الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 24

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

سَكْرَانَ حِينَئِذٍ (١)، وَسُئِل ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ يَعْمَل الْمَعَاصِيَ هَل يَكُونُ إِمَامًا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْمُصِرُّ وَالْمُجَاهِرُ فَلاَ. وَالْمَسْتُورُ الْمُعْتَرِفُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ فَالصَّلاَةُ خَلْفَ الْكَامِل أَوْلَى، وَخَلْفَهُ لاَ بَأْسَ بِهَا.

وَسُئِل عَمَّنْ يُعْرَفُ مِنْهُ الْكَذِبُ الْعَظِيمُ، أَوْ قَتَّاتٌ كَذَلِكَ، هَل تَجُوزُ إِمَامَتُهُ؟ فَأَجَابَ: لاَ يُصَلَّى خَلْفَ الْمَشْهُورِ بِالْكَذِبِ وَالْقَتَّاتِ وَالْمُعْلِنِ بِالْكَبَائِرِ وَلاَ يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، وَأَمَّا مَنْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ فَلاَ يَتْبَعُ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَنْ مَالِكٍ: مَنْ هَذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ؟ وَلَيْسَ الْمُصِرُّ وَالْمُجَاهِرُ كَغَيْرِهِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ فَاسِقٍ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ بِالاِعْتِقَادِ أَوْ بِالأَْفْعَال الْمُحَرَّمَةِ، وَسَوَاءٌ أَعْلَنَ فِسْقَهُ أَوْ أَخْفَاهُ (٣) .

وَاخْتَارَ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْبُطْلاَنَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ دُونَ خَفِيِّهِ، وَقَال فِي الْوَجِيزِ: لاَ تَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ (٤) .

عِيَادَةُ الْمُجَاهِرِ بِمَعْصِيَةٍ

٧ - تُسَنُّ عِيَادَةُ مَرِيضٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ مُبْتَدِعٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: خَمْسٌ تَجِبُ

_________

(١) مواهب الجليل ٢ / ٩٢ - ٩٣.

(٢) مواهب الجليل ٢ / ٩٤.

(٣) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٥٧.

(٤) كشاف القناع ١ / ٤٧٤ - ٤٧٥.

لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ (١) .

وَلاَ تُسَنُّ عِيَادَةُ مُتَجَاهِرٍ بِمَعْصِيَةِ إِذَا مَرِضَ لِيَرْتَدِعَ وَيَتُوبَ، وَقَال الْبُهُوتِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحُكْمِ: وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَجَاهِرِ بِمَعْصِيَةٍ يُعَادُ (٢) .

الصَّلاَةُ عَلَى الْمُجَاهِرِ بِالْمَعَاصِي

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْفَاسِقِ (٣) .

قَال ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ وَلأَِهْل الْفَضْل أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الْبُغَاةِ وَأَهْل الْبِدَعِ، قَال أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا مِنْ بَابِ الرَّدْعِ، قَال: وَيُصَلِّي عَلَيْهِمُ النَّاسُ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَهِرُ بِالْمَعَاصِي وَمَنْ قُتِل فِي قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهِمُ الإِْمَامُ وَلاَ أَهْل الْفَضْل (٤) .

وَقَال تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: يَنْبَغِي لأَِهْل الْخَيْرِ أَنْ يَهْجُرُوا الْمُظْهِرَ لِلْمُنْكَرِ مَيِّتًا إِذَا كَانَ

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ١ / ٣١٩، والآداب الشرعية ٢ / ٢٠٩، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢٧، والمغني ٢ / ٤٤٩. وحديث: " خمس تجب للمسلم. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٠٤) من حديث أبي هريرة، وهو في البخاري (فتح الباري ٣ / ١١٢) بمعناه.

(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٣١٩.

(٣) نيل الأوطار ٤ / ٨٤، وكشاف القناع ٢ / ١٢٣.

(٤) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٢ / ٢٤٠.

فِيهِ كَفٌّ لأَِمْثَالِهِ، فَيَتْرُكُونَ تَشْيِيعَ جِنَازَتِهِ (١) .

وَقَال الأَْوْزَاعِيُّ: لاَ يُصَلَّى عَلَى الْفَاسِقِ تَصْرِيحًا أَوْ تَأْوِيلًا وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٢) .

(ر: جَنَائِزُ ف ٤٠) .

السَّتْرُ عَلَى الْمُجَاهِرِ بِالْمَعْصِيَةِ

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ السَّتْرُ فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ ﷿ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِأَذًى أَوْ فَسَادٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣)

وَأَمَّا الْمُجَاهِرُ وَالْمُتَهَتِّكُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يُسْتَرَ عَلَيْهِ، بَل يُظْهَرُ حَالُهُ لِلنَّاسِ حَتَّى يَتَوَقَّوْهُ، أَوْ يَرْفَعُهُ لِوَلِيِّ الأَْمْرِ حَتَّى يُقِيمَ عَلَيْهِ وَاجِبَهُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ، مَا لَمْ يَخْشَ مَفْسَدَةً، لأَِنَّ السَّتْرَ عَلَيْهِ يُطْمِعُهُ فِي مَزِيدٍ مِنَ الأَْذَى وَالْفَسَادِ (٤) .

قَال النَّوَوِيُّ: مَنْ جَاهَرَ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ جَازَ ذِكْرُهُ بِمَا جَاهَرَ بِهِ دُونَ مَنْ لَمْ يُجَاهِرْ بِهِ (٥) .

_________

(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٢٦٤.

(٢) نيل الأوطار ٤ / ٨٥ - ط. دار الجيل.

(٣) حديث: " من ستر مسلمًا ستره الله. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٦) من حديث ابن عمر.

(٤) دليل الفالحين ٢ / ١٥، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٢٦٦، وحاشية ابن عابدين ٣ / ١٤٣، ٤ / ٣٧١، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ١٧٥.

(٥) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢١ / ١٣٩.

وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ سَتْرِ عُيُوبِ الْمُؤْمِنِ (ر: إِفْشَاءُ السِّرِّ ف ١٠ وَسَتْرٌ ف ٢) .

غِيبَةُ الْمُجَاهِرِ بِالْمَعْصِيَةِ

١٠ - الْغِيبَةُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ (١)، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَجَازُوا غِيبَةَ الْمُجَاهِرِ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كَالْمُجَاهِرِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَمُصَادَرَةِ النَّاسِ وَأَخْذِ الْمَكْسِ وَجِبَايَةِ الأَْمْوَال ظُلْمًا وَتَوَلِّي الأُْمُورِ الْبَاطِلَةِ، وَقَالُوا: يَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعُيُوبِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ سَبَبٌ آخَرُ (٢) .

قَال الْخَلاَّل: أَخْبَرَنِي حَرْبٌ سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُول: إِذَا كَانَ الرَّجُل مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ فَلَيْسَتْ لَهُ غِيبَةٌ (٣) .

قَال ابْنُ مُفْلِحٍ (٤): ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ثَلاَثَةٌ لاَ غِيبَةَ فِيهِمْ: الْفَاسِقُ الْمُعْلِنُ بِفِسْقِهِ، وَشَارِبُ الْخَمْرِ، وَالسُّلْطَانُ الْجَائِرُ (٥) .

_________

(١) الزواجر ٢ / ٤، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٣٦ - ٣٣٧، وتهذيب الفروق ٤ / ٢٢٩.

(٢) دليل الفالحين ٤ / ٣٥٠ - ٣٥٤.

(٣) الآداب الشرعية ١ / ٢٧٦.

(٤) الآداب الشرعية ١ / ٢٧٦.

(٥) حديث: " ثلاثة لا غيبة فيهم. . . " رواه ابن عبد البر في بهجة المجالس وأنس المجالس (١ / ٣٩٨ نشر دار الكتب العلمية) .

هَجْرُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي

١١ - يُسَنُّ هَجْرُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَالاِعْتِقَادِيَّةِ، وَقِيل: يَجِبُ إِنِ ارْتَدَعَ بِهِ، وَإِلاَّ كَانَ مُسْتَحَبًّا، وَقِيل: يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا إِلاَّ مِنَ السَّلاَمِ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيل: تَرْكُ السَّلاَمِ عَلَى مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى يَتُوبَ مِنْهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُكْرَهُ لِبَقِيَّةِ النَّاسِ تَرْكُهُ، وَظَاهِرُ مَا نُقِل عَنْ أَحْمَدَ تَرْكُ الْكَلاَمِ وَالسَّلاَمِ مُطْلَقًا (١) .

وَقَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَنْهُ: لَيْسَ لِمَنْ يَسْكَرُ وَيُقَارِفُ شَيْئًا مِنَ الْفَوَاحِشِ حُرْمَةٌ وَلاَ صِلَةٌ إِذَا كَانَ مُعْلِنًا مُكَاشِفًا (٢) .

قَال ابْنُ عَلاَّنَ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ: لاَ يَحِل لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الأَْجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِْثْمِ (٣) إِذَا كَانَ الْهَجْرُ مِنَ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَنِ ارْتَكَبَ الْمَهْجُورُ بِدْعَةً أَوْ تَجَاهَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، وَالْوَعِيدُ لاَ يَتَنَاوَلُهُ أَصْلًا، بَل هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ (٤) .

_________

(١) الآداب الشرعية ١ / ٢٥٩.

(٢) الآداب الشرعية ١ / ٢٦٤.

(٣) حديث: " لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢١٤ - ٢١٥) من حديث أبي هريرة، وحسن إسناده النووي في رياض الصالحين (ص٥٦٨) .

(٤) دليل الفالحين ٤ / ٤٢٩.

إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ

١٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْوَلِيمَةِ وَاجِبَةٌ، وَأَمَّا سَائِرُ الدَّعَوَاتِ غَيْرِ الْوَلِيمَةِ فَإِنَّ الإِْجَابَةَ إِلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ (١) .

وَأَمَّا الإِْجَابَةُ إِلَى دَعْوَةِ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَقَالُوا: لاَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِفِسْقِهِ، وَكَذَا دَعْوَةُ مَنْ كَانَ غَالِبُ مَالِهِ مِنْ حَرَامٍ مَا لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ حَلاَلٌ (٢) .

إِنْكَارُ مَا يُجَاهِرُ بِهِ مِنْ مَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ

١٣ - قَال ابْنُ الإِْخْوَةِ: إِذَا جَاهَرَ رَجُلٌ بِإِظْهَارِ الْخَمْرِ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَرَاقَهَا الْمُحْتَسِبُ وَأَدَّبَهُ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أُدِّبَ عَلَى إِظْهَارِهَا، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِرَاقَتِهَا عَلَيْهِ:

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُرَاقُ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَضْمُونَةِ فِي حُقُوقِهِمْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا تُرَاقُ عَلَيْهِمْ، لأَِنَّهَا لاَ تُضْمَنُ عِنْدَهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَلاَ الْكَافِرِ.

فَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ النَّبِيذِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مِنَ الأَْمْوَال الَّتِي يُقَرُّ الْمُسْلِمُونَ

_________

(١) المغني ٧ / ١١، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٩٥، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٧.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٣.

عَلَيْهَا، فَيُمْنَعُ مِنْ إِرَاقَتِهِ وَمِنَ التَّأْدِيبِ عَلَى إِظْهَارِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْخَمْرِ وَلَيْسَ فِي إِرَاقَتِهِ غُرْمٌ، فَيَعْتَبِرُ وَالِي الْحِسْبَةِ شَوَاهِدَ الْحَال فِيهِ فَيَنْهَى عَنِ الْمُجَاهَرَةِ وَيَزْجُرُ عَلَيْهِ وَلاَ يُرِيقُهُ إِلاَّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِرَاقَتِهِ حَاكِمٌ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ، لِئَلاَّ يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ غُرْمٌ إِنْ حُوكِمَ فِيهِ (١) .

وَمِنْ قَبِيل إِنْكَارِ مَا يُجَاهَرُ بِهِ مِنْ مُبَاحَاتٍ مَا نَقَلَهُ الْبُهُوتِيُّ عَنِ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ يُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَكَل فِي رَمَضَانَ ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ (٢) .

قَال ابْنُ الإِْخْوَةِ: وَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ الْمَلاَهِي الْمُحَرَّمَةِ، مِثْل الزَّمْرِ وَالطُّنْبُورِ وَالْعُودِ وَالصَّنْجِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آلاَتِ الْمَلاَهِي، فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْصِلَهَا حَتَّى تَصِيرَ خَشَبًا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الْمَلاَهِي، وَيُؤَدِّبَ عَلَى الْمُجَاهَرَةِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَكْسِرَهَا إِنْ كَانَ خَشَبُهَا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الْمَلاَهِي، فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِغَيْرِ الْمَلاَهِي كَسَرَهَا وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي فِيهَا لَمَّا كَانَتْ مَحْظُورَةً شَرْعًا كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ (٣)، وَأَمَّا مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ

_________

(١) معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة ص٣٢ - ٣٣ - ط. دار الفنون بكيمبرج ١٩٣٧م.

(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤٤٥.

(٣) معالم القرية ص٣٥.

فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَنْهَا، وَلاَ أَنْ يَهْتِكَ الأَْسْتَارَ حَذَرًا مِنَ الاِسْتِسْرَارِ بِهَا (١)، قَال النَّبِيُّ ﷺ: اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَّمَ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ﷿ (٢)

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْمُجَاهَرَةِ بِالطَّاعَاتِ وَالإِْسْرَارِ بِهَا

- جَاءَ فِي قَوَاعِدِ الأَْحْكَامِ: الطَّاعَاتُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ:

أَحَدُهَا: مَا شُرِعَ مَجْهُورًا بِهِ، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ وَالْخُطَبِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالأَْعْيَادِ وَالْجِهَادِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَشْيِيعِ الأَْمْوَاتِ، فَهَذَا لاَ يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ. فَإِنْ خَافَ فَاعِلُهُ الرِّيَاءَ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي دَفْعِهِ إِلَى أَنْ تَحْضُرَهُ نِيَّةُ إِخْلاَصِهِ فَيَأْتِيَ بِهِ مُخْلِصًا كَمَا شُرِعَ، فَيَحْصُل عَلَى أَجْرِ ذَلِكَ الْفِعْل وَعَلَى أَجْرِ الْمُجَاهِدِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ.

الثَّانِي: مَا يَكُونُ إِسْرَارُهُ خَيْرًا مِنْ إِعْلاَنِهِ كَإِسْرَارِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ وَإِسْرَارِ أَذْكَارِهَا،

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص٢٩٥.

(٢) حديث: " اجتنبوا هذه القاذورة. . . ". أخرجه الحاكم (٤ / ٢٤٤) من حديث ابن عمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

فَهَذَا إِسْرَارُهُ خَيْرٌ مِنْ إِعْلاَنِهِ.

الثَّالِثُ: مَا يَخْفَى تَارَةً وَيَظْهَرُ أُخْرَى كَالصَّدَقَاتِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الرِّيَاءَ أَوْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ كَانَ الإِْخْفَاءُ أَفْضَل مِنَ الإِْبْدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَمَنْ أَمِنَ مِنَ الرِّيَاءِ فَلَهُ حَالاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، فَإِخْفَاؤُهَا أَفْضَل إِذْ لاَ يَأْمَنُ مِنَ الرِّيَاءِ عِنْدَ الإِْظْهَارِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ كَانَ الإِْبْدَاءُ أَوْلَى، لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ مَعَ مَصْلَحَةِ الاِقْتِدَاءِ، فَيَكُونُ قَدْ نَفَعَ الْفُقَرَاءَ بِصَدَقَتِهِ وَبِتَسَبُّبِهِ إِلَى تَصَدُّقِ الأَْغْنِيَاءِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نَفَعَ الأَْغْنِيَاءَ بِتَسَبُّبِهِ إِلَى اقْتِدَائِهِمْ بِهِ فِي نَفْعِ الْفُقَرَاءِ (١) .

_________

(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١ / ١٢٨ - ١٢٩، نشر دار الكتب العلمية، وانظر إحياء علوم الدين ٣ / ٣٠٩ - ط. الحلبي.

مُجَاوَرَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُجَاوَرَةُ فِي اللُّغَةِ: تَقَارُبُ الْمُحَال، مِنْ قَوْلِكَ: أَنْتَ جَارِي وَأَنَا جَارُكَ وَبَيْنَنَا جِوَارٌ، وَالْجَارُ مَنْ يَقْرُبُ مَسْكَنُهُ مِنْكَ، وَهُوَ مِنَ الأَْسْمَاءِ الْمُتَضَايِفَةِ.

قَال بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْجِوَارُ قَرَابَةٌ بَيْنَ الْجِيرَانِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الْمُجَاوَرَةُ فِي مَوْضِعِ الاِجْتِمَاعِ مَجَازًا وَيُقَال: جَاوَرَهُ مُجَاوَرَةً وَجِوَارًا مِنْ بَابِ قَاتَل، وَالاِسْمُ الْجُوَارُ بِالضَّمِّ: إِذَا لاَصَقَهُ فِي السَّكَنِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُجَاوَرَةِ:

لِلْمُجَاوَرَةِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:

أ - مُجَاوَرَةُ الْمَاءِ لِغَيْرِهِ

٢ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاَ يَضُرُّ فِي طَهُورِيَّةِ

_________

(١) المفردات، والمصباح، والفروق اللغوية.