الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 69

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

الْعَدْل لَوْثًا فِي الْقَتْل الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ فَإِنْ كَانَ فِي خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ لَمْ يَكُنْ لَوْثًا، بَل يَحْلِفُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّ الْمَال، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لاَ يُوجِبُ قِصَاصًا كَقَتْل الْمُسْلِمِ الذِّمِّيِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ قَتْل الْخَطَأِ فِي أَصْل الْمَال لاَ فِي صِفَتِهِ وَلَوْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ تُقْبَل رِوَايَتُهُمْ كَنِسَاءٍ فَإِنْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ فَلَوْثٌ وَكَذَا لَوْ جَاءُوا دَفْعَةً عَلَى الأَْصَحِّ، وَفِي وَجْهٍ لَيْسَ بِلَوْثٍ وَفِي التَّهْذِيبِ: أَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ كَشَهَادَةِ الْجَمْعِ.

وَفِي الْوَجِيزِ: أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ قَوْل وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْثٌ.

وَأَمَّا فِيمَنْ لاَ تُقْبَل رِوَايَتُهُمْ كَصِبْيَانٍ أَوْ فَسَقَةٍ أَوْ ذِمِّيِّينَ فَأَوْجُهٌ أَصَحُّهَا: أَنَّ قَوْلَهُمْ لَوْثٌ.

وَالثَّانِي: لَيْسَ بِلَوْثٍ، وَالثَّالِثُ: لَوْثٌ مِنْ غَيْرِ الْكُفَّارِ.

وَلَوْ قَال الْمَجْرُوحُ: جَرَحَنِي فُلاَنٌ أَوْ قَتَلَنِي أَوْ دَمِيَ عِنْدَهُ فَلَيْسَ بِلُوثٍ، لأَِنَّهُ مُدَّعٍ.

السَّادِسُ: قَال الْبَغَوِيُّ: لَوْ وَقَعَ فِي أَلْسِنَةِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَلَهَجِهِمْ: أَنَّ فُلاَنًا قَتَل فُلاَنًا فَهُوَ لَوْثٌ فِي حَقِّهِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ الْقَتِيل فِي مَحَلَّةٍ وَبِهِ أَثَرُ الْقَتْل مِنْ جِرَاحَةٍ أَوْ أَثَرِ ضَرْبٍ أَوْ

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ١٠ - ١٢، ومغني المحتاج ٤ / ١١١ - ١١٢.

خَنْقٍ وَلاَ يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ اسْتَحْلَفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ يَتَخَيَّرُهُمُ الْوَلِيُّ يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ: بِاللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلاَ عَلِمْتُ لَهُ قَاتِلًا وَلاَ يَشْتَرِطُونَ لِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلاَمَةُ الْقَتْل عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِمُدَّعِي الْقَتْل مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْل الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ سَبَبَ الْقَسَامَةِ هُوَ قَتْل الْحُرِّ الْمُسْلِمِ بِلَوْثٍ، وَذَكَرُوا خَمْسَةَ أَمْثِلَةٍ لِلَّوْثِ: -

أَوَّلُهَا: أَنْ يَقُول الْبَالِغُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الذَّكَرُ أَوِ الأُْنْثَى: قَتَلَنِي فُلاَنٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُول مَسْخُوطًا وَادَّعَى عَلَى عَدْلٍ وَلَوْ أَعْدَل وَأَوْرَعَ أَهْل زَمَانِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ.

أَوْ تَدَّعِي زَوْجَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَتَلَهَا أَوْ وَلَدٌ يَدَّعِي أَنَّ أَبَاهُ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ جَوْفَهُ فَيَحْلِفُ الأَْوْلِيَاءُ فِي الْعَمْدِ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ، وَفِي الْخَطَأِ يَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ وَيَكُونُ لَوْثًا بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِذَلِكَ عَدْلاَنِ فَأَكْثَرَ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَسْتَمِرَّ الْمَقْتُول عَلَى إِقْرَارِهِ، وَكَانَ بِهِ جُرْحٌ أَوْ أَثَرُ ضَرْبٍ أَوْ سُمٍّ.

ثَانِيهَا: شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ عَلَى مُعَايَنَةِ الضَّرْبِ أَوِ

_________

(١) الهداية مع فتح القدير ٨ / ٣٨٣ - ٣٨٤، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٨٧، وابن عابدين ٥ / ٤٠١.

الْجُرْحِ أَوْ أَثَرِ الضَّرْبِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً فَيَحْلِفُ الأَْوْلِيَاءُ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ أَوِ الدِّيَةَ.

ثَالِثُهَا: شَهَادَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجُرْحِ أَوِ الضَّرْبِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً، وَحَلَفَ الْوُلاَةُ مَعَ الشَّاهِدِ الْمَذْكُورِ يَمِينًا وَاحِدَةً لَقَدْ ضَرَبَهُ وَهَذِهِ الْيَمِينُ مُكَمِّلَةٌ لِلنِّصَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا وَتُقْسِمُ الْوُلاَةُ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ إِنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ فِي جَمِيعِ الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ.

رَابِعُهَا: شَهَادَةُ عَدْلٍ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْل مِنْ غَيْرِ إِقْرَارِ الْمَقْتُول فَإِنَّهَا تَكُونُ لَوْثًا وَشَهَادَةُ غَيْرِ الْعَدْل لاَ تَكُونُ لَوْثًا، وَالْمَرْأَتَانِ كَالْعَدْل فِي هَذَا وَفِي سَائِرِ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فِيهِ لَوْثًا.

خَامِسُهَا: إِنَّ الْعَدْل إِذَا رَأَى الْمَقْتُول يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالشَّخْصُ الْمُتَّهَمُ بِالْقَتْل قَرِيبٌ مِنْ مَكَانِ الْمَقْتُول وَعَلَى الْمُتَّهَمِ آثَارُ الْقَتْل بِأَنْ كَانَتِ الآْلَةُ بِيَدِهِ وَهِيَ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ أَوْ خَارِجًا مِنْ مَكَانِ الْمَقْتُول وَلاَ يُوجَدُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَشَهِدَ الْعَدْل بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا يَحْلِفُ الأَْوْلِيَاءُ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ.

وَلَيْسَ مِنَ اللَّوْثِ وُجُودُ الْمَقْتُول بَقَرِيَّةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ، لأَِنَّهُ لَوْ أُخِذَ بِذَلِكَ لَمْ يَشَأْ رَجُلٌ أَنْ يُلَطِّخَ قَوْمًا بِذَلِكَ إِلاَّ فَعَل، وَلأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ

مَنْ قَتَلَهُ لاَ يَدَعُهُ فِي مَكَانٍ يُتَّهَمُ هُوَ بِهِ (١) .

وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي اللَّوْثِ الْمُشْتَرَطِ فِي الْقَسَامَةِ وَرُوِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ.

وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ - وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ - أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ كَنَحْوِ مَا كَانَ بَيْنَ الأَْنْصَارِ وَأَهْل خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِل الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ، وَمَا بَيْنَ الشُّرَطِ وَاللُّصُوصِ، وَكُل مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْتُول ضَغَنٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ قَتْلُهُ.

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ اللَّوْثَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: الْعَدَاوَةُ الْمَذْكُورَةُ.

الثَّانِي: أَنْ يَتَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ لاَ يُوجَدُ بِقُرْبِهِ إِلاَّ رَجُلٌ مَعَهُ سَيْفٌ أَوْ سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، وَلاَ يُوجَدُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَتَلَهُ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَقْتَتِل فِئَتَانِ فَيَفْتَرِقُونَ عَنْ قَتِيلٍ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَاللَّوْثُ عَلَى الأُْخْرَى.

الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ جَمَاعَةٌ بِالْقَتْل مِمَّنْ لاَ يَثْبُتُ الْقَتْل بِشَهَادَتِهِمْ. وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَابْنُ رَزِينٍ وَتَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ.

قَال الْمَرْدَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ

_________

(١) الخرشي ٨ / ٥٠ - ٥٤، وحاشية الصاوي مع الشرح الصغير ٤ / ٤٠٧ - ٤٠٨، والزرقاني ٨ / ٥٤.

الظَّاهِرَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْقَتْل غَيْرُ الْعَدُوِّ، وَلاَ أَنْ يَكُونَ بِالْقَتِيل أَثَرُ الْقَتْل كَدَمٍ فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، وَقَوْل الْقَتِيل: قَتَلَنِي فُلاَنٌ لَيْسَ بِلَوْثٍ عِنْدَهُمْ (١) .

مُسْقِطَاتُ اللَّوْثِ

٥ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَال الْبَالِغُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الذَّكَرُ أَوِ الأُْنْثَى: قَتَلَنِي فُلاَنٌ ثُمَّ قَال بَل فُلاَنٌ بَطَل الدَّمُ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَال هَذَا الْبَالِغُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ: قَتَلَنِي فُلاَنٌ لاَ يُقْبَل إِلاَّ إِذَا كَانَ فِيهِ جُرْجٌ أَوْ أَثَرُ الضَّرْبِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُول إِذَا خَالَفُوا قَوْلَهُ، بِأَنْ قَال: قَتَلَنِي فُلاَنٌ عَمْدًا فَقَالُوا: بَل قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لاَ قَسَامَةَ لَهُمْ وَبَطَل حَقُّهُمْ.

وَلَوِ اخْتَلَفَ الأَْوْلِيَاءُ، فَقَال بَعْضُهُمْ: قَتَلَهُ عَمْدًا، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ نَعْلَمُ هَل قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، أَوْ قَالُوا كُلُّهُمْ: قَتَلَهُ عَمْدًا وَنَكَلُوا عَنِ الْقَسَامَةِ فَإِنَّ الدَّمَ يَبْطُل وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَبِنْتٍ وَعَصَبَةٍ، بِأَنِ ادَّعَى الْعَصَبَةُ الْعَمْدَ وَالْبِنْتُ الْخَطَأَ فَهُوَ هَدَرٌ وَلاَ قَسَامَةَ وَلاَ قَوَدَ وَلاَ دِيَةَ (٢) .

_________

(١) كشاف القناع ٦ / ٦٨ وما بعدها، والإنصاف ١٠ / ١٣٩، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٨ وما بعدها.

(٢) الخرشي ٨ / ٥١ - ٥٤.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: قَدْ يُعَارِضُ الْقَرِينَةَ مَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا لَوْثًا، وَقَدْ يُعَارِضُ اللَّوْثَ مَا يُسْقِطُ أَثَرَهُ وَيُبْطِل الظَّنَّ الْحَاصِل بِهِ، وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ.

أَحَدُهَا: أَنْ يُتَعَذَّرَ إِثْبَاتُ اللَّوْثِ فَإِذَا ظَهَرَ لَوْثٌ فِي حَقِّ جَمَاعَةٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ وَيُقْسِمُ، فَلَوْ قَال: الْقَاتِل أَحَدُهُمْ وَلاَ أَعْرِفُهُ فَلاَ قَسَامَةَ، وَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ فَإِنْ حَلَفُوا إِلاَّ وَاحِدًا فَنُكُولُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ الْقَاتِل وَيَكُونُ لَوْثًا فِي حَقِّهِ، فَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ مُكِّنَ مِنْهُ، وَلَوْ نَكَل الْجَمِيعُ ثُمَّ عَيَّنَ الْوَلِيُّ أَحَدَهُمْ وَقَال: قَدْ بَانَ لِي أَنَّهُ الْقَاتِل، وَأَرَادَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ مُكِّنَ مِنْهُ عَلَى الأَْصَحِّ (١) .

الثَّانِي: قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا ظَهَرَ لَوْثٌ فِي أَصْل الْقَتْل دُونَ كَوْنِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَهَل يَتَمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنَ الْقَسَامَةِ عَلَى أَصْل الْقَتْل؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لاَ.

قَال الْبَغَوِيُّ: لَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَل أَبَاهُ وَلَمْ يَقُل عَمْدًا وَلاَ خَطَأً وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَوْثًا، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لاَ يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِهِ لأَِنَّهُ لاَ يَعْلَمُ صِفَةَ الْقَتْل حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مُوجِبَهُ (٢) .

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ١٢.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ١٣، ومغني المحتاج ٤ / ١١٣ - ١١٤.

الثَّالِثُ: أَنْ يُنْكِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ كَأَنْ يَقُول: لَمْ أَكُنْ مَعَ الْقَوْمِ الْمُتَفَرِّقِينَ عَنِ الْقَتِيل، أَوْ لَسْتُ أَنَا الَّذِي رُئِيَ مَعَهُ السِّكِّينُ الْمُتَلَطِّخُ بِالدَّمِ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ لَسْتُ أَنَا الْمَرْئِيِّ مِنْ بَعِيدٍ، فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ عَلَى الأَْمَارَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى نَفْيِهَا وَسَقَطَ اللَّوْثُ وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الدَّعْوَى.

وَلَوْ قَال: كُنْتُ غَائِبًا يَوْمَ الْقَتْل أَوِ ادَّعَى عَلَى جَمْعٍ، فَقَال أَحَدُهُمْ: كُنْتُ غَائِبًا يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنَ الْقَتْل، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى حُضُورِهِ يَوْمَئِذٍ أَوْ إِقْرَارُهُ بِالْحُضُورِ يَوْمَئِذٍ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِغَيْبَتِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: فَفِي الْوَسِيطِ تَتَسَاقَطَانِ وَفِي التَّهْذِيبِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْغَيْبَةِ، لأَِنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، هَذَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَاضِرًا مِنْ قَبْل، وَلَوْ أَقَسَمَ الْمُدَّعِي وَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجَبِ الْقَسَامَةِ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى غَيْبَتِهِ يَوْمَ الْقَتْل أَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعِي نُقِضَ الْحُكْمُ وَاسْتَرَدَّ الْمَال (١)، كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِل غَيْرُهُ (٢) .

الرَّابِعُ: تَكْذِيبُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بَعْضَهُمْ، فَإِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ ابْنَانِ فَقَال أَحَدُهُمَا: قَتَل زَيْدٌ أَبَانَا وَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ اللَّوْثُ، وَقَال الآْخَرُ: لَمْ

_________

(١) المصدر السابق.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ١٤.

يَقْتُلْهُ زَيْدٌ بَل كَانَ غَائِبًا يَوْمَ الْقَتْل وَإِنَّمَا قَتَلَهُ فُلاَنٌ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الْقَتْل عَنْ زَيْدٍ، أَوْ قَال: بَرَأَ أَبِي مِنَ الْجِرَاحَةِ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ بَطَل اللَّوْثُ، فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُكَذِّبُ عَدْلًا أَمْ فَاسِقًا فِي الأَْصَحِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ (١) .

الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ عَدْلٌ أَوْ عَدْلاَنِ أَنَّ زَيْدًا قَتَل أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ فَلاَ تُقْبَل هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَلاَ يَكُونُ هَذَا لَوْثًا، وَلَوْ شَهِدَ أَوْ شَهِدَا أَنَّ زَيْدًا قَتَلَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ ثَبَتَ اللَّوْثُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِذَا عَيَّنَ الْوَلِيُّ أَحَدَهُمَا وَادَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ، وَقِيل: لاَ لَوْثَ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَذَّبَ بَعْضُ الأَْوْلِيَاءِ بَعْضًا فَقَال أَحَدُهُمْ: قَتَلَهُ هَذَا وَقَال آخَرُ: لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا، أَوْ بَل قَتَلَهُ هَذَا لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ، عَدْلًا كَانَ الْمُكَذِّبُ أَوْ فَاسِقًا لِعَدَمِ التَّعْيِينِ، فَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ وَلَمْ يُوَافِقْهُ فِي الدَّعْوَى، مِثْل: إِنْ قَال أَحَدُهُمْ: قَتَلَهُ هَذَا، وَقَال الآْخَرُ: لاَ نَعْلَمُ قَاتِلَهُ لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ غَائِبًا فَادَّعَى الْحَاضِرُ دُونَ الْغَائِبِ، أَوِ ادَّعَيَا جَمِيعًا عَلَى وَاحِدٍ وَنَكَل أَحَدُهُمَا عَنِ الأَْيْمَانِ لَمْ يَثْبُتِ الْقَتْل.

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ١٤ - ١٥.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ١٤.

وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْل فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُول لاَ يُمْكِنُهُ مَجِيئُهُ إِلَيْهِ بَطَلَتِ الدَّعْوَى (١) .

لَوْمٌ

انْظُرْ: تَعْزِيرٌ

_________

(١) كشاف القناع ٦ / ٧١ - ٧٢.

لَوْنٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللَّوْنُ فِي اللُّغَةِ: هَيْئَةٌ كَالسَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ، وَلَوَّنْتُهُ فَتَلَوَّنَ، وَالأَْلْوَانُ: الضُّرُوبُ، وَاللَّوْنُ: النَّوْعُ، وَفُلاَنٌ مُتَلَوِّنٌ: إِذَا كَانَ لاَ يَثْبُتُ عَلَى خُلُقٍ وَاحِدٍ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ اللَّوْنَ صِفَةً لِلشَّيْءِ فَيَقُولُونَ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ بَيَانُ صِفَاتِهِ فَيُشْتَرَطُ بَيَانُ اللَّوْنِ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ كَالْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ (٢) .

الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاللَّوْنِ:

يَتَعَلَّقُ بِاللَّوْنِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:

أَثَرُ تَغَيُّرِ لَوْنِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ بِنَجَسٍ كَدَمٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِسًا، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيل

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المهذب ١ / ٣٠٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٦.