الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
وَذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ عِدَّةَ أَمْثِلَةٍ رُوعِيَتْ فِيهَا الْقِيمَةُ مَعَ كَوْنِهَا مِثْلِيَّةً، وَمِنْهَا: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَتَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا وَكَانَ الْمَبِيعُ هَالِكًا فَإِنَّ الْبَيْعَ يُفْسَخُ عَلَى قِيمَةِ الْهَالِكِ دُونَ النَّظَرِ إِلَى كَوْنِهِ مِثْلِيًّا، هَذَا عَلَى رَأْيِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِنْهَا الْمَقْبُوضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ، لأَِنَّهُ بِهِ دَخَل فِي ضَمَانِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ.
وَمِنْهَا الْمَغْصُوبُ الْمِثْلِيُّ إِذَا انْقَطَعَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ الْيَوْمِ الَّذِي تُحْسَبُ فِيهِ (١) .
وَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ بِالْمِثْل لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ فَيَكُونُ الرَّدُّ بِالْقِيمَةِ (٢) .
ثَالِثًا: قَتْل صَيْدٍ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ فِي الْحَرَمِ
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَل صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ﴾ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَوْعِيَّةِ هَذَا الْجَزَاءِ وَكَيْفِيَّتِهِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الصَّيْدُ إِذَا كَانَ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) المصادر الفقهية السابقة.
مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ - أَيْ لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ مُشَابِهٌ فِي الْخِلْقَةِ - فَجَزَاؤُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّعْدِيل، فَيُخَيَّرُ الْقَاتِل بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
أ - ذَبْحُ الْمِثْل الْمُشَابِهِ لِلصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
ب - تَقْوِيمُ الصَّيْدِ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ شِرَاءُ الطَّعَامِ بِهَا وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
ب - الصِّيَامُ عَنْ كُل مُدٍّ يَوْمًا وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ (١) .
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ صَيْدِ الْحَرَمِ إِذَا كَانَ مِنَ الْمِثْلِيِّ أَوِ الْقِيمِيِّ فَفِي كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ تَجِبُ قِيمَةُ الصَّيْدِ وَتُقَدَّرُ الْقِيمَةُ عِنْدَهُمْ بِتَقْوِيمِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ الْقَاتِل بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا هَدْيًا وَيَذْبَحَهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا فَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَوْ يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُل مِسْكِينٍ يَوْمًا (٢) .
رَابِعًا - الْغَصْبُ وَالضَّمَانُ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ مَال إِنْسَانٍ يَضْمَنُهُ ثُمَّ إِذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا قَائِمًا بِحَالِهِ فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ عَيْنِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ
_________
(١) الحطاب مع التاج والإكليل ٣ / ١٧٠، ١٧١، وحاشية القليوبي ٢ / ١٣٩ وما بعدها، والمغني ٣ / ٢٨٩.
(٢) الدر المختار بهامش رد المحتار ٢ / ٢١٣ - ٢١٥.
عَيْبٌ يَنْقُصُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (١) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا بِحَالِهِ أَوْ هَلَكَ أَوْ أُتْلِفَ فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ مِثْلِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَلأَِنَّ الْمِثْل أَعْدَل لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ، فَكَانَ أَدْفَعَ لِلضَّرَرِ كَمَا عَلَّلَهُ الْمَرْغِينَانِيُّ (٢) .
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ عَلَى اخْتِلاَفٍ فِي وَقْتِ تَقْوِيمِ الْقِيمَةِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ فَعَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (٣) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ: (ضَمَانٌ ٩١؛ ٩٢ غَصْبٌ ف ١٦) .
_________
(١) حديث: " على اليد ما أخذت. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٥٧) من حديث سمرة بن جندب يرويه عنه الحسن البصري وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ٥٣) الحسن مختلف في سماعه عن سمرة.
(٢) الهداية مع تكملة فتح القدير ٨ / ٢٤٦ وما بعدها.
(٣) الهداية مع تكملة فتح القدير ٨ / ٢٤٦ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص٢١٦، والقليوبي ٢ / ٢٥٩، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٣٧٦.
مُجَازَفَةٌ
انْظُرْ: بَيْعُ الْجُزَافِ
مُجَاعَلَةٌ
انْظُرْ: جَعَالَةٌ
مَجَاعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَجَاعَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْجُوعِ، وَهُوَ نَقِيضُ الشِّبَعِ، وَالْفِعْل جَاعَ يَجُوعُ جُوعًا وَجَوْعَةً وَمَجَاعَةً فَهُوَ جَائِعٌ وَجَوْعَانُ، وَالْمَرْأَةُ جَوْعَى، وَالْجَمْعُ جَوْعَى وَجِيَاعٌ وَجُوَّعٌ وَجُيَّعٌ.
وَالْمَجَاعَةُ وَالْمَجُوعَةُ وَالْمَجْوَعَةُ: عَامُ الْجُوعِ وَالْجَدْبِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
١ - الْفَقْرُ:
٢ - الْفَقْرُ وَالْفَقْرُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْغِنَى، وَالْفَقْرُ الْحَاجَةُ، وَرَجُلٌ فَقِيرٌ مِنَ الْمَال وَقَدْ فَقِرَ فَهُوَ فَقِيرٌ، وَالْجَمْعُ فُقَرَاءُ وَالأُْنْثَى فَقِيرَةٌ.
وَالْفَقِيرُ فِي الاِصْطِلاَحِ: مَنْ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا الْبَتَّةَ أَوْ يَجِدُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ مَالٍ أَوْ كَسْبٍ لاَ
_________
(١) لسان العرب، والقاموس، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْمَجَاعَةِ هِيَ أَنَّ الْفَقْرَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَجَاعَةِ.
ب - الْجَدْبُ:
٣ - الْجَدْبُ: الْقَحْطُ، وَهُوَ نَقِيضُ الْخِصْبِ، وَأَجْدَبَ الْقَوْمُ أَصَابَهُمُ الْجَدْبُ وَأَجْدَبَتِ السَّنَةُ صَارَ فِيهَا جَدْبٌ.
وَالْجَدْبَةُ: الأَْرْضُ الَّتِي لَيْسَ بِهَا قَلِيلٌ وَلاَ كَثِيرٌ وَلاَ مَرْتَعٌ وَلاَ كَلأٌَ.
وَالْجَدْبُ: انْقِطَاعُ الْمَطَرِ وَيُبْسُ الأَْرْضِ (٢) .
وَالْجَدْبُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَجَاعَةِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الْمَجَاعَةَ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْهَا: حِل طَلَبِ الصَّدَقَةِ فِي الْمَجَاعَةِ وَأَفْضَلِيَّةُ الصَّدَقَةِ فِي الْمَجَاعَةِ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَفِي إِرْضَاعِ الطِّفْل الْجَائِعِ، وَحِل أَكْل الْمَيْتَةِ، وَرَفْعُ حَدِّ السَّرِقَةِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ (صَدَقَةٌ ف ١٨، رَضَاعٌ ف ١٧، ضَرُورَةٌ ف ٨، سَرِقَةٌ ف ١٤، سُؤَالٌ ف ٩) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وتاج العروس، والموسوعة الفقهية مصطلح (فقير ف١) .
(٢) الصحاح، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، وأنيس الفقهاء (١٨٦) .
مُجَاهَرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْمُجَاهَرَةِ فِي اللُّغَةِ: الإِْظْهَارُ، يُقَال: جَاهَرَهُ بِالْعَدَاوَةِ مُجَاهَرَةً وَجِهَارًا أَظْهَرَهَا (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَال عِيَاضٌ: الْجِهَارُ وَالإِْجْهَارُ وَالْمُجَاهَرَةُ كُلُّهُ صَوَابٌ بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَالإِْظْهَارِ، يُقَال: جَهَرَ وَأَجْهَرَ بِقَوْلِهِ وَقِرَاءَتِهِ: إِذَا أَظْهَرَ وَأَعْلَنَ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْظْهَارُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الإِْظْهَارِ فِي اللُّغَةِ: التَّبْيِينُ وَالإِْبْرَازُ بَعْدَ الْخَفَاءِ، يُقَال: أَظْهَرَ الشَّيْءَ: بَيَّنَهُ، وَأَظْهَرَ فُلاَنًا عَلَى السِّرِّ: أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) فتح الباري ١٠ / ٤٨٧ - ط. السلفية.
(٣) المعجم الوسيط، والمصباح المنير.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُجَاهَرَةِ وَالإِْظْهَارِ: أَنَّ الْمُجَاهَرَةَ أَعَمُّ مِنَ الإِْظْهَارِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - الْمُجَاهَرَةُ قَدْ تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا، كَالْمُجَاهَرَةِ بِالْمَعْصِيَةِ وَالتَّبَجُّحِ وَالاِفْتِخَارِ بِهَا بَيْنَ الأَْصْحَابِ (٢)، وَقَدْ تَكُونُ مَشْرُوعَةً، كَمَنْ قَوِيَ إِخْلاَصُهُ وَصَغُرَ النَّاسُ فِي عَيْنَيْهِ وَاسْتَوَى عِنْدَهُ مَدْحُهُمْ وَذَمُّهُمْ فَيَجُوزُ لَهُ إِظْهَارُ الطَّاعَاتِ، لأَِنَّ التَّرْغِيبَ فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ (٣) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُجَاهَرَةِ:
الْمُجَاهَرَةُ بِالْمَعَاصِي
٤ - الْمُجَاهَرَةُ بِالْمَعَاصِي مَنْهِيٌّ عَنْهَا، قَال النَّبِيُّ ﷺ: كُل أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَل الرَّجُل بِاللَّيْل عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُول: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ (٤)
_________
(١) الفروق في اللغة ص٢٨٠ - نشر دار الآفاق الجديدة.
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٤٠٤ - نشر دار الجيل.
(٣) مختصر منهاج القاصدين ص٢٢٣ - ٢٢٤، وعمدة القاري ٢١ / ١٣٨ - ١٣٩.
(٤) حديث: " كل أمتي معافى إلا المجاهرين. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٨٦) ومسلم (٤ / ٢٢٩١) من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.
وَقَال النَّوَوِيُّ: يُكْرَهُ لِمَنِ ابْتُلِيَ بِمَعْصِيَةٍ أَنْ يُخْبِرَ غَيْرَهُ بِهَا، بَل يُقْلِعَ عَنْهَا وَيَنْدَمَ وَيَعْزِمَ أَنْ لاَ يَعُودَ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِهَا شَيْخَهُ أَوْ نَحْوَهُ مِمَّنْ يَرْجُو بِإِخْبَارِهِ أَنْ يُعْلِمَهُ مَخْرَجًا مِنْهَا، أَوْ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا، أَوْ يُعَرِّفُهُ السَّبَبَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيهَا، أَوْ يَدْعُو لَهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لاِنْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ، وَقَال الْغَزَالِيُّ: الْكَشْفُ الْمَذْمُومُ هُوَ الَّذِي إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْمُجَاهَرَةِ وَالاِسْتِهْزَاءِ، لاَ عَلَى وَجْهِ السُّؤَال وَالاِسْتِفْتَاءِ (١)، بِدَلِيل خَبَرِ مَنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ فَجَاءَ فَأَخْبَرَ الْمُصْطَفَى ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ (٢) .
٥ - وَجَعَل ابْنُ جَمَاعَةَ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ بِالْمَعْصِيَةِ إِفْشَاءَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْمُبَاحِ (٣) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُل يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا (٤) وَالْمُرَادُ مِنْ نَشْرِ السِّرِّ ذِكْرُ مَا يَقَعُ بَيْنَ الرَّجُل وَامْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوِقَاعِ وَوَصْفِ تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنَ الْمَرْأَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا
_________
(١) فيض القدير ٥ / ١١.
(٢) خبر: من واقع امرأته في رمضان. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٦٣) ومسلم (٢ / ٧٨١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) فيض القدير ٥ / ١١.
(٤) حديث: " إن من أشر الناس عند الله منزلة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٦٠) من حديث أبي سعيد الخدري.
مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْوِقَاعِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ فَذِكْرُهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ دَعَتْ إِلَى ذِكْرِهِ حَاجَةٌ وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ فَهُوَ مُبَاحٌ كَمَا لَوِ ادَّعَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ عِنِّينٌ.
(ر: إِفْشَاءُ السِّرِّ ف ٦) .
الصَّلاَةُ خَلْفَ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ
٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ تَصِحُّ الصَّلاَةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ بِالْجَارِحَةِ، وَقَالُوا: مَنْ صَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ يَكُونُ مُحْرِزًا ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ، لَكِنْ لاَ يَنَال ثَوَابَ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ إِمَامٍ تَقِيٍّ (١)، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْفَاسِقُ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَقَال الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِي إِمَامَةِ الْفَاسِقِ بِالْجَوَارِحِ فَقَال ابْنُ بَزِيزَةَ: الْمَشْهُورُ إِعَادَةُ مَنْ صَلَّى خَلْفَ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ أَبَدًا، وَقَال الأَْبْهَرِيُّ: هَذَا إِذَا كَانَ فِسْقُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَالزِّنَا وَتَرْكِ الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَقَال اللَّخْمِيُّ: إِنْ كَانَ فِسْقُهُ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِالصَّلاَةِ كَالزِّنَا وَغَصْبِ الْمَال أَجْزَأَتْهُ، لاَ إِنْ تَعَلَّقَ بِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ شَارِبِ الْخَمْرِ أَعَادَ أَبَدًا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إِلَيْهِ الطَّاعَةُ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ
_________
(١) مراقي الفلاح ص١٦٥، وحاشية القليوبي ١ / ٢٣٤.