الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 70

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

وَالْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لِلْمَاءِ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رَائِحَةً أَنَّهُ نَجِسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ (١)، وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْمَاءُ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ (٢) .

أَمَّا إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ بِسَبَبِ اخْتِلاَطِهِ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ، فَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ الَّذِي خَالَطَ الْمَاءَ فَتَغَيَّرَ بِهِ مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا كَزَعْفَرَانٍ وَتَمْرٍ وَدَقِيقٍ وَصَابُونٍ وَلَبَنٍ وَعَسَلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ فَلاَ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ، أَيْ أَنَّهُ لاَ يُسْتَعْمَل فِي الْعِبَادَاتِ، وَإِنَّمَا لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَادَاتِ لأَِنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزِ الْوُضُوءُ بِهِ كَمَاءِ الْبَاقِلاَءِ الْمَغْلِيِّ، وَلأَِنَّهُ زَال عَنْ إِطْلاَقِهِ فَأَشْبَهَ الْمَغْلِيِّ.

وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ هِيَ الأَْصَحُّ (٣) .

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ (٤) أَنَّهُ يَجُوزُ

_________

(١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١ / ١٢٤، وجواهر الإكليل ١ / ٦، والمهذب ١ / ١٢، والمغني ١ / ٢٣ - ٢٤.

(٢) حديث أبي أمامة: " الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ". أخرجه ابن ماجه (١ / ١٧٤)، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ١٣٠) .

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٦، والمهذب ١ / ١٢، ومغني المحتاج ١ / ١٨، ١٩، والمغني ١ / ١٢.

(٤) المغني ١ / ١٢.

الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِطَاهِرٍ مِمَّا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُل مَاءٍ فَلاَ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ (٢)، وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ وَغَالِبُ أَسْقِيَتِهِمُ الأَْدَمُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ فَلَمْ يُنْقَل عَنْهُمْ تَيَمُّمٌ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمِيَاهِ، وَلأَِنَّهُ طَهُورٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ لَمْ يَسْلُبْهُ اسْمَ الْمَاءِ (٣) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْمَاءُ الْمُطْلَقُ إِذَا خَالَطَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ كَاللَّبَنِ وَالْخَل وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ زَال عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ بِأَنْ صَارَ مَغْلُوبًا بِهِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ كَانَ الَّذِي خَالَطَهُ مِمَّا يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَاءِ كَاللَّبَنِ وَمَاءِ الْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ فِي اللَّوْنِ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الَّذِي خَالَطَهُ مِمَّا يُقْصَدُ مِنْهُ زِيَادَةُ نَظَافَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْصَدُ مِنْهُ ذَلِكَ وَيُطْبَخُ بِهِ أَوْ يُخَالَطُ بِهِ كَمَاءِ الصَّابُونِ وَالأُْشْنَانِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ

_________

(١) سورة المائدة / ٦.

(٢) حديث: " إن الصعيد الطيب طهور المسلم ". أخرجه الترمذي (١ / ٢١٢) وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) المغني ١ / ١٢.

وَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ، لأَِنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ وَازْدَادَ مَعْنَاهُ وَهُوَ التَّطْهِيرُ، وَكَذَلِكَ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي غُسْل الْمَيِّتِ بِالْمَاءِ الْمَغْلِيِّ بِالسِّدْرِ وَالْحُرُضُ - الأُْشْنَانُ - فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إِلاَّ إِذَا صَارَ غَلِيظًا كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لأَِنَّهُ حِينَئِذٍ يَزُول عَنْهُ اسْمُ الْمَاءِ وَمَعْنَاهُ أَيْضًا (١) .

وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ الَّذِي اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ فَغَيَّرَ لَوْنَهُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ لاَ يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَوَلِّدًا مِنَ الْمَاءِ كَالطُّحْلُبِ، أَمْ كَانَ فِي الْقَرَارِ وَيَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ كَالْمِلْحِ وَالطِّينِ وَالشَّبِّ وَالْكِبْرِيتِ وَالْقَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ.

وَمِثْل ذَلِكَ مَا إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُ الْمَاءِ بِمَا يَسْقُطُ فِيهِ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ أَوْ تَحْمِلُهُ الرِّيحُ فَتَلْقِيهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ لأَِنَّهُ يَشُقُّ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ.

وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَالْمُعْتَمَدِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقْيِيدُ جِوَازِ التَّطَهُّرِ بِهَذَا الْمَاءِ بِحَالَةِ مَا إِذَا لَمْ تَذْهَبْ رِقَّتُهُ، إِلاَّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيَّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ سُئِل عَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ لِكَثْرَةِ الأَْوْرَاقِ الْوَاقِعَةِ مِنَ

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ١٥.

الشَّجَرِ فِيهِ حَتَّى يَظْهَرَ لَوْنُ الأَْوْرَاقِ فِي الْكَفِّ إِذَا رُفِعَ الْمَاءُ مِنْهُ هَل يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنْ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَغَسْل الأَْشْيَاءِ بِهِ لأَِنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلأَِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ لَوْنُ الأَْوْرَاقِ صَارَ مَاءً مُقَيَّدًا كَمَاءِ الْبَاقِلاَءِ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ بِوَرِقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِيهِ غَيْرُ طَهُورٍ فَلاَ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ (١) .

وَالْمَاءُ الآْجِنُ وَهُوَ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِطُول مُكْثِهِ فِي الْمَكَانِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةِ شَيْءٍ يُغَيِّرُهُ بَاقٍ عَلَى إِطْلاَقِهِ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ كَأَنَّ مَاءَهُ نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ (٢)، وَلأَِنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ (٣) .

حُكْمُ إِزَالَةِ لَوْنِ النَّجَاسَةِ

٣ - إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ أَوِ الْبَدَنَ نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِزَالَتُهَا، فَإِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً وَلَهَا لَوْنٌ كَالدَّمِ وَالصِّبْغِ الْمُتَنَجِّسِ فَالْحُكْمُ فِي إِزَالَةِ لَوْنِ النَّجَاسَةِ مَا يَأْتِي:

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٢٥، وفتح القدير ١ / ٦٢ - ٦٣، ومنح الجليل ١ / ١٩، وجواهر الإكليل ١ / ٧، ومغني المحتاج ١ / ١٩، والمغني ١ / ١٣.

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ توضأ من بئر كأن ماءه نقاعة الحناء ". أورده ابن قدامة في المغني (١ / ١٤) ولم يعزه إلى أي مصدر ولم نهتد إلى من أخرجه.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٢٤، والمغني ١ / ١٤، ومغني المحتاج ١ / ١٩، وأسهل المدارك ١ / ٣٥.

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) - إِلَى أَنَّ إِزَالَةَ لَوْنِ النَّجَاسَةِ إِنْ كَانَ سَهْلًا وَمُتَيَسِّرًا وَجَبَ إِزَالَتُهُ لأَِنَّ بَقَاءَهُ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ تَعَسَّرَ زَوَال اللَّوْنِ وَشَقَّ ذَلِكَ أَوْ خِيفَ تَلَفُ ثَوْبٍ فَإِنَّ الْمَحَل يَطْهُرُ بِالْغَسْل وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ اللَّوْنِ لِحَدِيثِ أَبِي هَرِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ، قَال: إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ قَالَتْ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجِ الدَّمُ؟ قَال: يَكْفِيكِ غَسْل الدَّمِ وَلاَ يَضُرُّكِ أَثَرُهُ (٢) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَهُمْ قَوْلاَنِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ يَعْسُرُ زَوَال النَّجَاسَةِ أَوْ لاَ يَعْسُرُ زَوَالُهَا وَالأَْرْجَحُ عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُ زَوَال اللَّوْنِ مَا لَمْ يَشُقَّ كَمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٣) .

٤ - وَلاَ يَجِبُ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ اسْتِعْمَال أُشْنَانٍ وَلاَ صَابُونٍ وَلاَ تَسْخِينُ مَاءٍ لإِزَالَةِ اللَّوْنِ أَوِ الرِّيحِ الْمُتَعَسِّرِ إِزَالَتُهُ.

لَكِنْ يُسَنُّ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلاَّ إِذَا

_________

(١) منح الجليل ١ / ٤٢، ومغني المحتاج ١ / ٨٥، وكشاف القناع ١ / ١٨٣، والمغني ١ / ٥٩.

(٢) حديث أبي هريرة أن خولة بنت يسار قالت: " إنه ليس لي إلا ثوب واحد. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٥٧) .

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ٢١٨ - ٢١٩.

تَعَيَّنَ إِزَالَةُ الأَْثَرِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اسْتَعْمَل فِي زَوَال الأَْثَرِ شَيْئًا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ فَحَسَنٌ (٢) .

٥ - وَالْمَصْبُوغُ بِصَبْغٍ نَجِسٍ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ ثَلاَثًا، وَالأَْوْلَى غَسْلُهُ إِلَى أَنْ يَصْفُوَ الْمَاءُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا غُسِل بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ النَّجَاسَةِ إِذَا تَعَذَّرَ إِزَالَتُهَا.

وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْصِيلٌ آخَرُ، قَالُوا: يَطْهُرُ بِالْغَسْل مَصْبُوغٌ بِمُتَنَجِّسٍ انْفَصَل عَنْهُ وَلَمْ يَزِدِ الْمَصْبُوغُ وَزْنًا بَعْدَ الْغَسْل عَلَى وَزْنِهِ قَبْل الصَّبْغِ وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ لِعُسْرِ زَوَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَزْنُهُ لَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِل عَنْهُ لِتَعَقُّدِهِ بِهِ لَمْ يَطْهُرْ لِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ (٣) .

أَثَرُ اللَّوْنِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ

٦ - لِلَّوْنِ أَثَرٌ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِالإِْبَاحَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَلْبِسَةٌ ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا) .

أَثَرُ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ فِي الْجِنَايَةِ

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ فِي

_________

(١) مغني المحتاج ١ / ٨٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢١٩، ومنح الجليل ١ / ٤٢.

(٢) المغني ١ / ٥٩.

(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ٢١٩، ومنح الجليل ١ / ٤٢، ومغني المحتاج ١ / ٨٥.

الْجِنَايَةِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ جَنَى عَلَى سِنِّ شَخْصٍ وَلَمْ تُقْلَعْ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ لَوْنُهَا، فَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ إِلَى السَّوَادِ أَوْ إِلَى الْحُمْرَةِ أَوْ إِلَى الْخُضْرَةِ فَفِيهَا الأَْرْشُ تَامًّا، لأَِنَّهُ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَذَهَابُ مَنْفَعَةِ الْعُضْوِ بِمَنْزِلَةِ ذَهَابِ الْعُضْوِ، وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ إِلَى الصُّفْرَةِ فَفِيهَا حُكُومَةُ الْعَدْل، لأَِنَّ الصُّفْرَةَ لاَ تُوجِبُ فَوَاتَ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ نُقْصَانَهَا فَتُوجِبُ حُكُومَةَ الْعَدْل، وَقَال زُفَرُ فِي الصُّفْرَةِ الأَْرْشُ تَامًّا كَمَا فِي السَّوَادِ، لأَِنَّ كُل ذَلِكَ يُفَوِّتُ الْجَمَال. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الصُّفْرَةُ كَثِيرَةً حَتَّى تَكُونَ عَيْبًا كَعَيْبِ الْحُمْرَةِ وَالْخُضْرَةِ فَفِيهَا عَقْلُهَا تَامًّا، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَهُمْ جَمِيعًا، وَلَوْ سَقَطَتِ السِّنُّ بِالْجِنَايَةِ فَنَبَتَتْ مَكَانَهَا سِنٌّ أُخْرَى مُتَغَيِّرَةٌ بِأَنْ نَبَتَتْ سَوْدَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ أَوْ خَضْرَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَتَغَيَّرَتْ بِالضَّرْبَةِ لأَِنَّ النَّابِتَ قَامَ مَقَامَ الذَّاهِبِ، فَكَأَنَّ الأُْولَى قَائِمَةً وَتَغَيَّرَتْ.

وَالظُّفُرُ إِذَا جَنَى عَلَيْهِ شَخْصٌ فَقَلَعَهُ فَنَبَتَ مَكَانَهُ ظُفُرٌ آخَرُ: فَإِنْ نَبَتَ أَسْوَدَ فَفِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِمَا أَصَابَ مِنَ الأَْلَمِ بِالْجِرَاحَةِ الأُْولَى (١) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣١٥، ٣٢٣.

وَلَوْ حَلَقَ شَخْصٌ رَأْسَ رَجُلٍ شَعَرُهُ أَسْوَدُ فَنَبَتَ الشَّعَرُ أَبْيَضَ فَقَال أَبُو يُوسُفَ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشَّعَرِ الزِّينَةُ، وَالزِّينَةُ مُعْتَبَرَةٌ فَلاَ يَقُومُ النَّابِتُ مَقَامَ الْفَائِتِ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ شَيْءَ فِيهِ، لأَِنَّ الشَّيْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، بَل هُوَ جَمَالٌ وَكَمَالٌ فَلاَ يَجِبُ بِهِ أَرْشٌ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ جَنَى عَلَى سِنٍّ وَكَانَتْ بَيْضَاءَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا إِلَى السَّوَادِ فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل وَإِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ أَوْ إِلَى الصُّفْرَةِ فَإِنْ كَانَتِ الْحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ كَالسَّوَادِ فِي إِذْهَابِ الْجَمَال فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل كَالتَّغَيُّرِ إِلَى السَّوَادِ وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحُمْرَةُ أَوِ الصُّفْرَةُ كَالسَّوَادِ فِي إِذْهَابِ الْجَمَال فَفِيهَا بِحِسَابِ مَا نَقَصَ، وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنِ اصْفَرَّتِ السِّنُّ فَفِيهَا بِقَدْرِ شَيْنِهَا لاَ يَكْمُل عَقْلُهَا حَتَّى تَسْوَدَّ لاَ بِتَغَيُّرِهَا، وَقَال أَصْبَغُ: فِي اخْضِرَارِهَا أَكْثَرُ مِمَّا فِي احْمِرَارِهَا وَفِي احْمِرَارِهَا أَكْثَرُ مِمَّا فِي اصْفِرَارِهَا.

وَمَنْ أَطْعَمَتْ زَوْجُهَا مَا اسْوَدَّ بِهِ لَوْنُهُ فَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَيْهَا الدِّيَةُ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَسْوِيدِ السِّنِّ، وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِنَّ هُنَاكَ فَارِقًا بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الشَّأْنَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٢٤.

فِي السِّنِّ الْبَيَاضُ وَأَمَّا الآْدَمِيُّ فَفِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ الأَْسْوَدُ (١) .

وَمَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا أَوْ فَعَل بِهِ فِعْلًا اسْوَدَّ بِهِ جَسَدُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَيْرَ أَسْوَدَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبَرَصِ فَفِيهِ الدِّيَةُ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ ضَرَبَ شَخْصٌ سِنَّ غَيْرِهِ فَاصْفَرَّتْ أَوِ احْمَرَّتْ وَجَبَتْ فِيهَا الْحُكُومَةُ لأَِنَّ مَنَافِعَهَا بَاقِيَةٌ، وَإِنَّمَا نَقَصَ بَعْضُ جَمَالِهَا، فَوَجَبَ فِيهَا الْحُكُومَةُ، فَإِنْ ضَرَبَهَا فَاسْوَدَّتْ فَقَدْ قَالُوا فِي مَوْضِعٍ: تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ، وَقَالُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى اخْتِلاَفِ حَالَيْنِ، فَالَّذِي قَال تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ إِذَا ذَهَبَتِ الْمَنْفَعَةُ، وَالَّذِي قَال تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ إِذَا لَمْ تَذْهَبِ الْمَنْفَعَةُ.

وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الطَّرِيقُ الأَْوَّل.

وَإِنْ قَلَعَ شَخْصٌ سِنَّ غَيْرِهِ فَنَبَتَ مَكَانَهَا سِنٌّ صَفْرَاءُ أَوْ خَضْرَاءُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ لَنَقَصَانِ الْكَمَال (٣)، وَإِنْ لَطَمَ رَجُلًا أَوْ لَكَمَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُل بِهِ أَثَرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ لأَِنَّهُ لَمْ يَحْصُل بِهِ نَقْصٌ فِي جَمَالٍ وَلاَ

_________

(١) منح الجليل ٤ / ٤١٦ - ٤١٧.

(٢) الشرح الصغير ٢ / ٤٠١ ط الحلبي.

(٣) المهذب ٢ / ٢٠٦.

مَنْفَعَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ، وَإِنْ حَصَل بِهِ شَيْنٌ بِأَنِ اسْوَدَّ أَوِ اخْضَرَّ وَجَبَتْ فِيهِ الْحُكُومَةُ لِمَا حَصَل بِهِ مِنَ الشَّيْنِ، فَإِنْ قَضَى فِيهِ بِالْحُكُومَةِ ثُمَّ زَال الشَّيْنُ سَقَطَتِ الْحُكُومَةُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنٍ فَابْيَضَّتْ ثُمَّ زَال الْبَيَاضُ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنِ اعْتَدَى عَلَى غَيْرِهِ فَقَلَعَ ظُفُرَهُ فَعَادَ أَسْوَدَ فَفِيهِ خَمْسٌ دِيَةُ الأُْصْبُعِ نَصًّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (٢) .

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: فِي تَسْوِيدِ سِنٍّ وَظُفُرٍ وَتَسْوِيدِ أَنْفٍ وَتَسْوِيدِ أُذُنٍ بِحَيْثُ لاَ يَزُول التَّسْوِيدُ دِيَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ كَامِلَةً لإِذْهَابِ جَمَالِهِ (٣) .

لَكِنِ ابْنُ قُدَامَةَ فَصَّل فِي تَسْوِيدِ السِّنِّ فَقَال: حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: تَجِبُ دِيَتُهَا كَامِلَةً وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، وَبِهِ قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَشُرَيْحٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَالنَّخَعِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ، لأَِنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَال عَلَى الْكَمَال فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ

_________

(١) المهذب ٢ / ٢١٠.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣١٥.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣١٦.