الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُخْتَلِطٍ بِهِ كَالْعُودِ وَالدُّهْنِ، عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ، وَالشَّمْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاهِرَاتِ الصُّلْبَةِ كَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ إِذَا لَمْ يَهْلِكْ فِي الْمَاءِ وَيَمَّعِ فِيهِ، لأَِنَّ تَغَيُّرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَرَوُّحًا لاَ يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كَتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِجِيفَةٍ مُلْقَاةٍ عَلَى شَطِّ نَهَرٍ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذِهِ الأَْنْوَاعِ خِلاَفًا، ثُمَّ قَال: وَفِي مَعْنَى الْمُتَغَيِّرِ بِالدُّهْنِ مَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ وَالزِّفْتِ وَالشَّمْعِ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّرُ بِهَا الْمَاءُ تَغَيُّرَ مُجَاوَرَةٍ فَلاَ يَمْنَعُ كَالدُّهْنِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْكَافُورُ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: خَلِيطٌ كَالدَّقِيقِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَالثَّانِي: مُجَاوِرٌ لاَ يَنْمَاعُ فِي الْمَاءِ فَهُوَ كَالْعُودِ فَلِذَلِكَ قُيِّدَ الْكَافُورُ بِالصَّلاَبَةِ وَكَذَا الْقَطِرَانُ (١) .

وَقَال الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِمُجَاوَرَةِ شَيْءٍ لَهُ فَإِنَّ تَغَيُّرَهُ بِالْمُجَاوَرَةِ لاَ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُجَاوِرُ مُنْفَصِلًا عَنِ الْمَاءِ أَوْ مُلاَصِقًا لَهُ، فَالأَْوَّل كَمَا لَوْ كَانَ إِلَى جَانِبِ الْمَاءِ جِيفَةٌ أَوْ عَذِرَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَنَقَلَتْ

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ١٩، وفتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع ١ / ١٢٢ وما بعدها، المجموع ١ / ١٠٤ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٦، ومواهب الجليل ١ / ٤٥، وكشاف القناع ١ / ٣٢، والمغني ١ / ١٣.

الرِّيحُ رَائِحَةَ ذَلِكَ إِلَى الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ وَلاَ خِلاَفَ فِي هَذَا، قَال بَعْضُهُمْ: وَمِنْهُ إِذَا سَدَّ فَمَ الإِْنَاءِ بِشَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَتَغَيَّرَ مِنْهُ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ لِشَيْءِ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الْمُجَاوِرُ الْمُلاَصِقُ فَمَثَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالدُّهْنِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ وَقَيَّدَهُ بِالْمُلاَصِقِ (١) .

وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ لَفْظُ مُجَاوَرَةٍ وَإِنَّمَا وُجِدَ عِنْدَهُمْ لَفْظُ الْمُخَالَطَةِ، فَقَال الشُّرُنْبُلاَلِيُّ: لاَ يَضُرُّ تَغَيُّرُ أَوْصَافِ الْمَاءِ بِجَامِدٍ خَالَطَهُ بِدُونِ طَبْخٍ كَزَعْفَرَانٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ.

وَفِي اللُّبَابِ عَلَى الْقُدُورِيِّ: لَوْ خَرَجَ الْمَاءُ عَنْ طَبْعِهِ (بِالْخَلْطِ) أَوْ حَدَثَ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ لاَ تَجُوزُ بِهِ الطَّهَارَةُ (٢) .

ب - مُجَاوَرَةُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مُجَاوَرَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.

فَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مَكْرُوهَةٌ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَبِقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ قَال الْخَائِفُونَ الْمُحْتَاطُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي الإِْحْيَاءِ قَال: وَلاَ يُظَنُّ أَنَّ كَرَاهَةَ الْقِيَامِ تُنَاقِضُ فَضْل

_________

(١) مواهب الجليل ١ / ٥٤.

(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص١٥ واللباب للميداني علي القدوري ١ / ١٩ - ٢٠ - ط. دار إحياء التراث بيروت.

الْبُقْعَةِ، لأَِنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ عِلَّتُهَا ضَعْفُ الْخَلْقِ وَقُصُورُهُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْمَوْضِعِ، قَال فِي الْفَتْحِ: وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ يَعْنِي مَكْرُوهًا عِنْدَهُ، فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ - أَوْ تَعَاظُمَهَا إِنْ فُقِدَ فِيهَا - فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةِ الأَْدَبِ الْمُفْضِي إِلَى الإِْخْلاَل بِوُجُوبِ التَّوْقِيرِ وَالإِْجْلاَل قَائِمٌ، قَال بَعْضُهُمْ: وَهُوَ وَجِيهٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُقَيَّدَ بِالْوُثُوقِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَال النَّاسِ لاَ سِيَّمَا أَهْل هَذَا الزَّمَانِ.

وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَكَذَا بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاخْتَارَ فِي اللُّبَابِ: أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْهَا بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَل.

قَال مَالِكٌ: الْقَفْل أَيِ الرُّجُوعُ أَفْضَل مِنَ الْجِوَارِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى اسْتِحْبَابِ الْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورَاتِ، أَوْ أَنْ تَسْقُطَ حُرْمَتُهُمَا عِنْدَهُ، لِمَا وَرَدَ مِنْ مُضَاعَفَةِ الْعَمَل الصَّالِحِ فِيهِمَا كَحَدِيثِ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا

_________

(١) الخرشي ٣ / ١٠٧، وحاشية العدوي ٢ / ٣٣.

أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ صَلاَةٍ فِي هَذَا (١) وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ قَال الْقُرْطُبِيُّ: جَعَلَهُ مُبَارَكًا لِتَضَاعُفِ الْعَمَل فِيهِ (٢) .

قَال أَحْمَدُ: كَيْفَ لَنَا بِالْجِوَارِ بِمَكَّةَ؟ قَال النَّبِيُّ ﷺ وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (٣) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ الْجِوَارُ بِمَكَّةَ لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ جَاوَرَ بِمَكَّةَ وَجَمِيعُ أَهْل الْبِلاَدِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخْرُجُ وَيُهَاجِرُ أَيْ لاَ بَأْسَ بِهِ وَابْنُ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ قَال: وَالْمُقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا مُهَاجَرُ

_________

(١) حديث: " صلاة في مسجدي هذا. . . ". أخرجه أحمد (٤ / ٥) من حديث عبد الله بن الزبير، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٥): رجاله رجال الصحيح.

(٢) عابدين ٢ / ١٨٧، ٢٥٦ وما بعدها، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ١ / ٣١٢، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٢٦، والمغني لابن قدامة ٣ / ٥٥٦، وكشاف القناع ٢ / ٥١٦، وتفسير القرطبي ٤ / ١٣٩.

(٣) حديث: " والله إنك لخير أرض الله. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٧٢٢) من حديث عبد الله بن عدي، وقال: حديث حسن غريب صحيح.

الْمُسْلِمِينَ (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأَْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢) .

ج - اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِالْمُجَاوَرَةِ

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بِسَبَبِ الْمُجَاوَرَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ إِلَى إِثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الْمُلاَصِقِ فَالْمُجَاوَرَةُ سَبَبٌ لِلشُّفْعَةِ عِنْدَهُمْ مِثْل الشَّرِكَةِ.

وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شُفْعَةٌ ف ١١ وَمَا بَعْدَهَا) .

د - الْوَصِيَّةُ لِلْجَارِ

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَدْخُل فِي الْوَصِيَّةِ لِلْجَارِ:

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ فَلأَِرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُل جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ دَارِهِ الأَْرْبَعَةِ (٣)، لِحَدِيثِ: حَقُّ الْجِوَارِ إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ قُدَّامًا وَخَلْفًا وَيَمِينًا وَشِمَالًا (٤)

_________

(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٥٥٦ في فصل خاص عقده للجوار بالمدينة، هذا لفظه كله.

(٢) حديث: " لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٠٤) من حديث ابن عمر.

(٣) القليوبي وعميرة ٣ / ١٦٨، والمغني ٦ / ١٢٤ - ط. مكتبة ابن تيمية في القاهرة.

(٤) حديث: " حق الجوار إلى أربعين دارًا. . . . ". أورده الهيثمي في المجمع (٧ / ١٦٨) وقال: رواه أبو يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار وهو ضعيف.

وَقَال الْمَحَلِّيُّ نَقْلًا عَنِ الرَّوْضَةِ: وَيُقْسَّمُ الْمَال عَلَى عَدَدِ الدُّورِ لاَ عَلَى عَدَدِ سُكَّانِهَا (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ هَذَا نَصٌّ لاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ، إِنْ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْخَبَرُ، فَالْجَارُ هُوَ الْمُقَارِبُ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ (٢) .

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الْمُلاَصِقُ، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ هُوَ مَنْ يَسْكُنُ فِي مَحَلَّتِهِ وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ لَكِنَّ الصَّحِيحَ قَوْل الإِْمَامِ، وَهُوَ مِمَّا رُجِّحَ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الاِسْتِحْسَانِ (٣) لِحَدِيثِ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ (٤) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ فَإِنَّهُ يُعْطِي الْجَارَ وَزَوْجَتَهُ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمُوصِي فَلاَ تُعْطَى لأَِنَّهَا لَيْسَتْ جَارًا وَحَدُّ الْجَارِ الَّذِي لاَ شَكَّ فِيهِ مَا كَانَ يُوَاجِهُهُ وَمَا لَصِقَ بِالْمَنْزِل مِنْ وَرَائِهِ وَجَانِبَيْهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْجَارِ يَوْمُ الْقَسْمِ، فَلَوِ انْتَقَل بَعْضُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ وَحَدَثَ غَيْرُهُمْ أَوْ بَلَغَ صَغِيرٌ فَذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَ، وَلَوْ كَانُوا يَوْمَ الْوَصِيَّةِ قَلِيلًا ثُمَّ كَثُرُوا أُعْطُوا جَمِيعُهُمْ (٥) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) .

_________

(١) المحلي بحاشية القليوبي ٣ / ١٦٨.

(٢) المغني ٦ / ١٢٤.

(٣) الدر المختار ورد المحتار عليه ٥ / ٤٣٧ - ط. بولاق.

(٤) حديث: " الجار أحق بسقبه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٣٧) من حديث أبي رافع.

(٥) الخرشي ٨ / ١٧٦، ١٧٧.

هـ - مُجَاوَرَةُ الصَّالِحِينَ

٦ - يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ مُجَالَسَةُ أَهْل الْخَيْرِ، وَالصَّالِحِينَ وَمُلاَزَمَةُ مَجَالِسِهِمْ، وَالصَّبْرُ مَعَهُمْ، وَمُصَاحَبَتُهُمْ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ .

وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَال الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اطْرُدْ هَؤُلاَءِ لاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا. قَال: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلاَلٌ وَرَجُلاَنِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَل اللَّهُ ﷿ (١): ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .

قَال ابْنُ عَلاَّنَ الصِّدِّيقِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ:

مُجَالَسَةُ أَهْل الْخَيْرِ وَهُمْ حِزْبُ اللَّهِ الْمُنْقَطِعُونَ إِلَيْهِ اللاَّئِذُونَ بِهِ الْحَائِزُونَ لِشَرَفِ الْعِلْمِ

_________

(١) حديث: سعد بن أبي وقاص: " كنا مع النبي ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٨٧٨) .

وَالْعَمَل بِهِ مَعَ الإِْخْلاَصِ فِيهِ مُسْتَحَبَّةٌ، لأَِنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَلأَِنَّهُمْ هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى جَلِيسُهُمُ، قَال: وَأَقَل ثَمَرَاتِ مُجَالَسَتِهِمْ حِفْظُ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ لِمَوْلاَهُ ﷿ (١) وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَثَل الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسُّوءِ كَحَامِل الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِل الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً (٢) أَيْ فَجَلِيسُ الأَْخْيَارِ إِمَّا أَنْ يُعْطَى بِمُجَالَسَتِهِمْ مِنَ الْفُيُوضِ الإِْلَهِيَّةِ أَنْوَاعَ الْهِبَاتِ حِيَاءً وَعَطَاءً، وَإِمَّا أَنْ يَكْتَسِبَ مِنَ الْمَجَالِسِ خَيْرًا وَأَدَبًا يَكْتَسِبُهَا عَنْهُ وَيَأْخُذُهَا مِنْهُ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكْتَسِبَ حُسْنَ الثَّنَاءِ بِمُخَالَلَتِهِ، وَمُخَالَطَتِهِ، وَأَمَّا جَلِيسُ السُّوءِ فَإِمَّا أَنْ يَحْتَرِقَ بِشُؤْمِ مَعَاصِيهِ كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَإِمَّا أَنْ يُدَنِّسَ ثَنَاءَهُ بِمُصَاحَبَتِهِ (٣) وَقَدْ وَرَدَ:

_________

(١) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٢ / ٢١٩ وما بعدها.

(٢) حديث: " عن أبي موسى الأشعري: " مثل الجليس الصالح. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦٦٠) .

(٣) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٢ / ٢٢٦، فتح الباري ٤ / ٣٢٤.

الرَّجُل عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل (١) .

مَجْبُوبٌ

انْظُرْ: جَبٌّ

مُجْتَهِدٌ

انْظُرْ: اجْتِهَادٌ

مَجْذُومٌ

انْظُرْ: جُذَامٌ

_________

(١) حديث: " الرجل على دين خليله. . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٥٨٩) من حديث أبي هريرة، وحسنه.

مَجْرَى الْمَاءِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمَجْرَى فِي اللُّغَةِ بِوَزْنِ مَفْعَلٍ: ظَرْفُ مَكَانٍ مِنْ فَعَل جَرَى يَجْرِي: بِمَعْنَى سَال، خِلاَفُ وَقَفَ وَسَكَنَ، وَالْمَاءُ الْجَارِي هُوَ: الْمُتَدَافِعُ فِي انْحِدَارٍ أَوْ فِي اسْتِوَاءٍ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَجْرَى الْمَاءِ:

أَقْسَامُ مَجْرَى الْمَاءِ

٢ - يُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ مَجْرَى الْمَاءِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

الْمَجْرَى الْعَامُّ وَالْمَجْرَى الْخَاصُّ.

وَأَمَّا الْمَجْرَى الْعَامُّ: وَهُوَ مَا لاَ يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ: بِأَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ وَلاَ صَنِيعَ لِلآْدَمِيِّينَ فِي حَفْرِهِ وَلاَ فِي إِجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ كَالأَْنْهَارِ الْكَبِيرَةِ كَالنِّيل وَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا الَّتِي لاَ تَزَاحُمَ فِيهَا لِسِعَتِهَا وَكَثْرَةِ الْمَاءِ فِيهَا وَلاَ يَتَضَرَّرُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ أَحَدٌ فَهَذَا لاَ مِلْكَ لأَِحَدٍ عَلَى رَقَبَةِ الْمَجْرَى وَلاَ حَقَّ خَاصًّا فِي

_________

(١) المصباح المنير، والقليوبي ٢ / ٣١٧.