الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

الاِنْتِفَاعِ بِمَائِهِ بَل الْحَقُّ فِيهِ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَلِكُلٍّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَذِهِ الأَْنْهَارِ بِمُخْتَلِفِ أَوْجُهِ الاِنْتِفَاعِ إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِتَصَرُّفِهِ مَصْلَحَةً عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ وَلاَ لِغَيْرِهِ مَنْعُهُ إِنْ لَمْ يَضُرَّ أَحَدًا.

وَلَهُ نَصْبُ رَحًى عَلَيْهِ أَوْ دَالِيَةً أَوْ سَاقِيَةً: بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَضُرَّ النَّهَرَ وَأَنْ يَكُونَ مَكَانُ الْبِنَاءِ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوَاتًا مَحْضًا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ (١) .

وَأَمَّا الْمَجْرَى الْخَاصُّ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْرَى مَمْلُوكًا بِأَنْ يَحْفِرَ نَهَرًا يَدْخُل فِيهِ الْمَاءُ مِنَ الْوَادِي الْعَظِيمِ أَوْ مِنَ النَّهَرِ الْمُنْخَرِقِ مِنْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إِبَاحَتِهِ لَكِنَّ مَالِكَ النَّهَرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّيْل يَدْخُل مِلْكَهُ فَلَيْسَ لأَِحَدِ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الأَْرَضِينَ وَأَمَّا لِلشُّرْبِ وَالاِسْتِعْمَال وَسَقْيِ الدَّوَابِّ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي (شُرْبٌ ف ٣ - ٩ وَمِيَاهٌ وَنَهَرٌ) .

إِجْرَاءُ مَاءٍ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ

٣ - لاَ يَجُوزُ إِجْرَاءُ مَاءٍ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ بِلاَ ضَرُورَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِالاِتِّفَاقِ لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلاَ إِذْنٍ وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَأَنْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٢، وروضة الطالبين ٥ / ٣٠٤، والمغني ٥ / ٥٨٣، والخرشي ٦ / ٧٦، وبلغة السالك ٣ / ١٨٨.

(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٥ - ٣٠٧، بدائع الصنائع ٦ / ١٨٣ - ٥٨٣، والخرشي ٧ / ٧٦، والمغني ٥ / ٥٨ وما بعدها.

تَكُونَ لَهُ أَرْضٌ لِلزِّرَاعَةِ لَهَا مَاءٌ لاَ طَرِيقَ لَهُ إِلَيْهَا إِلاَّ أَرْضُ جَارِهِ فَهَل لَهُ إِجْرَاءُ الْمَاءِ فِي أَرْضِ جَارِهِ لِتَوْصِيل الْمَاءِ إِلَى أَرْضِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْجَارِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لَهُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهَا عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الْحَاجَةِ لاَ تُبِيحُ لَهُ مَال غَيْرِهِ وَهِيَ كَمَا لَوْ لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ لَهُ الزَّرْعُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَالْبِنَاءُ فِيهَا وَلاَ الاِنْتِفَاعُ بِشَيْءِ مِنْ مَنَافِعِهَا الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ قَبْل هَذِهِ الْحَاجَةِ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ جَازَ (١) .

وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعَرِيضِ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَقَال لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلاَ يَضُرُّكَ فَأَبَى مُحَمَّدٌ فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ فَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ فَقَال عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعُ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ لَكَ نَافِعٌ: تَسْقِي بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَهُوَ لاَ

_________

(١) المغني ٤ / ٥٤٨، والمنتقى شرح الموطأ ٦ / ٣٢، ٤٦، وما بعدها وروضة الطالبين ٥ / ٣٠٧، ٤ / ٢٢١.

يَضُرُّكَ. فَقَال: مُحَمَّدٌ: لاَ وَاللَّهِ فَقَال عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فَفَعَل الضَّحَّاكُ (١) .

وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَال النَّاسِ فَإِذَا كَانَ أَهْل الزَّمَنِ كَأَهْل زَمَنِ عُمَرَ ﵁ يَعُمُّهُمْ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الصَّلاَحُ وَالدِّينُ وَالتَّحَرُّجُ عَمَّا لاَ يَحِل يُقْضَى بِإِمْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ أَوْ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ اسْتِحْلاَل أَمْوَال النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِالْمَنْعِ فِي ذَلِكَ لأَِنَّهُ قَدْ يَطُول الأَْمْرُ فَيَدَّعِي صَاحِبُ الْمَاءِ الْمَمَرَّ فِي أَرْضِ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِإِمْرَارِهِ فِي أَرْضِهِ فَيَدَّعِي مِلْكَ رَقَبَةِ الْمَمَرِّ أَوْ يَدَّعِي حُقُوقًا فِيهِ فَيَشْهَدُ لَهُ مَا قُضِيَ لَهُ بِهِ فَيُمْنَعُ الإِْمْرَارُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْهُ (٢) .

الصُّلْحُ عَلَى إِجْرَاءِ مَاءٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْغَيْرِ أَوْ عَلَى سَطْحِ الْجَارِ

٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى إِجْرَاءِ مَاءِ سَطْحِهِ مِنَ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي أَرْضِهِ عَنْ سَطْحِهِ أَوْ فِي أَرْضِهِ عَنْ أَرْضِهِ جَازَ إِذَا كَانَ مَا يَجْرِي مَاءً مَعْلُومًا إِمَّا

_________

(١) أثر ابن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له. . . أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٤٦) .

(٢) المنتقى شرح الموطأ ٦ / ٤٦، والمغني ٤ / ٥٤٨، وروضة الطالبين ٤ / ٢٢١.

بِالْمُشَاهَدَةِ وَإِمَّا بِمَعْرِفَةِ الْمِسَاحَةِ لأَِنَّ الْمَاءَ يَخْتَلِفُ بِصِغَرِ السَّطْحِ وَكِبَرِهِ وَلاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْرِي مِنْهُ الْمَاءُ إِلَى السَّطْحِ لأَِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ لأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى هَذَا وَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ كَمَا كَانَ فِي النِّكَاحِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَمَّا غَسَّالَةُ الثِّيَابِ وَالأَْوَانِي فَلاَ يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى إِجْرَائِهَا عَلَى مَالٍ لأَِنَّهُ مَجْهُولٌ لاَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ وَشَرَطَ الْمُصَالَحَةَ عَلَى إِجْرَاءِ مَاءِ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ: أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ مَصْرِفٌ إِلَى الطَّرِيقِ إِلاَّ بِمُرُورِهِ عَلَى سَطْحِ جَارِهِ قَالَهُ الإِْسْنَوِيُّ وَمَحِل الْجَوَازِ فِي الثَّلْجِ إِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ لاَ فِي سَطْحِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ وَلَيْسَ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي إِجْرَاءِ الْمَطَرِ عَلَى السَّطْحِ أَنْ يَطْرَحَ الثَّلْجَ عَلَيْهِ وَلاَ أَنْ يَتْرُكَ الثَّلْجَ حَتَّى يَذُوبَ وَيَسِيل إِلَيْهِ وَمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي إِلْقَاءِ الثَّلْجِ لاَ يَجْرِي الْمَطَرُ وَلاَ غَيْرُهُ.

وَالْمِلْكُ لَيْسَ قَيْدًا بَل يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَالْمُسْتَأْجَرَةِ لَكِنْ يُعْتَبَرُ هُنَا التَّأْقِيتُ لأَِنَّ الأَْرْضَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ فَلاَ يُمْكِنُهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ السَّطْحُ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مُسْتَأْجَرًا أَوْ عَارِيَّةً مَعَ إِنْسَانٍ

لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ. وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ (١) .

تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِطَاهِرٍ فِي مَجْرَاهُ

٥ - إِذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِطَاهِرٍ فِي مَجْرَاهُ تَغَيُّرًا لاَ يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَلاَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فِي الْمَاءِ فَيَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْمَاءِ عَمَّا ذُكِرَ.

ر: مُصْطَلَحَ (تَغْيِيرٌ ف ٣) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ١٩١، والمغني ٤ / ٥٤٧.

مَجْلِسٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَجْلِسُ (بِكَسْرِ اللاَّمِ) مَوْضِعُ الْجُلُوسِ وَبِفَتْحِهَا: مَصْدَرٌ وَالْجُلُوسُ: الْقُعُودُ وَهُوَ نَقِيضُ الْقِيَامِ.

وَالْجِلْسَةُ: الْحَال الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْجَالِسُ (١) .

وَالْجَلِيسُ: مَنْ يُجَالِسُكَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.

وَجَمْعُ الْمَجْلِسِ: مَجَالِسُ.

وَقَدْ يُطْلَقُ الْمَجْلِسُ عَلَى أَهْلِهِ مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلْحَال بِاسْمِ الْمَحِل فَيُقَال: اتَّفَقَ الْمَجْلِسُ (٢) .

وَتُسْتَعْمَل الْمَجَالِسُ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ كَمَا فِي حَدِيثِ: فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الْمَجَالِسِ (٣) . . . .

_________

(١) الصحاح للجوهري، ولسان العرب لابن منظور.

(٢) المصباح المنير للفيومي.

(٣) حديث: " فإذا أتيتم إلى المجالس. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْحَلْقَةُ:

٢ - الْحَلْقَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُسْتَدِيرُونَ كَحَلْقَةِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا (٢) .

وَالتَّحَلُّقُ: عَلَى وَزْنِ تَفَعُّلٍ وَهُوَ تَعَمُّدُ الْجُلُوسِ مُسْتَدِيرِينَ كَالْحَلْقَةِ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَلْقَةِ.

صِفَةُ الْمَجْلِسِ وَهَيْئَةُ أَهْلِهِ

٣ - لَمْ تُفْرَضْ فِي الْمَجْلِسِ صِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَإِنَّمَا شُرِعَتْ لَهُ آدَابٌ وَهُنَاكَ إِشَارَاتٌ تَدُل عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَجَالِسِ السَّلَفِ كَانَتْ بِصِفَةِ الْحَلْقَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرْشِدُ إِلَى تَوْسِعَةِ الْمَجْلِسِ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُهَا (٤) وَكَانَ عُمَرُ

_________

(١) قواعد الفقه للبركتي.

(٢) لسان العرب.

(٣) النهاية لابن الأثر مادة: (حلق) وحاشية عون المعبود على سنن أبي داود لمحمد أشرف الصديفي ٤ / ٤٠٥.

(٤) حديث: " خير المجالس أوسعها. ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٦٢)، والحاكم (٤ / ٢٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

يَقُول: يُصْفِي لَكَ وُدَّ أَخِيكَ ثَلاَثٌ. . . وَيَعُدُّ مِنْهَا أَنْ تُوَسِّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ (١) .

أَمَّا هَيْئَةُ الْجَالِسِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا إِلاَّ مَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا (٢) .

وَهُنَاكَ هَيْئَةٌ فِي الْجُلُوسِ تَدُل عَلَى التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ وَالْقَسْوَةِ نَهَى عَنْهَا الرَّسُول ﷺ فِيمَا رَوَاهُ الشَّرِيدُ بْنُ سُوَيْدٍ ﵁ قَال: مَرَّ بِي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جَالِسٌ وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ أَتَقْعُدُ قَعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِزِيَادَةٍ: قَال ابْنُ جُرَيْجٍ: وَضْعُ رَاحَتَيْكَ عَلَى الأَْرْضِ (٣) .

قَال الْعَظِيمَ آبَادِي: الأَْلْيَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ: اللَّحْمَةُ الَّتِي فِي أَصْل الإِْبْهَامِ وَقَال: الأَْظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمُتَجَبِّرِينَ مِمَّنْ تَظْهَرُ آثَارُ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ عَلَيْهِمْ مِنْ قُعُودِهِمْ وَمَشْيِهِمْ وَنَحْوِهِمَا (٤) .

_________

(١) الجامع في السنن والآداب لابن أبي زيد / ١٩٥، والآداب للبيهقي ص١٠٢.

(٢) فتح الباري ١١ / ٧٩.

(٣) حديث: " أتقعد قعدة. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٧٧)، وابن حبان (١٢ / ٤٨٨) .

(٤) عون المعبود ٤ / ٤١٣.

وَلِلْجُلُوسِ لِلأَْكْل هَيْئَاتٌ وَآدَابٌ مُسْتَحَبَّةٌ مِنْهَا: عَدَمُ الاِتِّكَاءِ فِي الْجِلْسَةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي (أَكْلٌ ف ١٩) .

٤ - وَمِمَّا عُرِفَ مِنْ هَيْئَاتِ جُلُوسِ الرَّسُول ﷺ

أ - التَّرَبُّعُ فَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ (١) .

ب - الاِتِّكَاءُ وَقَدْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ (٢) .

قَال الْخَطَّابِيُّ: كُل مُعْتَمِدٍ عَلَى شَيْءٍ مُتَمَكِّنٍ مِنْهُ فَهُوَ مُتَّكِئٌ.

قَال الْمُهَلَّبُ: يَجُوزُ لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي وَالإِْمَامِ الاِتِّكَاءُ فِي مَجْلِسِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لأَِلَمٍ يَجِدُهُ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَوْ لِرَاحَةٍ يَرْتَفِقُ بِذَلِكَ وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامَّةِ جُلُوسِهِ (٣) .

ج - الاِضْطِجَاعُ: وَهُوَ: وَضْعُ الْجَنْبِ عَلَى الأَْرْضِ فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ

_________

(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا صلى الفجر. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ١٧٨) .

(٢) حديث: " رأيت النبي ﷺ متكئًا. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٩٨) وقال: هذا حديث صحيح.

(٣) فتح الباري ١١ / ٦٦ - ٦٧.

الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ (١) .

د - الاِحْتِبَاءُ: وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِمَا بِيَدَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا (٢) .

فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا (٣) . . .

هـ - الاِسْتِلْقَاءُ هُوَ الاِضْطِجَاعُ عَلَى الْقَفَا وَوَضْعُ الظَّهْرِ عَلَى الأَْرْضِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ نَوْمٌ أَمْ لاَ فَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُْخْرَى (٤) .

وَقَدْ عُرِفَ مِنْ عَادَةِ الرَّسُول ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْوَقَارِ التَّامِّ فَمَا وَرَدَ مِنَ اسْتِلْقَائِهِ ﵇ إِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَكَانَ فِي وَقْتِ الاِسْتِرَاحَةِ لاَ عِنْدَ مُجْتَمَعِ النَّاسِ (٥) .

مَكَانُ الْمَجْلِسِ

٥ - تُعْقَدُ الْمَجَالِسُ فِي كُل مَكَانٍ مُنَاسِبٍ لَهَا

_________

(١) حديث: " كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر. . ". أخرجه البخاري (٣ / ٤٣)، ومسلم (١ / ٥٠٨)، وانظر زاد المعاد ١ / ٣١٨.

(٢) أسنى المطالب ١ / ٥٦.

(٣) حديث: " رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٦٥) .

(٤) حديث عباد عن عمه: " أنه رأى النبي ﷺ مستلقيًا في المسجد. . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٩٩، ٩٦) وقال: حديث حسن صحيح.

(٥) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لأبي العباس القسطلاني ٩ / ٦٦.