الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

ثُمَّ قَال: وَإِنَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ غَفْرُ مَا كَسَبَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْزِيهِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِإِحْسَانِهِ، وَالشَّهَادَةِ بِتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ سُؤَال الْمَغْفِرَةِ مِنْ جَنَابِهِ، وَهُوَ الَّذِي لاَ يُخَيِّبُ قَاصِدَ بَابِهِ (١) .

أَمَانَةُ الْمَجْلِسِ

١٠ - قَال الْخَادِمِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ: الْمَجَالِسُ بِالأَْمَانَةِ (٢) أَيْ لاَ يُشِيعُ حَدِيثَ جَلِيسِهِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مُجَالَسَةِ أَهْل الأَْمَانَةِ وَتَجَنُّبِ أَهْل الْخِيَانَةِ، وَعَنِ الْعَسْكَرِيِّ: يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُل يَجْلِسُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَخُوضُونَ فِي حَدِيثٍ رُبَّمَا كَانَ فِيهِ مَا يَكْرَهُونَ فَيَأْمَنُونَهُ عَلَى سِرِّهِمْ، فَذَلِكَ الْحَدِيثُ كَالأَْمَانَةِ عِنْدَهُ، وَفُسِّرَ أَيْضًا: بِأَنَّ الْمَجَالِسَ إِنَّمَا تَحْسُنُ بِالأَْمَانَةِ لِحَاضِرِيهَا عَلَى مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.

وَقَال رَجَبُ بْنُ أَحْمَدَ: يَعْنِي جَمِيعَ الْمَجَالِسِ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الأَْقْوَال وَالأَْفْعَال مُلاَبِسٌ بِالأَْمَانَاتِ عَلَى أَهْلِهَا دُونَ الْخِيَانَةِ، فَلاَ يَجُوزُ إِظْهَارُ مَا فِيهَا وَإِفْشَاؤُهُ بَيْنَ النَّاسِ (٣) .

_________

(١) دليل الفالحين ٣ / ٣٠٦.

(٢) حديث: " المجالس بالأمانة. . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٨٩) من حديث جابر بن عبد الله، وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (٧ / ٢١٠) .

(٣) بريقة محمودية وبهامشه الوسيلة الأحمدية، والذريعة السرمدية ٣ / ٢٢٢.

وَقَال الْغَزَالِيُّ: إِفْشَاءُ السِّرِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيذَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَقِّ الْمَعَارِفِ وَالأَْصْدِقَاءِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ (١) .

وَإِفْشَاءُ السِّرِّ حَرَامٌ إِذَا كَانَ فِيهِ إِضْرَارٌ، وَلُؤْمٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِضْرَارٌ (٢) .

وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: لاَ يَجُوزُ الاِسْتِمَاعُ إِلَى كَلاَمِ قَوْمٍ يَتَشَاوَرُونَ وَيَجِبُ حِفْظُ سِرِّ مَنْ يَلْتَفِتُ فِي حَدِيثِهِ حَذَرًا مِنْ إِشَاعَتِهِ، لأَِنَّهُ كَالْمُسْتَوْدَعِ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ.

وَاسْتُثْنِيَ مِنْ خَطَرِ إِفْشَاءِ السِّرِّ ثَلاَثَةُ مَجَالِسَ، وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْمَجَالِسُ بِالأَْمَانَةِ إِلاَّ ثَلاَثَةُ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، وَفَرْجٌ حَرَامٌ، وَاقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ (٣) .

قَال الْخَادِمِيُّ: فَيُفْشِي مَا سَمِعَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِإِهْرَاقِ دَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَلْحَقُهُ مَا يَتَعَلَّقُ

_________

(١) حديث: " إذا حدث الرجل. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٨٩)، والترمذي (٤ / ٣٤١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.

(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ١٣٢.

(٣) حديث: " المجالس بالأمانة إلا ثلاث مجالس. . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٨٩) من حديث جابر بن عبد الله وضعفه المنذري في مختصر سنن أبي داود (٧ / ٢١٠) .

بِالضَّرْبِ وَالْجُرْحِ، وَيُفْشِي مَا سَمِعَ عَنِ الزِّنَا، وَعَنْ مَجْلِسٍ يُقْتَطَعُ فِيهِ مَال مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ مُبِيحٍ، فَيُظْهِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ أَوِ التَّلَفِ أَوِ الإِْهْدَارِ، فَلاَ يَجُوزُ لِلسَّامِعِ كَتْمُهُ، قَال فِي الْفَيْضِ: قَال الْقَاضِي: يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي إِذَا حَضَرَ مَجْلِسًا وَوَجَدَ أَهْلَهُ عَلَى مُنْكَرٍ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِهِمْ وَلاَ يُشِيعُ مَا يَرَى مِنْهُمْ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ فَإِنَّهُ فَسَادٌ كَبِيرٌ، وَإِخْفَاؤُهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (١) .

مَجَالِسُ اللَّهْوِ:

١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ حُضُورُ مَجْلِسِ اللَّهْوِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ (٢) .

قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (٣) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَالَسَةَ أَهْل الْكَبَائِرِ لاَ تَحِل (٤) .

وَقَال الْبُخَارِيُّ: كُل لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: كَمَنِ الْتَهَى

_________

(١) بريقة محمودية ٣ / ٢٢٢.

(٢) بريقة محمودية ٤ / ١١٩، ١٠٣، والفواكه الدواني ٢ / ٤٥٢، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٣٦٦، وفتح الباري ١١ / ٩١.

(٣) سورة الأنعام / ٦٨.

(٤) تفسير القرطبي ٧ / ١٢ - ١٣.

بِشَيْءِ مِنَ الأَْشْيَاءِ الْمُطْلَقَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا فِي فِعْلِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَمَنِ اشْتَغَل بِصَلاَةِ نَافِلَةٍ أَوْ بِتِلاَوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ تَفَكُّرٍ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ مَثَلًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يَدْخُل تَحْتَ هَذَا الضَّابِطِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنَ الأَْشْيَاءِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا الْمَطْلُوبِ فِعْلُهَا فَكَيْفَ حَال مَا دُونَهَا.

وَتَفْصِيل الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهْوِ فِي مُصْطَلَحِ (لَهْوٌ ف ٣ وَمَا بَعْدَهَا) .

مَجْلِسُ الْقَضَاءِ

١٢ - مَجْلِسُ الْقَضَاءِ يَسْتَقْبِل الْقَاضِي فِيهِ الْخُصُومَ وَوُكَلاَءَهُمْ وَالشُّهُودَ وَيَسْتَمِعُ إِلَى دَعَاوِيهِمْ وَحُجَجِهِمْ وَيُصْدِرُ فِيهِ الأَْحْكَامَ.

وَلِهَذَا الْمَجْلِسِ آدَابٌ وَأَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَكَانِ وَبِالْقَاضِي وَالْمُتَقَاضِينَ وَوُكَلاَئِهِمْ وَبِالشَّهَادَةِ وَالإِْقْرَارِ فِيهِ وَبِمَنْ يَحْضُرُهُ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف ٣٢ ٣٧ وَمَا بَعْدَهَا) .

مَجْلِسُ الْحُكْمِ

التَّعْرِيفُ:

١ - مَجْلِسُ الْحُكْمِ: مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: هُمَا مَجْلِسٌ وَحُكْمٌ.

وَالْمَجْلِسُ فِي اللُّغَةِ: مَوْضِعُ الْجُلُوسِ، وَالْحُكْمُ مَصْدَرُ: حَكَمَ.

وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْقَضَاءُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَجْلِسُ الْحُكْمِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْعُدُ فِيهِ الْقَاضِي لِفَصْل الْقَضَاءِ وَإِصْدَارِ الْحُكْمِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

مَجْلِسُ الْعَقْدِ:

٢ - مَجْلِسُ الْعَقْدِ: هُوَ الاِجْتِمَاعُ لِلْعَقْدِ جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مَجْلِسُ الْبَيْعِ: هُوَ الاِجْتِمَاعُ الْوَاقِعُ لِعَقْدِ الْبَيْعِ (٣) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ:

٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) أدب القضاء لابن أبي الدم ص١٠٩، ١١٠.

(٣) المادة (١٨١) .

يَجْعَل مَجْلِسَ حُكْمِهِ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ لاَ يَكُونُ دُونَهُ حِجَابٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي وَسْطِ الْبَلَدِ لِيَتَسَاوَى النَّاسُ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ وَاسِعًا فَسِيحًا غَيْرَ ضَيِّقٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي أَشْهَرِ الأَْمَاكِنِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصُونًا عَمَّا يُؤْذِي مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَرِيحٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا لِلْقَضَاءِ، وَأَنْ لاَ يَحْتَجِبَ الْقَاضِي بِغَيْرِ عُذْرٍ (١) .

اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ:

فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي الْمَسْجِدَ مَجْلِسَ حُكْمِهِ، بَل يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الأَْمْرِ الْقَدِيمِ، وَهُوَ الْحَقُّ، قَال مَالِكٌ: لأَِنَّهُ يَرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عَلَى النَّاسِ فِي شُهُودِهِمْ وَيَصِل إِلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ، يَدُل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْصِل الْخُصُومَاتِ فِي الْمَسْجِدِ (٢) وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٢٦ وما بعدها، فتح القدير ٦ / ٣٦٩، المغني ٩ / ٤٥، وكشاف القناع ٦ / ٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٣٨٧ - ٣٩٠، المحلي ٣ / ٣٠١ - ٣١٢، وروض الطالب ٤ / ٢٩٧، وروضة القضاة للسمناني ١ / ١٠٠، والأم ٦ / ١٩٨.

(٢) حديث: إن رسول الله ﷺ كان يفصل في الخصومات في المسجد يدل عليه حديث أبي هريرة أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربعًا قال: أبك جنون؟ قال: لا. قال (فتح الباري ١٣ / ١٥٦) وبوب عليه بقوله: باب من حكم في المسجد.

يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لِفَصْل الْخُصُومَاتِ.

وَلأَِنَّ الْقَضَاءَ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِيهِ كَالصَّلاَةِ وَالأَْحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ قَضَائِهِ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ: جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ ضَرَرَ ذَلِكَ بِالنَّصَارَى وَأَهْل الْمِلَل وَالنِّسَاءِ الْحُيَّضِ، فَيَجْلِسُ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَال سَحْنُونٌ: فَإِنْ دَخَل عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِجُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ حَتَّى شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ وَالْفَهْمِ فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ يَحُول بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَائِلٌ (١) .

وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي دَارِهِ فَإِنْ دَعَتْهُ ضَرُورَةٌ فَلْيَفْتَحْ أَبْوَابَهَا وَلْيَجْعَل سَبِيلَهَا سَبِيل الْمَوَاضِعِ الْمُتَاحَةِ لِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ وَلاَ حِجَابٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي فِي دَارِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ، وَقَال صَاحِبُ تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ وَعَزَاهُ إِلَى صَاحِبِ تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْجُلُوسُ فِي مَنْزِلِهِ لِلْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ (٢) .

_________

(١) فتح القدير ٦ / ٣٦٩، وروضة القضاة للسمناني ١ / ٩٨، وتبصرة الحكام ١ / ٢٦ - ٢٧ وما بعدها، وكشاف القناع ٦ / ٣١٢، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٧٥، والمغني ٩ / ٤٥.

(٢) تبصرة الحكام ١ / ٢٦ - ٢٧.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ لأَِنَّ مَجْلِسَ الْقَاضِي لاَ يَخْلُو عَنِ اللَّغَطِ وَارْتِفَاعِ الأَْصْوَاتِ، وَقَدْ يُحْتَاجُ لإِحْضَارِ الْمَجَانِينِ وَالأَْطْفَال وَالْحُيَّضِ وَالْكُفَّارِ وَالدَّوَابِّ، وَالْمَسْجِدُ يُصَانُ عَنْ ذَلِكَ.

فَإِنِ اتَّفَقَتْ قَضِيَّةٌ أَوْ قَضَايَا وَقْتَ حُضُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ بَأْسَ بِهَا.

وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ دُونِهَا، مَنَعَ الْخُصُومَ مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ بِالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَل يَقْعُدُونَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَيَنْصِبُ مَنْ يُدْخِل عَلَيْهِ خَصْمَيْنِ خَصْمَيْنِ (١) .

أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَةِ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِالْخُصُومِ، مِنْ تَسْوِيَةٍ فِي كُل شَيْءٍ، وَتَأْدِيبِ مَنْ أَسَاءَ الأَْدَبَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَعَلاَقَتِهِ بِالشُّهُودِ؛ فَيُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف ٤١ ٤٤ وَشَهَادَةٌ ف ٣٦ وَمَا بَعْدَهَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ ف ٥ - ٨) .

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٨٧ - ٣٩٠.

مَجْلِسُ الْعَقْدِ

التَّعْرِيفُ:

١ - مَجْلِسُ الْعَقْدِ مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ مِنْ لَفْظَيْنِ هُمَا: مَجْلِسٌ وَالْعَقْدُ.

وَالْمَجْلِسُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَوْضِعُ الْجُلُوسِ، أَمَّا الْعَقْدُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ: نَقِيضُ الْحَل (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَقْدُ هُوَ رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول (٢) .

وَمَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ الاِجْتِمَاعُ لِلْعَقْدِ، جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: جِنْسُ الْبَيْعِ هُوَ الاِجْتِمَاعُ الْوَاقِعُ لِعَقْدِ الْبَيْعِ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

مَجْلِسُ الْحُكْمِ:

٢ - مَجْلِسُ الْحُكْمِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْعُدُ فِيهِ الْقَاضِي (الْحَاكِمُ) لِفَصْل الْقَضَاءِ وَإِصْدَارِ الْحُكْمِ (٤) .

_________

(١) لسان العرب.

(٢) التعريفات.

(٣) المادة (١٨١) .

(٤) أدب القضاء لابن أبي الدم ص١٠٩ - ١١٠.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ:

يَتَعَلَّقُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ - اتِّحَادُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ

٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، بِأَنْ يَقَعَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ بِأَنْ أَوْجَبَ أَحَدَهُمَا فَقَامَ الآْخَرُ مِنَ الْمَجْلِسِ قَبْل الْقَبُول أَوِ اشْتَغَل بِعَمَلٍ يُوجِبُ اخْتِلاَفَ الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَبِل لَمْ يَنْعَقِدْ وَبَطَل الإِْيجَابُ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف ٢٢ وَمَا بَعْدَهَا) .

ب - تَقَابُضُ الْعِوَضَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فِي الصَّرْفِ

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّرْفِ تَقَابُضُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْضًا حَقِيقِيًّا لِحَدِيثِ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْل سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ (٢) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٣٢، ٥ / ١٣١ والفتاوى الهندية ١ / ٢٦٩، والبحر الرائق ٣ / ٢٨٩، وابن عابدين ٢ / ١٦٩، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦، حاشية القليوبي ٢ / ١٥٤، والشرح الصغير ٢ / ٣٥٠، شرح الزرقاني ٣ / ١٦٩.

(٢) حديث: " الذهب بالذهب. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١) من حديث عبادة بن الصامت.