الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْل الْكِتَابِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جِزْيَةٌ ف ٢٨ ٢٩) .
_________
(١) حديث: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " تقدم ف٤.
مُجُونٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُجُونُ فِي اللُّغَةِ: الصَّلاَبَةُ وَالْغِلْظَةُ، وَهُوَ مَصْدَرُ مَجَنَ الشَّيْءُ يَمْجُنُ مُجُونًا: صَلُبَ وَغَلُظَ، وَالْوَصْفُ مَاجِنٌ، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْمَاجِنِ لِصَلاَبَةِ وَجْهِهِ وَقِلَّةِ حِيَائِهِ، وَقِيل: الْمُجُونُ. خَلْطُ الْجِدِّ بِالْهَزْل (١) .
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْمَاجِنُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الَّذِي يَرْتَكِبُ الْمَقَابِحَ الْمُرْدِيَةَ، وَالْفَضَائِحَ الْمُخْزِيَةَ، وَلاَ يَمْنَعُهُ عَذْل عَاذِلِهِ وَلاَ تَقْرِيعُ مَنْ يُقَرِّعُهُ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ أَنْ لاَ يُبَالِيَ الإِْنْسَانُ بِمَا صَنَعَ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السَّفَهُ:
٢ - السَّفَهُ فِي اللُّغَةِ: نَقْصٌ فِي الْعَقْل.
_________
(١) لسان العرب، والمغرب في ترتيب المعرب، وابن عابدين ٥ / ٩٣.
(٢) لسان العرب.
(٣) حاشية البناني على شرح الزرقاني ٧ / ١٥٩.
وَأَصْلُهُ الْخِفَّةُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: صِفَةٌ لاَ يَكُونُ الشَّخْصُ مَعَهَا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ (٢) .
وَالصِّلَةُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُجُونِ وَالسَّفَهِ نَقْصٌ فِي الشَّخْصِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُجُونِ:
٣ - الْمُجُونُ يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ وَيَخْرِمُ الْعَدَالَةَ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمَاجِنِ وَهُوَ مَنْ لاَ يُبَالِي مَا صَنَعَ (٣) وَلاَ يَتَرَفَّعُ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ الدَّنِيئَةِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْهَا أَهْل الْمَرُوءَاتِ: وَذَلِكَ إِمَّا لِنَقْصِ عَقْلٍ أَوْ قِلَّةِ مُبَالاَةٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ تَبْطُل الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ (٤) .
الْحَجْرُ عَلَى الْمَاجِنِ
٤ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُفْتِي الْمَاجِنَ الَّذِي يَعْلَمُ الْحِيَل الْبَاطِلَةَ، كَتَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ الرِّدَّةَ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، وَيُمْنَعُ طَبِيبٌ جَاهِلٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسْقِي الْمَرْضَى دَوَاءً مُهْلِكًا، وَيُمْنَعُ مُكَارٍ مُفْلِسٌ كَمَنْ يَكْرِي إِبِلًا وَلَيْسَ لَهُ إِبِلٌ وَلاَ مَالٌ لِيَشْتَرِيَهَا بِهِ، وَإِذَا جَاءَ أَوَانُ الْخُرُوجِ يُخْفِي نَفْسَهُ، وَمَنْعُ هَؤُلاَءِ الْمُفْسِدِينَ لِلأَْدْيَانِ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) حاشية القليوبي والمحلي ٣ / ٣٦٤.
(٣) شرح الزرقاني ٧ / ١٥٩.
(٤) المغني ٩ / ١٦٩، وكشاف القناع ٦ / ٤٢٢، وما بعده، وأسنى المطالب ٤ / ٣٧٤.
وَالأَْبْدَانِ وَالأَْمْوَال دَفْعُ إِضْرَارٍ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَنْعِ هُنَا حَقِيقَةَ الْحَجْرِ، وَهُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ، لأَِنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفَتَى بَعْدَ الْمَنْعِ وَأَصَابَ جَازَ، وَكَذَا الطَّبِيبَ لَوْ بَاعَ الأَْدْوِيَةَ نَفَذَ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٥ / ٩٣.
مُحَابَاةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُحَابَاةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَابَى، يُقَال: حَابَاهُ مُحَابَاةً وَحِبَاءً: اخْتَصَّهُ وَمَال إِلَيْهِ وَنَصَرَهُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الْقُهُسْتَانِيُّ: الْمُحَابَاةُ هِيَ النُّقْصَانُ عَنْ قِيمَةِ الْمِثْل فِي الْوَصِيَّةِ بِالْبَيْعِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى قِيمَتِهِ فِي الشِّرَاءِ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُحَابَاةِ:
الْمُحَابَاةُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ:
أَوَّلًا: الْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
أ - الْمُحَابَاةُ مِنَ الصَّحِيحِ:
٢ - الْمُحَابَاةُ مِنَ الصَّحِيحِ غَيْرِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِحْقَاقُ الْمُتَبَرَّعِ لَهُ بِهَا مِنْ جَمِيعِ مَال الْمُحَابِي، إِنْ كَانَ صَحِيحًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ
_________
(١) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦ / ٦٦٨ - ط. الحلبي.
تُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْحَال فَيُعْتَبَرُ حَال التَّعَاقُدِ فَإِذَا كَانَ الْمُحَابِي صَحِيحًا حِينَئِذٍ فَلاَ حَقَّ لأَِحَدٍ فِي مَالِهِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ لاَ مِنَ الثُّلُثِ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُحَابَاةَ إِذَا كَانَتْ مِنَ الصَّحِيحِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ قَبْضًا مُعْتَبَرًا شَرْعًا أَمْ لاَ، فَإِنْ قَبَضَهَا قَبْضًا مُعْتَبَرًا فَفِيهَا قَوْلاَنِ: أَرْجَحُهُمَا اخْتِصَاصُ الْمُشْتَرِي بِهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْوَرَثَةِ أَوِ الدَّائِنِينَ.
وَإِنْ لَمْ يَقَعْ قَبْضٌ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ:
أَحَدُهَا: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ وَيُرَدُّ إِلَى الْمُشْتَرِي مَا دَفَعَ مِنْ ثَمَنٍ وَهَذَا هُوَ مَا فِي الْوَاضِحَةِ عَنِ الأَْخَوَيْنِ وَأَصْبَغَ، وَقَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ.
ثَانِيهَا: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ مِنَ الْمَبِيعِ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ.
وَثَالِثُهَا: يُخَيَّرُ فِي تَمَلُّكِ جُزْءٍ مِنَ الْمَبِيعِ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ وَفِي أَنْ يَدْفَعَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ فَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُحَابَاةِ فِي
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٧٠، وأسنى المطالب ٣ / ٣٩ الطبعة الأولى بالطبعة الميمنية بالقاهرة ١٣١٣، والمغني لابن قدامة ٦ / ٧١ - طبعة مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
(٢) حاشية الرهوني على شرح الزرقاني ٥ / ٣٥٦.
حَال الصِّحَّةِ، وَتَمَامُهَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، مِثْل مَا إِذَا بَاعَ بِمُحَابَاةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ خِيَارَ الْفَسْخِ خِلاَل ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَمَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ فِي مَرَضٍ طَرَأَ عَلَيْهِ خِلاَلَهَا وَمَاتَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمُحَابَاةِ مِنْ جَمِيعِ مَال الْمُحَابِي لاَ مِنَ الثُّلُثِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ بَاعَ بِمُحَابَاةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثُمَّ مَرِضَ وَأَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ تَرَكَ الْفَسْخَ فِيهَا عَامِدًا، إِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِيهَا لِلْبَائِعِ فَمِنَ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ، لأَِنَّهُ أَلْزَمَ الْعَقْدَ فِي الْمَرَضِ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ، وَإِلاَّ فَكَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُحَابَاةٍ ثُمَّ مَرِضَ وَوَجَدَهُ مَعِيبًا وَلَمْ يَرُدَّهُ مَعَ الإِْمْكَانِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتَفْوِيتٍ بَل امْتِنَاعٌ مِنَ الْكَسْبِ فَقَطْ (٢) .
ب - الْمُحَابَاةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِغَيْرِ وَارِثِهِ
٣ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمُحَابَاةُ وَلَوْ يَسِيرَةً مِنَ الْمَرِيضِ الْمَدِينِ بِدَيْنِ يُحِيطُ بِكُل مَالِهِ لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لأَِجْنَبِيٍّ - أَيْ غَيْرِ وَارِثٍ لَهُ - سَوَاءٌ أَجَازَتِ الْوَرَثَةُ الْمُحَابَاةَ أَمْ لاَ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ أَنْ يُزِيل الْمُحَابَاةَ
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٢٥٩.
(٢) أسنى المطالب ٣ / ٤٠.
بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ إِلَى ثَمَنِ الْمِثْل أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ تَجُوزُ الْمُحَابَاةُ وَلَوْ فَاحِشَةً لَكِنْ تَكُونُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ تُؤْخَذُ مِنْهُ إِنْ وَسِعَهَا بِأَنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ مُسَاوِيَةً لِلثُّلُثِ أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَلاَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ (١) .
وَإِنْ لَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - أَنْ يُكْمِل بَقِيَّةَ الثَّمَنِ أَوْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُكْمِل بَقِيَّةَ الثَّمَنِ وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا دَفَعَ وَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ ثُلُثُ مَال الْمَيِّتِ.
وَثَانِيهَا: يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُكْمِل بَقِيَّةَ الثَّمَنِ فَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْمَبِيعِ، فَإِذَا أَبَى فَلَهُ مَا يُقَابِل ثَمَنَهُ مِنَ الْمَبِيعِ وَثُلُثُ مَال الْمَيِّتِ.
وَثَالِثُهَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُكْمِل جَبْرًا عَلَى الْوَرَثَةِ، وَيَكُونُ لَهُ مَا يُقَابِل ثَمَنَهُ مِنَ الْمَبِيعِ مَعَ ثُلُثِ مَال الْمَيِّتِ (٣) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٢٤٥، ٢٤٦، والزيلعي ٥ / ٢١٤، والرهوني ٥ / ٣٥١، وأسنى المطالب ٣ / ٣٩ - ٤٠، والمغني ٦ / ٧١، ٩٢، ٩٣.
(٢) جامع الفصولين ٢ / ٢٤٥، ٢٤٦، والزيلعي ٥ / ٢١٤، المطبعة الأميرية بالقاهرة ١٣١٥.
(٣) حاشية الرهوني ٥ / ٣٥٦.
فَسْخِ الْبَيْعِ وَالإِْجَازَةِ فِي الثُّلُثِ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنِ اخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ وَلُزُومَهُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي - فِيمَا إِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ عَقَارًا لاَ يَمْلِكُ غَيْرَهُ قِيمَتُهُ ثَلاَثُونَ بِعَشَرَةِ - أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مُقَابَلَةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِ الْمَبِيعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي ثُلُثَيِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ لأَِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ بِالْمُحَابَاةِ وَالثُّلُثَ الآْخَرَ بِالثَّمَنِ (٢) .
ج - الْمُحَابَاةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ
٤ - إِنْ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ فَلاَ تَجُوزُ إِلاَّ إِذَا أَجَازَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمُحَابَاةُ يَسِيرَةً أَوْ فَاحِشَةً لأَِنَّ الْمُحَابَاةَ فِي الْمَرَضِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، اتَّفَقَ عَلَى هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُحَابَاةَ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِ وَارِثٍ تَجُوزُ إِذَا كَانَتْ يَسِيرَةً - أَيْ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ - وَيَحْسَبُ مِنْ جَمِيعِ مَال
_________
(١) أسنى المطالب ٣ / ٣٩.
(٢) المغني ٦ / ٧١، ٩٢، ٩٣.
الْمَرِيضِ كَبَيْعِهِ بِثَمَنِ الْمِثْل (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَبْطُل الْمُحَابَاةُ وَيَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ مِنَ الْمَبِيعِ، وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا عَدَا قَدْرَ الْمُحَابَاةِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا:
لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَل الثَّمَنَ فِي كُل الْمَبِيعِ فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي بَعْضِهِ.
الثَّانِي: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَيَصِحُّ فِيمَا يُقَابِل الثَّمَنَ الْمُسَمَّى بَيْنَهُمَا، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا يُقَابِل الثَّمَنَ، لأَِنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلاَ يَنْفُذُ إِلاَّ بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَتَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ، فَإِنْ أَجَازُوا الْمُحَابَاةَ صَحَّ الْبَيْعُ وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي (٢) .
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْمُحَابَاةَ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُخَيَّرُ الْوَارِثُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ بِإِكْمَال الثَّمَنِ (٣) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَبْطُل الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ، وَيَصِحُّ فِيمَا بَقِيَ، وَلِلْمُشْتَرِي
_________
(١) المراجع السابقة، والمهذب ١ / ٤٥٣.
(٢) المغني ٥ / ٣١٩، ٣٢٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٩٢.
(٣) جامع الفصولين ٢ / ٢٤٥ - ٢٤٦، والزيلعي ٥ / ٢١٤.