٤٢.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٩٥.
يَجِبُ دَفْعُ الظُّلْمِ، كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ (١) .
شَهَادَةُ الْمَجُوسِيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ
١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَجُوسِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ أَهْلٌ لِلْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَجُوسِيِّ وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا فِي عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ الْمَجُوسِيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ لاَ فِي حَضَرٍ وَلاَ سَفَرٍ وَلاَ وَصِيَّةٍ وَلاَ غَيْرِهَا.
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وَالْمَجُوسِيُّ لَيْسَ مِنَّا وَلَيْسَ عَدْلًا فَلاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ (٣) . (وَانْظُرْ شَهَادَةٌ - ف ٥) .
عَقْدُ الذِّمَّةِ لِلْمَجُوسِيِّ
٢٠ - إِذَا دُعِيَ الْمَجُوسِيُّ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَأَبَى ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الْجِزْيَةِ فَقَبِلَهَا عُقِدَتْ لَهُمُ الذِّمَّةُ.
وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِيِّ ثَابِتٌ بِالإِْجْمَاعِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ وَعَمِل بَهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلاَ مُخَالِفٍ، وَبِهِ يَقُول أَهْل الْعِلْمِ (٤) . وَذَلِكَ
_________
(١) المغني ٨ / ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) سورة الطلاق / ٢.
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ٢٨٠، والشرح الكبير ٤ / ١٦٥، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٧، وكشاف القناع ٦ / ٤١٧.
(٤) بدائع الصنائع ٧ / ١١٠، والمغني ٩ / ٣٣١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٤، والشرح الكبير ٢ / ٢٠٠ - ٢٠١.