الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
إِنْ أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا مِنَ الْمَضْغِ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ فَفِيهَا دِيَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ نَفْعُهَا فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي.
أَمَّا إِنِ اصْفَرَّتِ السِّنُّ أَوِ احْمَرَّتْ لَمْ تَكْتَمِل دِيَتُهَا، لأَِنَّهُ لَمْ يَذْهَبِ الْجَمَال عَلَى الْكَمَال وَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَإِنِ اخْضَرَّتِ احْتَمَل أَنْ يَكُونَ كَتَسْوِيدِهَا لأَِنَّهُ يَذْهَبُ بِجَمَالِهَا، وَاحْتَمَل أَنْ لاَ يَجِبَ فِيهَا إِلاَّ حُكُومَةٌ، لأَِنَّ ذَهَابَ جَمَالِهَا بِتَسْوِيدِهَا أَكْثَرُ فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ حَمَّرَهَا (١) .
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: مَنْ جَنَى عَلَى سِنٍّ صَغِيرٍ فَقَلَعَهُ وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ عَادَ أَسْوَدَ وَاسْتَمَرَّ أَسْوَدَ، أَوْ عَادَ أَبْيَضَ ثُمَّ اسْوَدَّ بِلاَ عِلَّةٍ فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِْبِل، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنْ عَادَ السِّنُّ أَبْيَضَ ثُمَّ اسْوَدَّ لِعِلَّةٍ فَفِيهَا حُكُومَةٌ لأَِنَّهَا أَرْشُ كُل مَا لاَ مُقَدَّرَ فِيهِ (٢) .
وَمَنْ ضَرَبَ وَجْهَ إِنْسَانٍ فَاسْوَدَّ الْوَجْهُ وَلَمْ يَزُل سَوَادُهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ، لأَِنَّهُ فَوَّتَ الْجَمَال عَلَى الْكَمَال فَضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ كَقَطْعِ أُذُنِ الأَْصَمِّ، وَإِنْ زَال السَّوَادُ يَرُدُّ مَا أَخَذَهُ لِزَوَال سَبَبِ الضَّمَانِ، وَإِنْ زَال بَعْضُهُ وَجَبَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ وَرَدَّ الْبَاقِيَ.
_________
(١) المغني ٨ / ٢٧ ط الرياض.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٣١٥، ٣١٦.
وَإِنْ صَارَ الْوَجْهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ كَمَا لَوْ سَوَّدَ بَعْضَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُذْهِبِ الْجَمَال عَلَى الْكَمَال (١) .
أَثَرُ اللَّوْنِ فِي ضَمَانِ الْمَغْصُوبِ
- تَلْوِينُ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ بِلَوْنٍ مِنْ عِنْدِهِ:
١ - لَوْ غَيَّرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ فَلَوَّنَهُ بِلَوْنٍ غَيْرِ لَوْنِهِ الأَْصْلِيِّ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ بَيَانُهُ مَا يَلِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) إِلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ مِنْ إِنْسَانٍ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ الْغَاصِبُ بِصَبْغِ نَفْسِهِ بِأَيِّ لَوْنٍ كَانَ، أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ بِالْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَْلْوَانِ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ مِنَ الْغَاصِبِ، لأَِنَّ الثَّوْبَ مِلْكُهُ لِبَقَاءِ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ، وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ فَيُعْطِيهِ لِلْغَاصِبِ، لأَِنَّ لِلْغَاصِبِ عَيْنَ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ فَلاَ سَبِيل إِلَى إِبْطَال مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ فَكَانَ الأَْخْذُ بِضَمَانِهِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ.
وَإِنْ شَاءَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَرَكَ الثَّوْبَ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ يَوْمَ الْغَصْبِ لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى جَبْرِهِ عَلَى أَخْذِ
_________
(١) المغني ٨ / ٦٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣١٨.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٦٠ - ١٦١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٥١.
الثَّوْبِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ إِلاَّ بِضَمَانٍ، وَهُوَ قِيمَةُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى جَبْرِهِ عَلَى الضَّمَانِ لاِنْعِدَامِ مُبَاشَرَةِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْهُ.
وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ بِصَبْغِهِ فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ فِي أَخْذِهِ مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ، أَوْ أَخْذِ قِيمَةِ الثَّوْبِ يَوْمَ غَصْبِهِ.
وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الأَْلْوَانِ، فَوَافَقَ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا فِيمَا لَوْ كَانَ الْغَاصِبُ صَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَمَّا لَوْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: صَاحِبُ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ تَرَكَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ النُّقْصَانَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّوَادَ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ، قِيل: إِنَّ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ خِيَارًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ لَهُ تَرْكَ الثَّوْبِ عَلَى حَالِهِ وَكَانَ الصَّبْغُ فِيهِ لِلْغَاصِبِ فَيُبَاعُ الثَّوْبُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، لأَِنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَذِّرٌ فَصَارَا شَرِيكَيْنِ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا: لَوْ غَصَبَ عُصْفُرًا وَثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَصَبَغَهُ أَيِ الثَّوْبَ بِهِ فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَأْخُذُ الثَّوْبَ مَصْبُوغًا وَيُبْرِئُ الْغَاصِبَ مِنَ الضَّمَانِ فِي الْعُصْفُرِ وَالثَّوْبِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٦١.
اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ وَاحِدٌ، وَلأَِنَّ خَلْطَ مَال الإِْنْسَانِ بِمَالِهِ لاَ يُعَدُّ اسْتِهْلاَكًا لَهُ بَل يَكُونُ نُقْصَانًا، فَإِذَا اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ فَقَدْ أَبْرَأَهُ عَنِ النُّقْصَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ عُصْفُرًا مِثْلَهُ، ثُمَّ يَصِيرُ كَأَنَّهُ صَبَغَ ثَوْبَهُ بِعُصْفُرِ نَفْسِهِ، فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ (١) .
وَقَالُوا كَذَلِكَ: لَوْ غَصَبَ مِنْ إِنْسَانٍ ثَوْبًا وَمَنْ إِنْسَانٍ صِبْغًا فَصَبَغَهُ بِهِ: فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ لِصَاحِبِ الصِّبْغِ صِبْغًا مِثْل صِبْغِهِ، وَيُصْبِحُ مَالِكًا لِلصِّبْغِ بِالضَّمَانِ، وَصَاحِبُ الثَّوْبِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ مِنَ الْغَاصِبِ وَأَعْطَاهُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الثَّوْبَ عَلَى الْغَاصِبِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَقِيل يُبَاعُ الثَّوْبُ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ صَبَغَ الْغَاصِبُ الثَّوْبَ بِصَبْغِهِ وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ مِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَنْعَقِدِ الصَّبْغُ بِهِ أُجْبِرَ عَلَى الْفَصْل وَإِنْ خَسِرَ كَثِيرًا أَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الصَّبْغِ بِالْفَصْل فِي الأَْصَحِّ كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، وَلَهُ الْفَصْل قَهْرًا عَلَى الْمَالِكِ وَإِنْ نَقَصَ الثَّوْبُ بِهِ لأَِنَّهُ يَغْرَمُ أَرْشَ النَّقْصِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُل بِهِ نَقْصٌ فَكَالتَّزْوِيقِ فَلاَ يَسْتَقِل
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٦٢.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٦١ - ١٦٢.
الْغَاصِبُ بِفَصْلِهِ وَلاَ يُجْبِرُهُ الْمَالِكُ عَلَيْهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ، لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْغَاصِبِ لأَِنَّهُ يَضِيعُ بِفَصْلِهِ.
وَخَرَجَ بِصَبْغِهِ صَبْغُ الْمَالِكِ فَالزِّيَادَةُ كُلُّهَا لَهُ وَالنَّقْصُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَيَمْتَنِعُ فَصْلُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ وَلَهُ إِجْبَارُهُ عَلَيْهِ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ، وَصَبْغُ مَغْصُوبٍ مِنْ آخَرِ فَلِكُلٍّ مِنْ مَالِكَيِ الثَّوْبِ وَالصِّبْغِ تَكْلِيفُهُ فَصْلًا أَمْكَنَ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَهُمَا فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَمَا فِي قَوْلِهِ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَصْلُهُ لِتَعَقُّدِهِ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ وَلَمْ تَنْقُصْ بِأَنْ كَانَ يُسَاوِي عَشَرَةً قَبْلَهُ وَسَاوَاهَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ الصِّبْغَ قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ لاَ لاِنْخِفَاضِ سُوقِ الثِّيَابِ بَل لأَِجْل الصِّبْغِ فَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ وَلاَ عَلَيْهِ، إِذْ غَصْبُهُ كَالْمَعْدُومِ حِينَئِذٍ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِأَنْ صَارَ يُسَاوِي خَمْسَةً لَزِمَهُ الأَْرْشُ لِحُصُول النَّقْصِ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ بِسَبَبِ الْعَمَل وَالصَّبْغِ اشْتَرَكَا فِي الثَّوْبِ هَذَا بِصَبْغِهِ وَهَذَا بِثَوْبِهِ أَثَلاَثًا، ثُلُثَاهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَثُلُثٌ لِلْغَاصِبِ، أَمَّا إِذَا زَادَ سِعْرُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ بِارْتِفَاعِهِ فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ قِيمَتَهَا كَأَنْ سَاوَى اثْنَيْ عَشَرَ، فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ انْخِفَاضِ سِعْرِ الثِّيَابِ فَهُوَ عَلَى الثَّوْبِ، أَوْ سِعْرِ الصِّبْغِ أَوْ
بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ فَعَلَى الصِّبْغِ، قَالَهُ فِي الشَّامِل وَالتَّتِمَّةِ، وَبِهَذَا أَيِ اخْتِصَاصِ الزِّيَادَةِ عَنِ ارْتِفَاعِ سِعْرِ مِلْكِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى اشْتَرَاكِهِمَا كَوْنُهُ عَلَى وَجْهِ الشُّيُوعِ بَل هَذَا بِثَوْبِهِ وَهَذَا بِصِبْغِهِ.
وَلَوْ بَذَل صَاحِبُ الثَّوْبِ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ لِيَتَمَلَّكَهُ لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ أَمْكَنَ فَصْلُهُ أَمْ لاَ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الاِنْفِرَادَ بِبَيْعِ مِلْكِهِ لِثَالِثٍ لَمْ يَصِحَّ، إِذْ لاَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَحْدَهُ كَبَيْعِ دَارٍ لاَ مَمَرَّ لَهَا، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ بَيْعَ الثَّوْبِ لَزِمَ الْغَاصِبَ بَيْعُ صِبْغِهِ مَعَهُ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضُرَّ بِالْمَالِكِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَرَادَ الْغَاصِبُ بَيْعَ صِبْغِهِ لاَ يَلْزَمُ مَالِكَ الثَّوْبِ بَيْعُهُ مَعَهُ لِئَلاَّ يَسْتَحِقَّ الْمُتَعَدِّي بِتَعَدِّيهِ إِزَالَةَ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ طَيَّرَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا إِلَى مَصْبَغَةِ آخَرَ فَانْصَبَغَ فِيهَا اشْتَرَكَا فِي الْمَصْبُوغِ وَلَمْ يُكَلَّفْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ وَلاَ الْفَصْل وَلاَ الأَْرْشَ وَإِنْ حَصَل نَقْصٌ إِذْ لاَ تَعَدِّيَ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ الْغَاصِبُ بِصِبْغِهِ فَنَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ وَالصِّبْغِ أَوْ نَقَصَ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ النَّقْصَ لأَِنَّهُ حَصَل بِتَعَدِّيهِ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنْ
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ١٨٢.
لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُمَا وَلَمْ تَزِدْ أَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُمَا فَهُمَا أَيْ رَبُّ الثَّوْبِ وَالصِّبْغِ شَرِيكَانِ فِي الثَّوْبِ وَصِبْغُهُ بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، فَيُبَاعُ ذَلِكَ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ صِبْغٍ فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ يَخْتَصُّ بِهَا، لأَِنَّ الزِّيَادَةَ تَبَعٌ لِلأَْصْل، هَذَا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ لِغُلُوِّ سِعْرٍ، فَإِنْ حَصَلَتِ الزِّيَادَةُ بِالْعَمَل فَهِيَ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّ مَا عَمِلَهُ الْغَاصِبُ فِي الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ لِمَالِكِهَا حَيْثُ كَانَ أَثَرًا، وَزِيَادَةُ مَال الْغَاصِبِ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الثَّوْبِ أَوِ الْغَاصِبُ قَلْعَ الصِّبْغِ مِنَ الثَّوْبِ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ فِيهِ إِتْلاَفًا لِمِلْكِهِ، وَإِنْ أَرَادَ مَالِكُ الثَّوْبِ بَيْعَ الثَّوْبِ فَلَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مَلَكَهُ وَهُوَ عَيْنٌ، وَصِبْغُهُ بَاقٍ لِلْغَاصِبِ، وَلَوْ أَبَى الْغَاصِبُ بَيْعَ الثَّوْبِ فَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ مَالِكُهُ، لأَِنَّهُ لاَ حَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ بَيْعَ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ لَمْ يُجْبَرِ الْمَالِكُ لِحَدِيثِ: إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ (١)، وَإِنْ بَذَل الْغَاصِبُ لِرَبِّ الثَّوْبِ قِيمَتَهُ لِيَمْلِكَهُ، أَوْ بَذَل رَبُّ الثَّوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ لِلْغَاصِبِ لِيَمْلِكَهُ، لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ لأَِنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِتَرَاضِيهِمَا.
وَصَحَّحَ الْحَارِثِيُّ أَنَّ لِمَالِكِ الثَّوْبِ تَمَلُّكَ
_________
(١) حديث: " إنما البيع عن تراض ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٣٧) من حديث أبي سعيد الخدري، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ١٠) .
الصِّبْغِ بِقِيمَتِهِ، لِيَتَخَلَّصَ مِنَ الضَّرَرِ.
وَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الصِّبْغَ لِمَالِكِ الثَّوْبِ لَزِمَ الْمَالِكَ قَبُولُهُ لأَِنَّهُ صَارَ مِنْ صِفَاتِ الْعَيْنِ، فَهُوَ كَزِيَادَةِ الصِّفَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ.
وَإِنْ غَصَبَ صِبْغًا فَصَبَغَ بِهِ الْغَاصِبُ ثَوْبَهُ فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا فِي ذَلِكَ فَيُبَاعُ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْحَقَّيْنِ، لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَصِل كُلٌّ مِنْهُمَا لِحَقِّهِ، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ النَّقْصَ إِنْ وُجِدَ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ إِنْ زَادَ الْمَغْصُوبُ فِي نَظِيرِ عَمَلِهِ لِتَبَرُّعِهِ بِهِ.
وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا مِنْ وَاحِدٍ فَصَبَغَهُ بِهِ رَدَّهُ الْغَاصِبُ وَرَدَّ أَرْشَ نَقْصِهِ إِنْ نَقَصَ لِتَعَدِّيهِ بِهِ وَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَتِهِ بِعَمَلِهِ فِيهِ، لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ اثْنَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الأَْصْل وَالزِّيَادَةِ بِالْقِيمَةِ، وَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ، وَإِنْ نَقَصَ السِّعْرُ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيَابِ أَوِ الصِّبْغِ أَوْ لِنَقْصِ سِعْرِهِمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ، وَنَقْصُ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قَلْعَ الصِّبْغِ لَمْ يُجْبَرِ الآْخَرُ (١) .
أَثَرُ اخْتِلاَفِ اللَّوْنِ فِي ضَمَانِ الأَْجِيرِ
٩ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى صَبَّاغٍ لِيَصْبُغَهُ لَوْنًا مُعَيَّنًا فَصَبَغَهُ لَوْنًا آخَرَ فَصَاحِبُ
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٩٥ - ٩٦.
الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ وَسَلَّمَ الثَّوْبَ لِلأَْجِيرِ وَذَلِكَ لِفَوَاتِ غَرَضِهِ، لأَِنَّ الأَْغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْلْوَانِ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبٍ أَبْيَضَ لِتَفْوِيتِهِ عَلَيْهِ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً، فَصَارَ مُتْلِفًا الثَّوْبَ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَى الأَْجِيرَ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ، لأَِنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ حَقًّا لَهُ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ، وَلاَ أَجْرَ لِلصَّبَّاغِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ رَأْسًا حَيْثُ لَمْ يُوَفِّ الْعَمَل الْمَأْذُونَ فِيهِ أَصْلًا فَلاَ يَسْتَحِقُّ الأَْجْرَ، وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ إِنْ كَانَ الصِّبْغُ مِمَّا يَزِيدُ كَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَنَحْوِهِمَا، لأَِنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَلاَ سَبِيل إِلَى أَخْذِهِ مَجَّانًا بِلاَ عِوَضٍ، فَيَأْخُذُهُ وَيُعْطِيهِ مَا زَادَ الصِّبْغُ فِيهِ رِعَايَةً لِلْحَقَّيْنِ وَنَظَرًا مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الصِّبْغُ مِمَّا لاَ يَزِيدُ كَالسَّوَادِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَهُ قِيمَةٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الأَْلْوَانِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ لاَ قِيمَةَ لَهُ عِنْدَهُ فَلاَ يَزِيدُ بَل يَنْقُصُ، وَعَلَى هَذَا الأَْسَاسِ لَوِ اخْتَارَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَخْذَهُ لاَ يُعْطِيهِ شَيْئًا نَظِيرَ الصِّبْغِ بَل يُضَمِّنُهُ نُقْصَانَ الثَّوْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِذَا أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُحَمِّرَ لَهُ بَيْتًا فَخَضَّرَهُ قَال مُحَمَّدٌ: أُعْطِيهِ مَا زَادَتِ الْخُضْرَةُ فِيهِ وَلاَ أُجْرَةَ
لَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَعْمَل مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ رَأْسًا فَلاَ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ قِيمَةَ الصِّبْغِ الَّذِي زَادَ فِي الْبَيْتِ.
وَإِنْ دَفَعَ إِلَى صَبَّاغٍ ثَوْبًا لِيَصْبُغَهُ بِصِبْغٍ مُسَمًّى فَصَبَغَ بِصِبْغٍ آخَرَ لَكِنَّهُ مِنْ جَنْسِ ذَلِكَ اللَّوْنِ فَصَاحِبُ الثَّوْبِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ وَيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الثَّوْبَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّوْبَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَ مِثْلِهِ لاَ يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى، وَإِنَّمَا وَجَبَ الأَْجْرُ هُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفًا لِمَا سَبَقَ، لأَِنَّ الْخِلاَفَ فِي الصِّفَةِ لاَ يُخْرِجُ الْعَمَل مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ فَقَدْ أَتَى بِأَصْل الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِوَصْفِهِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ دَفَعَ إِلَى صَبَّاغٍ ثَوْبًا لِيَصْبُغَهُ فَصَبَغَهُ لَكِنْ صَاحِبُ الثَّوْبِ ادَّعَى أَنَّهُ طَلَبَ صَبْغَهُ بِلَوْنٍ آخَرَ وَقَال الصَّبَّاغُ: إِنَّهُ اللَّوْنُ الَّذِي طَلَبَهُ مِنْهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَالْقَوْل قَوْل الصَّبَّاغِ إِنْ كَانَ اللَّوْنُ الَّذِي صَبَغَهُ بِهِ يُشْبِهُ مَا يُنَاسِبُ مَالِكَ الثَّوْبِ فِي اسْتِعْمَالِهِ.
وَكُل هَذَا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ تُؤَيِّدُ قَوْل الْمَالِكِ.
وَإِنْ كَانَ قَوْل الصَّبَّاغِ لَمْ يُشْبِهْ مَا يُنَاسَبُ مَالِكَ الثَّوْبِ فِي اسْتِعْمَالِهِ فَإِنَّ رَبَّ الثَّوْبِ يَحْلِفُ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ أُجْرَةِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢١٦.