الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 68

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

مُحَرَّمٌ، لَكِنِ اللِّوَاطُ وَطْءٌ فِي الدُّبُرِ، وَالزِّنَا وَطْءٌ فِي الْقُبُل.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللِّوَاطَ مُحَرَّمٌ لأَِنَّهُ مِنْ أَغْلَظِ الْفَوَاحِشِ (١) .

وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَعَابَ عَلَى فِعْلِهِ فَقَال تَعَالَى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَل أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (٣) .

وَقَدْ ذَمَّهُ الرَّسُول ﷺ بِقَوْلِهِ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ (٤) .

عُقُوبَةُ اللاَّئِطِ

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ عُقُوبَةَ

_________

(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٤ / ١٢٤، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢ / ٢٣٨، والأم ٧ / ١٨٣، والمبسوط ٩ / ٧٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ١٨٧، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٦ / ٩٤، والكافي لابن عبد البر ٢ / ١٠٧٣.

(٢) سورة الأعراف / ٨٠ - ٨١.

(٣) سورة الشعراء / ١٦٥ - ١٦٦.

(٤) حديث: " لعن الله من عمل عمل قوم لوط. . . ". أخرجه أحمد (١ / ٣٠٩) والحاكم (٤ / ٣٥٦) من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

اللاَّئِطِ هِيَ عُقُوبَةُ الزَّانِي، فَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ وَيُجْلَدُ غَيْرُهُ وَيُغَرَّبُ لأَِنَّهُ زِنًا بِدَلِيل قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ (١)، وَقَال تَعَالَى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ (٢)، وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا أَتَى الرَّجُل الرَّجُل فَهُمَا زَانِيَانِ (٣) .

٥ - هَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَلِمُخَالِفِيهِمْ فِي هَذَا الْحُكْمِ تَفْصِيلٌ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ لِوَطْءِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي غَيْرِ قُبُلِهَا وَلاَ بِاللِّوَاطَةِ بَل يُعَزَّرُ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: اللِّوَاطُ كَالزِّنَا فَيُحَدُّ جَلْدًا إِنْ لَمْ يَكُنْ أُحْصِنَ وَرَجْمًا إِنْ أُحْصِنَ.

وَمَنْ تَكَرَّرَ اللِّوَاطُ مِنْهُ يُقْتَل عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) .

وَمَنْ فَعَل اللِّوَاطَ فِي عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ مَنْكُوحَتِهِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ لاِرْتِكَابِهِ الْمَحْظُورَ (٥) .

_________

(١) سورة الإسراء / ٣٢.

(٢) سورة الأعراف / ٨٠.

(٣) حديث: " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ". أخرجه البيهقي (٨ / ٢٣٣) وقال: " هو منكر بهذا الإسناد "، وذكر ابن حجر في التلخيص (٤ / ٥٥) أن في إسناده روايًا متهمًا بالكذب.

(٤) فتح القدير مع الهداية ٤ / ١٥٠، والزيلعي ٣ / ١٨٠، وحاشية ابن عابدين ٣ / ١٥٥.

(٥) الزيلعي ٣ / ١٨١.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ فَعَل فِعْل قَوْمِ لُوطٍ رُجِمَ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ، سَوَاءٌ كَانَا مُحْصَنَيْنِ أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ فِيهِمَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِْسْلاَمُ وَلاَ الْحُرِّيَّةُ. وَأَمَّا إِتْيَانُ الرَّجُل حَلِيلَتَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ فَلاَ حَدَّ بَل يُؤَدَّبُ (١) .

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ بِاللِّوَاطِ حَدُّ الزِّنَا، وَفِي قَوْلٍ يُقْتَل الْفَاعِل مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ (٢) .

وَقِيل: إِنَّ وَاجِبَهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ كَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ.

وَشَمَل ذَلِكَ دُبُرَ عَبْدِهِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ هَذَا حُكْمُ الْفَاعِل.

وَأَمَّا الْمَفْعُول بِهِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُكْرَهًا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا جُلِدَ وَغُرِّبَ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمِ امْرَأَةً لأَِنَّ الْمَحَل لاَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الإِْحْصَانُ، وَقِيل تُرْجَمُ الْمَرْأَةُ الْمُحْصَنَةُ.

وَأَمَّا وَطْءُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فِي دُبْرِهَا فَالْمَذْهَبُ

_________

(١) القوانين الفقهية ٣ / ٢٣٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣١٤.

(٢) حديث: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥٧) والحاكم (٤ / ٣٥٥) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

أَنَّ وَاجِبَهُ التَّعْزِيرُ إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِعْل، فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَلاَ تَعْزِيرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَالزَّوْجَةُ وَالأَْمَةُ فِي التَّعْزِيرِ مِثْلُهُ سَوَاءً (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حَدَّ اللِّوَاطِ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ كَزَانٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ السَّابِقِ، وَلأَِنَّهُ فَرْجٌ مَقْصُودٌ بِالاِسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ فِيهِ الْحَدُّ كَفَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اللِّوَاطُ فِي مَمْلُوكِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ لأَِنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْوَطْءِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ مِلْكُهُ لَهُ، أَوْ فِي دُبُرِ أَجْنَبِيَّةٍ لأَِنَّهُ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ كَالْقُبُل، فَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا أَوْ وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَلاَ حَدَّ فِيهِ لأَِنَّهَا مَحَلٌّ لِلْوَطْءِ فِي الْجُمْلَةِ بَل يُعَزَّرُ لاِرْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ (٢) .

مَا يَثْبُتُ بِهِ اللِّوَاطُ

٦ - يَثْبُتُ اللِّوَاطُ بِالإِْقْرَارِ أَوِ الشَّهَادَةِ.

وَأَمَّا عَدَدُ الشُّهُودِ، فَقَدْ قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ بِعَدَدِ شُهُودِ الزِّنَا أَيْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ (٣) .

الْقَذْفُ بِاللِّوَاطِ

٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَال رَجُلٌ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ١٤٤.

(٢) كشاف القناع ٦ / ٩٤، والإنصاف ٠١ / ١٧٦.

(٣) الكافي لابن عبد البر ٢ / ١٠٧٣، والمدونة الكبرى ٤ / ٣٨٠، والدرر السنية ٤ / ٤٤٩، والمبسوط ١٦ / ١١٤، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢ / ٢٣٨، والأم ٧ / ١٨٣.

لِرَجُلٍ: إِنَّهُ عَمِل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ قَذْفًا، وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلِحِ (قَذْفٌ ف ١١) .

_________

(١) المبسوط ٩ / ١٠٢، والمدونة الكبرى ٤ / ٣٨٠، والمهذب ٢ / ٢٧٤.

لَوْثٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللَّوْثُ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فِي اللُّغَةِ: الْقُوَّةُ وَالشَّرُّ، وَاللَّوْثُ: الضَّعْفُ.

وَاللَّوْثُ: شِبْهُ الدَّلاَلَةِ عَلَى حَدَثٍ مِنَ الأَْحْدَاثِ، وَلاَ يَكُونُ بَيِّنَةً تَامَّةً يُقَال: لَمْ يَقُمْ عَلَى اتِّهَامِ فُلاَنٍ بِالْجِنَايَةِ إِلاَّ لَوْثٌ.

وَاللَّوْثُ: الْجِرَاحَاتُ وَالْمُطَالَبَاتُ بِالأَْحْقَادِ، وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصَدْقِ الْمُدَّعِي (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التُّهْمَةُ:

٢ - التُّهْمَةُ فِي اللُّغَةِ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَهِيَ فِي الأَْصْل مِنَ الْوَهْمِ.

وَالتُّهْمَةُ هِيَ الْخَصْلَةُ مِنَ الْمَكْرُوهِ تُظَنُّ بِالإِْنْسَانِ أَوْ تُقَال فِيهِ، يُقَال: وَقَعَتْ عَلَى

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والفواكه الدواني ٢ / ٢٤٧.

فُلاَنٍ تُهْمَةٌ: إِذَا ذُكِرَ بِخَصْلَةٍ مَكْرُوهَةٍ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ اللَّوْثَ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ (٢) وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَْنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ قَتْل يَهُودِ خَيْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ ﵁، فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِل وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ (٣)، فَأَتَى يَهُودَ فَقَال: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَل حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَل هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لِمُحَيِّصَةَ كَبِّرْ كَبِّرْ (يُرِيدُ السِّنَّ) فَتَكَلَّمَ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والفروق اللغوية ص٨٠.

(٢) المبسوط ٢٦ / ١٠٦ - ١٠٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٤، ورياض الصالحين ص١٩٠ ط. مؤسسة الرسالة، وكفاية الأخيار ٢ / ١٧٦.

(٣) الفقير هنا: البئر القريبة القعر الواسعة الفم، وقيل: هو الحفيرة التي تكون حول النخل.

حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ قَال: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (١) .

٤ - وَلَكِنَّ اللَّوْثَ لَهُ صُوَرٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِهَا:

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: اللَّوْثُ قَرِينَةٌ تُثِيرُ الظَّنَّ وَتُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صَدْقَ الْمُدَّعِي وَلَهُ طُرُقٌ مِنْهَا.

الأَْوَّل: أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ أَوْ بَعْضُهُ الَّذِي يُحَقِّقُ مَوْتَهُ كَرَأْسِهِ فِي قَبِيلَةٍ أَوْ فِي حِصْنٍ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ، أَوْ فِي مَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْبَلَدِ الْكَبِيرِ وَبَيْنَ الْقَتِيل أَوْ قَبِيلَةِ الْقَتِيل وَبَيْنَ أَهْلِهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ تَبْعَثُ عَلَى الاِنْتِقَامِ بِالْقَتْل، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْعَدَاوَةُ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً، بِشَرْطِ أَنْ

_________

(١) حديث سهل بن أبي حثمة. أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٢٩ - ٢٣٠) ومسلم (٤ / ١٢٩٤ - ١٢٩٥)، واللفظ لمسلم.

لاَ يُعْرَفَ لَهُ قَاتِلٌ وَلاَ بَيِّنَةٌ بِقَتْلِهِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يُسَاكِنَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَقِيل: وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْقَرْيَةُ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَطْرُقُهَا التُّجَّارُ وَالْمُجْتَازُونَ وَغَيْرُهُمْ فَلاَ لَوْثَ، لاِحْتِمَال أَنَّ الْغَيْرَ قَتَلَهُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ لاَ تُعْلَمُ صَدَاقَتُهُ لِلْقَتِيل، وَلَيْسَ مِنْ أَهْل الْقَتِيل.

قَال النَّوَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لَكِنِ الْمُصَنِّفُ - أَيِ النَّوَوِيُّ - فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ حَكَى الأَْوَّل - أَيِ اشْتِرَاطَ أَنْ لاَ يُخَالِطَهُمْ غَيْرُهُمْ - عَنِ الشَّافِعِيِّ وَصَوَّبَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَقَال الْبُلْقِينِيُّ: إِنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ.

الثَّانِي: أَنْ تَتَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ فِي دَارٍ دَخَلَهَا عَلَيْهِمْ ضَيْفًا أَوْ دَخَل مَعَهُمْ لِحَاجَةٍ أَوْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ صَحْرَاءَ، وَكَذَا لَوِ ازْدَحَمَ قَوْمٌ عَلَى بِئْرٍ، أَوْ بَابِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، أَوْ فِي الطَّوَافِ أَوْ فِي مَضِيقٍ ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ، لِقُوَّةِ الظَّنِّ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ بِحَيْثُ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْقَتِيل.

الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَابَل صَفَّانِ لِقِتَالٍ فَيَقْتَتِلاَ فَيَنْكَشِفُوا عَنْ قَتِيلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا طَرِيٍّ - كَمَا قَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - فَإِنِ الْتَحَمَ قِتَالٌ مِنْ

بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أَوْ وَصَل سِلاَحُ أَحَدِهِمَا إِلَى الآْخَرِ رَمْيًا أَوْ طَعْنًا أَوْ ضَرْبًا، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَى الآْخَرِ، فَهُوَ لَوْثٌ فِي حَقِّ أَهْل الصَّفِّ الآْخَرِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَهْل صَفِّهِ لاَ يَقْتُلُونَهُ سَوَاءٌ أَوُجِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَمْ فِي صَفِّ نَفْسِهِ، أَمْ فِي صَفِّ خَصْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ قِتَالٌ بَيْنَهُمَا وَلاَ وَصَل سِلاَحُ أَحَدِهِمَا إِلَى الآْخَرِ فَهُوَ لَوْثٌ فِي حَقِّ أَهْل صَفِّهِ أَيِ الْقَتِيل، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ.

الرَّابِعُ: أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي صَحْرَاءَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مَعَهُ سِلاَحٌ مُتَلَطِّخٌ بِدَمٍ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَثَرُ دَمٍ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تُعَارِضُهُ كَأَنْ وُجِدَ بِقُرْبِ الْقَتِيل سَبُعٌ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ مُوَلٍّ ظَهْرَهُ أَوْ وُجِدَ أَثَرُ قَدَمٍ أَوْ تَرْشِيشُ دَمٍ فِي غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا صَاحِبُ السِّلاَحِ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ فِي حَقِّهِ، أَيْ صَاحِبِ السِّلاَحِ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَلَوْ رَأَيْنَا مِنْ بُعْدٍ رَجُلًا يُحَرِّكُ يَدَهُ كَمَا يَفْعَل مِنْ يَضْرِبُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ ثُمَّ وَجَدْنَا فِي الْمَوْضِعِ قَتِيلًا فَهُوَ لَوْثٌ فِي حَقِّ ذَلِكَ الرَّجُل.

الْخَامِسُ: أَنْ يَشْهَدَ عَدْلٌ بِأَنَّ زَيْدًا قَتَل فُلاَنًا فَهُوَ لَوْثٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الدَّعْوَى أَوْ تَأَخَّرَتْ لِحُصُول الظَّنِّ بِصَدْقِهِ.

قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: إِنَّمَا تَكُونُ شَهَادَةُ