الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
بَلَدِ الْقِتَال.
وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ مُثْلَةً (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِحَمْل رَأْسِ الْمُشْرِكِ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ غَيْظُهُمْ: بِأَنْ كَانَ الْمُشْرِكُ مِنْ عُظَمَائِهِمْ (٢) .
وَقَالُوا: وَقَدْ حَمَل ابْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ بَدْرٍ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ وَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ﵊ (٣) .
تَسْخِيمُ الْوَجْهِ
٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَسْخِيمُ الْوَجْهِ أَيْ تَسْوِيدُهُ بِالسُّخَامِ وَهُوَ السَّوَادُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِأَسْفَل الْقِدْرِ وَمُحِيطِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الدُّخَانِ.
وَقَالُوا: لأَِنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ الأَْعْضَاءِ وَمَعْدِنُ جَمَال الإِْنْسَانِ، وَمَنْبَعُ حَوَاسِّهِ فَوَجَبَ الاِحْتِرَازُ عَنْ تَجْرِيحِهِ وَتَقْبِيحِهِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ وَكَرَّمَ بِهَا بَنِي آدَمَ فَيُعْتَبَرُ كُل تَغْيِيرٍ فِيهَا مُثْلَةً (٤) .
قَال السَّرَخْسِيُّ: الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى انْتِسَاخِ
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٥٤، والمغني ٨ / ٤٩٤.
(٢) الدر المختار ٣ / ٢٢٥.
(٣) حديث: أن ابن مسعود حمل يوم بدر رأس أبي جهل وألقاه بين يديه ﵊. ذكره ابن هشام في السيرة (٢ / ٢٧٨) نقلًا عن ابن إسحاق بسندٍ فيه جهالة.
(٤) السرخسي ١٦ / ١٤٥، وتبيين الحقائق ٣ / ١٧٠ وفصول الإستروشني في التعزير ٣٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٥، والخرشي ٧ / ١٥٢، وكشاف القناع ٦ / ١٢٤ - ١٢٥، وعون المعبود.
حُكْمِ التَّسْخِيمِ لِلْوَجْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ (١)، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ بِمَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا مِنْ ضَرْبٍ غَيْرِ مُبَرِّحٍ وَحَبْسٍ وَصَفْعٍ وَكَشْفِ رَأْسٍ وَتَسْوِيدِ وَجْهٍ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: تَسْوِيدٌ ف ١٦ - وَشَهَادَةُ الزُّورِ ف ٦ - ٧) .
_________
(١) المبسوط للسرخسي ١٦ / ١٤٥.
(٢) حديث: " نهى النبي ﷺ عن المثلة ولو بالكلب العقور. . . ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١ / ١٠٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦ / ٢٤٩): إسناده منقطع.
(٣) نهاية المحتاج ٨ / ١٨ ط المكتبة الإسلامية، والمنهج على حاشية الجمل ٥ / ١٦٤، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢٢٣.
مِثْلِيَّاتٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمِثْلِيَّاتُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الْمِثْلِيِّ، وَالْمِثْلِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمِثْل بِمَعْنَى الشِّبْهِ، قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: الْمِثْل كَلِمَةُ تَسْوِيَةٍ، يُقَال: هَذَا مِثْلُهُ وَمَثَلُهُ كَمَا يُقَال: شِبْهُهُ وَشَبَهُهُ بِمَعْنَى (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْمِثْلِيُّ: كُل مَا يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِي الأَْسْوَاقِ بِلاَ تَفَاوُتٍ يُعْتَدُّ بِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَخْتَلِفُ بِسَبَبِهِ الثَّمَنُ (٢) .
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي ضَبْطِ الْمِثْلِيِّ وُجُوهًا، ثُمَّ اخْتَارَ بِأَنَّهُ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقِيمِيَّاتُ:
٢ - الْقِيمِيَّاتُ جَمْعُ الْقِيمِيِّ، وَالْقِيمِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقِيمَةِ، وَهِيَ ثَمَنُ الشَّيْءِ بِالتَّقْوِيمِ، قَال
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ١١٧، ١١٨، ومجلة الأحكام العدلية م١٤٥، ١١١٩، وبدائع الصنائع ٧ / ١٥٠.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ١٨، ١٩.
الْفَيُّومِيُّ: الْقِيمَةُ: الثَّمَنُ الَّذِي يُقَاوَمُ بِهِ الْمَتَاعُ أَيْ يَقُومُ مَقَامَهُ (١) .
وَالْقِيمِيُّ فِي الاِصْطِلاَحِ مَا لاَ يُوجَدُ لَهُ مِثْلٌ فِي الأَْسْوَاقِ، أَوْ يُوجَدُ لَكِنْ مَعَ التَّفَاوُتِ الْمُعْتَدِّ بِهِ فِي الْقِيمَةِ (٢) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْقِيمِيَّاتُ مُقَابِل الْمِثْلِيَّاتِ مِنَ الأَْمْوَال.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمِثْلِيَّاتِ:
لِلْمِثْلِيَّاتِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أَوَّلًا: فِي الْعُقُودِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنَ الْعُقُودِ مَا يَصِحُّ فِي الْقِيمِيَّاتِ كَمَا يَصِحُّ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَمِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ عَقْدُ الْبَيْعِ وَعَقْدُ الإِْجَارَةِ وَعَقْدُ الْهِبَةِ وَنَحْوُهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنَ الأَْمْوَال الْمِثْلِيَّةِ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ كَعَقْدِ السَّلَمِ وَعَقْدِ الْقَرْضِ، وَشَرِكَةِ الأَْمْوَال وَنَحْوِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - عَقْدُ السَّلَمِ:
٤ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ: (الْمُسْلَمُ فِيهِ) دَيْنًا مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ: (ذِمَّةِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ)، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) مجلة الأحكام العدلية م: (١٤٦) .
قَالُوا: إِنَّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْلَمًا فِيهِ مِنَ الأَْمْوَال هُوَ الْمِثْلِيَّاتُ، كَالْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (١) .
وَقَدْ عَدَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَذْرُوعَاتِ الْمُتَمَاثِلَةَ الآْحَادِ، وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةَ أَوِ الْمُتَسَاوِيَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي تَقْبَل الثُّبُوتَ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا فِي عَقْدِ السَّلَمِ، فَيَصِحُّ كَوْنُهَا مُسْلَمًا فِيهَا، قِيَاسًا عَلَى الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ لِلْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَهَا، وَهِيَ رَفْعُ الْجَهَالَةِ بِالْمِقْدَارِ (٢) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ النُّقُودَ وَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ نَقْدًا، قَال الْكَاسَانِيُّ فِي شُرُوطِ الْمُسْلَمِ فِيهِ: وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، لأَِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ. وَالْمَبِيعُ مِمَّا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ (٣) .
أَمَّا الْقِيمِيَّاتُ فَمَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ
_________
(١) حديث: " من أسلف. . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٩) - ط. السلفية ومسلم (٣ / ١٢٢٧ - ط. الحلبي)، واللفظ لمسلم.
(٢) فتح القدير ٦ / ٢١٩، والقوانين الفقهية ص٢٧٤، ومواهب الجليل ٤ / ٥٣٤، وروضة الطالبين ٤ / ٦، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٨، وكشاف القناع ٣ / ٢٧٦، والمغني ٤ / ٣٣٢.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٢.
يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، وَمَا لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَعَدَمُهَا مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (سَلَمٌ ف ٢٠، ٢١) .
ب - عَقْدُ الْقَرْضِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ فِي الأَْمْوَال الْمِثْلِيَّةِ لأَِنَّ الْقَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ الْمِثْل وَهَذَا مُيَسَّرٌ فِي الأَْمْوَال الْمِثْلِيَّةِ مِنَ الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَكَذَا الْعَدَدِيَّاتُ وَالْمَذْرُوعَاتُ الْمُتَقَارِبَةُ الَّتِي يُمْكِنُ ضَبْطُهَا (١) . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ قَرْضِ غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، إِلَى جَوَازِ قَرْضِ كُل مَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مِنْ عَرَضٍ وَحَيَوَانٍ وَمِثْلِيٍّ وَذَلِكَ لِصِحَّةِ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي الأَْثَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا أَيْ ثَنِيًّا مِنَ الإِْبِل (٢)، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَوْزُونٍ وَلاَ مَكِيلٍ.
وَاسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ مِنْ جَوَازِ قَرْضِ كُل مَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِل لِلْمُقْتَرِضِ، فَلاَ يَصِحُّ قَرْضُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى إِعَارَةِ الْجَوَارِي لِلْوَطْءِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
_________
(١) حاشية رد المحتار ٤ / ١٧١، ١٧٢، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٢٢٢، ومغني المحتاج ٢ / ١١٨، ١١٩، والمغني ٤ / ٣٥٠.
(٢) حديث: " استسلف من رجل بكرا. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٤) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
أَمَّا مَا لاَ يُسْلَمُ فِيهِ، فَلاَ يَجُوزُ إِقْرَاضُهُ عِنْدَهُمْ لأَِنَّ مَا لاَ يَنْضَبِطُ أَوْ يَنْدُرُ وُجُودُهُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْقَرْضُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ، كَحَيَوَانٍ وَحَطَبٍ وَعَقَارٍ وَكُل مُتَفَاوِتٍ لِتَعَذُّرِ رَدِّ الْمِثْل الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى عَقْدِ الْقَرْضِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْقَرْضُ لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِ عَيْنِهِ، فَيَسْتَلْزِمُ إِيجَابَ الْمِثْل فِي الذِّمَّةِ وَهَذَا لاَ يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (٢) .
وَنُقِل عَنِ الْبَحْرِ أَنَّ قَرْضَ مَا لاَ يَجُوزُ قَرْضُهُ عَارِيَّةٌ، أَيْ أَنَّ قَرْضَ مَا لاَ يَجُوزُ قَرْضُهُ مِنَ الأَْمْوَال غَيْرِ الْمِثْلِيَّةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَارِيَّةِ فَيَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَرْضٌ ف ١٤) .
ج - شَرِكَةُ الأَْمْوَال
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّرِكَةِ أَنْ تَكُونَ الأَْمْوَال الْمَخْلُوطَةُ (رَأْسُ الْمَال) مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ، حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَهُمُ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأَْمْوَال مِنَ الأَْثْمَانِ.
_________
(١) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٢٢٢، ٢٢٣، ومغني المحتاج ٢ / ١١٨، ١١٩، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٥٠، ٣٥١.
(٢) رد المحتار ٤ / ١٧١، ١٧٢.
(٣) المرجع السابق.
قَال فِي الدُّرِّ: لاَ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِغَيْرِ النَّقْدَيْنِ، وَالْفُلُوسُ النَّافِقَةُ وَالتِّبْرُ وَالنُّقْرَةُ إِنْ جَرَى التَّعَامُل بِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَالْعُرُوضُ لاَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَال شَرِكَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ كَالْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ قَبْل الْخَلْطِ بِجِنْسِهِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ (١) .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ مِنَ اخْتِصَاصِ الشَّرِكَةِ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ (٢) .
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - جَوَازُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ فِي غَيْرِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا بِشَرْطِ الاِخْتِلاَطِ بِجِنْسِهِ وَعَلَّلَهُ الشِّرْبِينِيُّ بِقَوْلِهِ: لأَِنَّهُ إِذَا اخْتَلَطَ بِجِنْسِهِ ارْتَفَعَ التَّمْيِيزُ فَأَشْبَهَ النَّقْدَيْنِ (٣) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (شَرِكَةٌ ف ٤٤) .
د - الْقِسْمَةُ:
٧ - ذَكَرَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ جِهَةٍ إِفْرَازٌ أَيْ تَمْيِيزٌ لِحِصَصِ الشُّرَكَاءِ وَمِنْ جِهَةٍ
_________
(١) حاشية رد المحتار مع الدر المختار ٣ / ٣٤٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٤٨.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢١٣، والمغني لابن قدامة ٥ / ١٦.
(٣) رد المحتار ٣ / ٣٤٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢١٣.
مُبَادَلَةٌ، لَكِنَّ جِهَةَ الإِْفْرَازِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ غَالِبَةٌ وَرَاجِحَةٌ، فَلِذَلِكَ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ أَخْذُ حِصَّتِهِ فِي غَيْبَةِ الآْخَرِ وَدُونَ إِذْنِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْمِثْلِيَّاتُ تَحْتَ وَضْعِ يَدِ الشَّرِيكَيْنِ.
وَعَلَّلُوا جَوَازَ أَخْذِ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي غِيَابِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ وَدُونَ إِذْنِهِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ هَذَا الأَْخْذَ هُوَ أَخْذٌ لِعَيْنِ حَقِّهِ فَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الآْخَرِ وَرِضَاهُ.
وَهَذَا بِخِلاَفِ الْقِيمِيَّاتِ حَيْثُ إِنَّ جِهَةَ الْمُبَادَلَةِ فِيهَا رَاجِحَةٌ فَلاَ تَكُونُ إِلاَّ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِحُكْمِ الْقَاضِي، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ أَخْذُ حِصَّتِهِ مِنْهَا فِي غَيْبَةِ الآْخَرِ بِدُونِ إِذْنِهِ (١) .
وَلِسَائِرِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِسْمَةٌ ٤٥ - ٤٦) .
ثَانِيًا: الإِْتْلاَفُ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَ شَخْصٌ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
وَالْمُتْلَفُ إِنْ كَانَ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ (٢)، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ مَكَانُ
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية المواد (١١١٦ - ١١١٨)، وشرح المجلة لعلي حيدر ٣ / ١٠٤ - ١٠٦.
(٢) مجلة الأحكام العدلية (م٤١٥) .
الإِْتْلاَفِ.
وَإِذَا فُقِدَ الْمِثْلِيُّ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الأَْسْوَاقِ فَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُعْدَل عَنِ الْمِثْلِيِّ إِلَى الْقِيمَةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقِيمَةِ: أَيُرَاعَى وَقْتُ الإِْتْلاَفِ؟ أَمْ وَقْتُ الاِنْقِطَاعِ عَنِ الأَْسْوَاقِ؟ أَمْ وَقْتُ الْمُطَالَبَةِ؟ أَمْ وَقْتُ الأَْدَاءِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِتْلاَفٌ ف ٣٦) .
وَمَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ رَدُّ الْمِثْلِيِّ بِالْمِثْل إِلاَّ أَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الأَْشْيَاءِ الْمِثْلِيَّةِ يَكُونُ الرَّدُّ فِيهَا بِالْقِيمَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ عِدَّةَ صُوَرٍ لِلإِْتْلاَفِ بِلاَ غَصْبٍ يَكُونُ الرَّدُّ فِيهَا بِالْقِيمَةِ وَهِيَ:
أ - إِتْلاَفُ مَاءٍ فِي مَفَازَةٍ، ثُمَّ اجْتَمَعَ الْمُتْلِفُ وَصَاحِبُ الْمَاءِ عَلَى شَطِّ نَهَرٍ، أَوْ بَلَدٍ حَيْثُ لاَ يَكْتَفِي الرَّدُّ بِمِثْلِهِ، بَل تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَفَازَةِ.
ب - إِتْلاَفُ الْجَمْدِ وَالثَّلْجِ فِي الصَّيْفِ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُتْلِفُ رَدَّهُ فِي الشِّتَاءِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي الصَّيْفِ.
ب - إِتْلاَفُ حُلِيٍّ مَصْنُوعٍ حَيْثُ يَكُونُ الضَّمَانُ بِقِيمَتِهِ، حَتَّى تُلاَحَظَ فِيهَا قِيمَةُ الصَّنْعَةِ (١) .
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٨٥ وقواعد ابن السبكي، ورقة ٨٠ - ٨١.