الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ وَتَجَنُّبِ الأَْمَاكِنِ الَّتِي قَدْ يُفْضِي الْجُلُوسُ بِهَا إِلَى مَفَاسِدَ وَمَضَارَّ.
وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ فَقُلْنَا إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ، قَال: أَمَّا لاَ، فَأَدُّوا حَقَّهَا: غُضُّوا الْبَصَرَ وَرُدُّوا السَّلاَمَ وَحَسِّنُوا الْكَلاَمَ (١) .
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ " وَإِرْشَادُ السَّبِيل (٢) " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتُهْدُوا الضَّال (٣) .
وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْفِتَنِ وَالأَْذَى.
قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: أَمَّا الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ فَالْمُرُوءَةُ وَالنَّزَاهَةُ اجْتِنَابُ الْجُلُوسِ فِيهِ، فَإِنْ جَلَسَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّ الطَّرِيقِ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَإِرْشَادُ الضَّال، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَجَمْعُ اللُّقَطَةِ لِلتَّعْرِيفِ، وَالأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ جَلَسَ وَلَمْ يُعْطِ الطَّرِيقَ حَقَّهَا فَقَدِ اسْتَهْدَفَ لأَِذِيَّةِ النَّاسِ (٤) .
_________
(١) حديث: " اجتنبوا مجالس الصعدات. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٠٤) من حديث أبي طلحة ﵁.
(٢) حديث: " وإرشاد السبيل. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٠) من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث: " وتغيثوا الملهوف. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٦١) من حديث عمر بن الخطاب.
(٤) بريقة محمودية ٤ / ١٦٥، ١٦٦، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٩٢، ٣٩٣.
آدَابُ الْمَجْلِسِ
مِنْ آدَابِ الْمَجْلِسِ مَا يَلِي:
أ - التَّفَسُّحُ فِي الْمَجْلِسِ وَعَدَمُ الْجُلُوسِ وَسْطَ الْحَلْقَةِ:
٦ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي وَسْطِ الْحَلْقَةِ كَحَلْقَةِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ (١) وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا كَانَ فِي الْحَلْقَةِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ خَلْفَهُ يَتَأَخَّرُ قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي وَسْطِ الْحَلْقَةِ وَيَتَوَجَّهَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ.
وَالْجُلُوسُ فِي وَسْطِ الْحَلْقَةِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَأْتِيَ حَلْقَةً فَيَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَيَقْعُدَ وَسْطَ الْقَوْمِ، وَلاَ يَقْعُدُ حَيْثُ يَنْتَهِي الْمَجْلِسُ، أَوْ أَنْ يَقْعُدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ مُقَابِلًا بَيْنَ وُجُوهِ الْمُتَحَلِّقِينَ فَيَحْجُبَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا لُعِنَ لأَِنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُ وَيَذُمُّونَهُ لِتَأَذِّيهِمْ.
وَقِيل: اللَّعْنُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يَجْلِسُ اسْتِهْزَاءً كَالْمُضْحِكِ وَبِمَنْ يَجْلِسُ لأَِخْذِ الْعِلْمِ نِفَاقًا (٢) .
_________
(١) حديث: " لعن من جلس وسط الحلقة ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٤) والترمذي (٥ / ٩٠) من حديث حذيفة بن اليمان، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) بريقة محمودية وهامشها ٤ / ١٦٦، ١٦٧، والقوانين الفقهية / ٤٣٣ - ط. دار الكتاب العربي، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٤٥٧، والآداب للبيهقي / ١٠٣.
ب - تَجَنُّبُ إِقَامَةِ شَخْصٍ مِنْ مَجْلِسِهِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي تَخْصِيصُ مَكَانٍ لِنَفْسِهِ فِي الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ يُخِل بِالْخُشُوعِ أَيْ لأَِنَّهُ إِذَا اعْتَادَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي غَيْرِهِ يَبْقَى بَالُهُ مَشْغُولًا بِالأَْوَّل بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَأْلَفْ مَكَانًا مُعَيَّنًا.
وَقَالُوا: لَيْسَ لِمَنْ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ - وَلَوْ مُدَرِّسًا - وَقَدْ شَغَلَهُ غَيْرُهُ إِزْعَاجُ هَذَا الْغَيْرِ مِنْهُ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ مِلْكًا لأَِحَدٍ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَقُمْ عَنْهُ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ بِلاَ مُهْلَةٍ كَمَا لَوْ قَامَ لِلْوُضُوءِ مَثَلًا وَلاَ سِيَّمَا إِذَا وَضَعَ فِيهِ ثَوْبَهُ لِتَحَقُّقِ سَبْقِ يَدِهِ.
وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: مَثَل الْمَسْجِدِ مَقَاعِدُ الأَْسْوَاقِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا الْمُحْتَرِفُونَ: مَنْ سَبَقَ لَهَا فَهُوَ الأَْحَقُّ بِهَا وَلَيْسَ لِمُتَّخِذِهَا أَنْ يُزْعِجَهُ إِذْ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهَا مَا دَامَ فِيهَا فَإِذَا قَامَ عَنْهَا اسْتَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهَا مُطْلَقًا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْمُرَادُ بِهَا (بِالْمَقَاعِدِ) الَّتِي لاَ تَضُرُّ الْعَامَّةَ وَإِلاَّ أُزْعِجَ فِيهَا مُطْلَقًا.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ فَلِلْمُصَلِّي إِزْعَاجُ الْقَاعِدِ وَلَوْ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةٍ أَوْ دَرْسٍ وَكَذَا إِذَا لَمْ يَضِقْ لَكِنْ فِي قُعُودِ الْقَاعِدِ قَطْعٌ لِلصَّفِّ.
وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلسَّرَخْسِيِّ: وَكَذَا كُل مَا يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ سَوَاءً كَالنُّزُول فِي الرِّبَاطَاتِ وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلصَّلاَةِ وَالنُّزُول بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ لِلْحَجِّ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ فِي مَكَانٍ كَانَ يَنْزِل فِيهِ غَيْرُهُ فَهُوَ أَحَقُّ وَلَيْسَ لِلآْخَرِ أَنْ يُحَوِّلَهُ فَإِنْ أَخَذَ مَوْضِعًا فَوْقَ مَا يَحْتَاجُهُ فَلِلْغَيْرِ أَخْذُ الزَّائِدِ مِنْهُ (١) .
وَسُئِل مَالِكٌ عَنِ الرَّجُل يَقُومُ مِنَ الْمَجْلِسِ فَقِيل لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ فَقَال: سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ إِنْ كَانَ إِتْيَانُهُ قَرِيبًا وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَعِيدًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلاَ أَرَى ذَلِكَ لَهُ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ مَحَاسِنِ الأَْخْلاَقِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ: إِذَا قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَيْهِ وَأَمَّا إِنْ قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِنْ رَجَعَ بِالْقُرْبِ فَتَحْصِيل هَذَا أَنَّهُ إِنْ قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَرَجَعَ بِالْقُرْبِ حَسَنٌ أَنْ يَقُومَ لَهُ عَنْهُ مَنْ جَلَسَ بَعْدَهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بِالْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الاِسْتِحْسَانِ وَإِنْ قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ فَعَادَ إِلَيْهِ بِالْقُرْبِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَوَجَبَ عَلَى مَنْ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ
_________
(١) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٤٤٥.
عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ بِالْقُرْبِ حَسُنَ أَنْ يَقُومَ لَهُ عَنْهُ مَنْ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَهُ وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ لِخَبَرِ: نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا (٢) .
فَإِنْ قَامَ الْجَالِسُ بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرَهُ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي جُلُوسِ غَيْرِهِ وَأَمَّا هُوَ فَإِنِ انْتَقَل إِلَى مَكَانٍ أَقْرَبَ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ مِثْلِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلاَّ كُرِهَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، كَإِيثَارٍ، نَحْوُ عَالِمٍ وَقَارِئٍ؛ لأَِنَّ الإِْيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ أَوْ يُقْرِئُ فِيهِ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَى الْقُعُودِ فِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ - كَمَا قَال ابْنُ حَجَرٍ - مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الشَّوَارِعِ وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ لِمُعَامَلَةٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَقْعُدُ لَهُ فِي مَكَانٍ لِيَقُومَ عَنْهُ إِذَا جَاءَ هُوَ.
وَإِذَا فُرِشَ لأَِحَدٍ ثَوْبٌ أَوْ نَحْوُهُ فَلِغَيْرِهِ تَنْحِيَتُهُ وَالصَّلاَةُ مَكَانَهُ لاَ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ
_________
(١) البيان والتحصيل ٧ / ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) حديث: " نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٦٢)، ومسلم (٤ / ١٧١٤) .
رِضَا صَاحِبِهِ، وَلاَ يَرْفَعُهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِئَلاَّ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ.
وَمَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ لِصَلاَةٍ مَثَلًا ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَعُودَ إِلَيْهِ - بَعْدَ وُضُوءٍ مَثَلًا أَوْ شُغْلٍ يَسِيرٍ - لاَ يَبْطُل اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ قَعَدَ فِيهِ وَعَلَى الْقَاعِدِ أَنْ يُطِيعَهُ وُجُوبًا عَلَى الأَْصَحِّ وَقِيل: يُسْتَحَبُّ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ وَلَوْ عَبْدَهُ الْكَبِيرَ أَوْ وَلَدَهُ الْكَبِيرَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ دِينِيٌّ فَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ وَالْوَالِدُ وَوَلَدُهُ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلاَةَ فِيهِ، حَتَّى الْمُعَلِّمُ وَنَحْوُهُ كَالْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ، وَمَنْ يَجْلِسُ لِلْمُذَاكَرَةِ فِي الْفِقْهِ إِذَا جَلَسَ إِنْسَانٌ مَوْضِعَ حَلْقَتِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا وَلَكِنْ يَقُول: افْسَحُوا؛ وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ إِلاَّ الصَّغِيرُ فَيُؤَخَّرُ.
وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: تَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ صَلاَةِ مَنْ أَخَّرَ مُكَلَّفًا وَجَلَسَ مَكَانَهُ؛ لِشَبَهِهِ الْغَاصِبَ إِلاَّ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ لأَِنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ وَلأَِنَّهُ
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ٢٦٨، والقليوبي ١ / ٢٨٧، وفتح الباري ١١ / ٦٤.
قَعَدَ فِيهِ لِحِفْظِهِ لَهُ وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ بِإِقَامَتِهِ لَكِنْ إِنْ جَلَسَ فِي مَكَانِ الإِْمَامِ أَوْ طَرِيقِ الْمَارَّةِ أَوِ اسْتَقْبَل الْمُصَلِّينَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ أُقِيمَ.
وَيُكْرَهُ إِيثَارُهُ غَيْرَهُ بِمَكَانِهِ الأَْفْضَل كَالصَّفِّ الأَْوَّل وَنَحْوِهِ وَكَيَمِينِ الإِْمَامِ وَيَتَحَوَّل إِلَى مَا دُونَهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الرَّغْبَةِ عَنِ الْمَكَانِ الأَْفْضَل، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ آثَرَ بِهِ وَالِدَهُ وَنَحْوَهُ، وَلاَ يُكْرَهُ لِلْمُؤْثَرِ قَبُول الْمَكَانِ الأَْفْضَل وَلاَ رَدُّهُ، فَلَوْ آثَرَ - الْجَالِسُ بِمَكَانِ أَفْضَل - زَيْدًا فَسَبَقَهُ إِلَيْهِ عَمْرٌو حَرُمَ عَلَى عَمْرٍو سَبْقُهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ وَجَدَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا فَلَيْسَ لَهُ رَفْعُهُ لأَِنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الاِفْتِيَاتِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَالإِْفْضَاءِ إِلَى الْخُصُومَةِ، وَقَاسَهُ فِي الشَّرْحِ عَلَى رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ، وَمَقَاعِدُ الأَْسْوَاقِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الصَّلاَةُ فَلَهُ رَفْعُهُ وَالصَّلاَةُ مَكَانَهُ لأَِنَّهُ لاَ حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ لِرَبِّهِ، وَلَمْ يَحْضُرْ، وَلاَ الْجُلُوسُ وَلاَ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ.
قَال فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إِنْ حَرُمَ رَفْعُهُ فَلَهُ فَرْشُهُ، وَإِلاَّ كُرِهَ، وَمَنَعَ مِنَ الْفَرْشِ الشَّيْخَ لِتَحَجُّرِهِ مَكَانًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَرِيبًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ مَرْفُوعًا مَنْ قَامَ مِنْ
مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (١) وَقَيَّدَهُ فِي الْوَجِيزِ بِمَا إِذَا عَادَ وَلَمْ يَتَشَاغَل بِغَيْرِهِ مَا لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا قَامَ فِي صَفٍّ فَاضِلٍ أَوْ فِي وَسْطِ الصَّفِّ ثُمَّ قَامَ لِعَارِضٍ ثُمَّ عَادَ فَيُؤَخَّرُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ بِالأَْوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَصِل الْعَائِدُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالتَّخَطِّي جَازَ لَهُ التَّخَطِّي، كَمَنْ رَأَى فُرْجَةً لاَ يَصِل إِلَيْهَا إِلاَّ بِهِ (٢) .
ج - السَّلاَمُ:
٨ - قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ دَخَل شَخْصٌ مَجْلِسًا فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ قَلِيلًا يَعُمُّهُمْ سَلاَمٌ وَاحِدٌ فَسَلَّمَ كَفَاهُ، فَإِنْ زَادَ فَخَصَّصَ بَعْضَهُمْ فَلاَ بَأْسَ، وَيَكْفِي أَنْ يَرُدَّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَإِنْ زَادَ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا بِحَيْثُ لاَ يَنْتَشِرُ فِيهِمْ فَيُبْتَدَأُ أَوَّل دُخُولِهِ إِذَا شَاهَدَهُمْ، وَتَتَأَدَّى سُنَّةُ السَّلاَمِ فِي حَقِّ جَمِيعِ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ الرَّدُّ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِذَا جَلَسَ سَقَطَ عَنْهُ سُنَّةُ السَّلاَمِ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الْبَاقِينَ (٣) .
وَفِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ لاَ يُسَلِّمُ الْقَاضِي عَلَى الْخُصُومِ، وَلاَ هُمْ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُمْ لَوْ سَلَّمُوا عَلَيْهِ لاَ يَلْزَمُهُ الرَّدُّ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّهُ اشْتَغَل
_________
(١) حديث: " من قام من مجلسه. . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٤ - ٤٦.
(٣) فتح الباري ١١ / ١٤ - ١٥، وشرح مسلم ١٤ / ١٤٥.
بِأَمْرٍ هُوَ أَعْظَمُ وَأَهَمُّ (١) .
وَمَنْ قَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ أَيْضًا، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُْولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآْخِرَةِ (٢) .
كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ وَالدُّعَاءُ فِيهِ
٩ - يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُل إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَنْ يَقُول: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ " (٣) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَال قَبْل أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ. (٤)
وَاحْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الآْجُرِيُّ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٠.
(٢) حديث: " إذا انتهى أحدكم إلى مجلس. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) الآداب الشرعية: ٣ / ٦١٩ - ٦٢٣.
(٤) حديث: " من جلس في مجلس. . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٤٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
بِمَا رَوَاهُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لاَ إِلَه إِلاَّ أَنْتَ، تُبْ عَلَيَّ وَاغْفِرْ لِي، يَقُولُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ لَغَطٍ كَانَتْ كَفَّارَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ كَانَتْ طَابِعًا عَلَيْهِ (١) .
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الأَْحْوَصِ وَيَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ وَعَطَاءٌ قَالُوا: فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٢) أَيْ: حِينَ تَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ تَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، وَقَالُوا: مَنْ قَالَهَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَال عَطَاءٌ: إِنْ كُنْتَ أَحْسَنْتَ ازْدَدْتَ إِحْسَانًا، وَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ كَفَّارَةً (٣) .
قَال ابْنُ عَلاَّنَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: عُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِمَا عَدَا الْكَبَائِرَ، فَإِنَّهَا لاَ تُكَفَّرُ إِلاَّ بِالتَّوْبَةِ، أَوْ بِالْفَضْل الإِْلَهِيِّ، وَبِمَا عَدَا تَبِعَاتِ الْعِبَادِ، لأَِنَّ إِسْقَاطَهَا عِنْدَ التَّلَوُّثِ بِهَا مَوْقُوفٌ عَلَى رِضَا ذِي الْحَقِّ، وَهَذَا التَّخْصِيصُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ.
_________
(١) حديث: " كفارة المجلس أن لا يقوم. . . ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢ / ١٣٩) من حديث جبير ابن مطعم وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ١٤٢) .
(٢) سورة الطور / ٤٨.
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٦٢١ - ٦٢٣، والتفسير الكبير ٢٨ / ٢٢٩.