الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
أَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ كَبَقِيَّةِ الْعُقُودِ الأُْخْرَى يَتِمُّ بِأَيِّ لَفْظٍ يَدُل عَلَى التَّأْبِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ (١)، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ مُشْتَقٍّ مِنْ لَفْظَيِ التَّزْوِيجِ أَوِ الإِْنْكَاحِ، لأَِنَّهُمَا وَرَدَتَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٢» وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣) دُونَ سِوَاهُمَا (٤) .
وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِإِضَافَةِ عَقْدِ السَّلَمِ إِلَى عَقْدِ النِّكَاحِ فِي تَقْيِيدِهِ بِأَلْفَاظٍ خَاصَّةٍ (٥) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صِيغَةٌ ف ٦) .
ثَالِثًا: فِي الشَّهَادَةِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مِنْ لَفْظِ (أَشْهَدُ) فَلاَ يُقْبَل مِثْل قَوْلِهِ: أَعْلَمُ أَوْ أَعْرِفُ أَوْ أَتَيَقَّنُ إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَمْ يَشْتَرِطُوا لَفْظًا مَخْصُوصًا فِي الشَّهَادَةِ، بَل يَكْفِي عِنْدَهُمْ كُل مَا يَدُل عَلَى حُصُول عِلْمِ الشَّاهِدِ بِمَا شَهِدَ (٦) .
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ٣٨٠، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) سورة الأحزاب / ٣٧.
(٣) سورة النساء / ٢٢.
(٤) مغني المحتاج ٣ / ١٤٠، والمغني ٦ / ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٥) المنثور ٢ / ٤١٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٤.
(٦) بدائع الصنائع ٦ / ٢٧٣، والشرح الصغير ٢ / ٣٤٨، والمغني ٩ / ٢١٦، والجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٧٧.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِثْبَاتٌ ف ١٠، شَهَادَةٌ. ف ٢٧) .
رَابِعًا: فِي أَيْمَانِ اللِّعَانِ:
٨ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيْمَانِ اللِّعَانِ أَنْ تَرِدَ فِيهَا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ هِيَ (أَشْهَدُ، لَعْنَةٌ، غَضَبٌ (١»، وَذَلِكَ لِوُرُودِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي (لِعَانٌ، وَأَيْمَانٌ ف ١٤) .
ج - الإِْكْرَاهُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ:
٩ - الإِْكْرَاهُ يُؤَثِّرُ فِي الإِْرَادَةِ وَيُعَدُّ عَيْبًا مِنْ عُيُوبِهَا.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِلَفْظِ مَا يَمْنَعُ تَرْتِيبَ أَثَرِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ﴾ (٣)
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٣٧٥، والاختيار ٣ / ١٦٩، وبدائع الصنائع ٣ / ٢٤٢، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٠٧، والفواكه الدواني ٢ / ٨٥.
(٢) سورة النور / ٦ - ٩.
(٣) سورة النحل / ١٠٦.
وَلِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِكْرَاهٌ ف ١٨ - ٢٤) .
د - قَصْدُ مَعَانِي الأَْلْفَاظِ:
١٠ - اللَّفْظُ هُوَ الصُّورَةُ الَّتِي تَحْمِل مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى السَّامِعِ، فَإِذَا كَانَ صَاحِبُ اللَّفْظِ جَاهِلًا بِمَعْنَاهُ كَالأَْعْجَمِيِّ لَمْ يُعَدَّ اللَّفْظُ صَالِحًا لِتَأْدِيَةِ هَذَا الْمَعْنَى، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ.
جَاءَ فِي قَوَاعِدِ الأَْحْكَامِ: إِذَا نَطَقَ الأَْعْجَمِيُّ بِكَلِمَةِ كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ طَلاَقٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ إِبْرَاءٍ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ مُقْتَضَاهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِمَا يَدُل عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لاَ يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ فَإِنَّ الإِْرَادَةَ لاَ تَتَوَجَّهُ إِلاَّ إِلَى مَعْلُومٍ أَوْ مَظْنُونٍ، وَإِنْ قَصَدَ الْعَرَبِيُّ النُّطْقَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْكَلاَمِ مَعَ مُعْرِفَتِهِ بِمَعَانِيهِ نَفَذَ ذَلِكَ مِنْهُ (٢) .
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَوْقَعُوا طَلاَقَ النَّاسِي وَالْخَاطِئِ وَالذَّاهِل وَكَذَلِكَ يَمِينُهُ، إِذِ الْقَصْدُ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَمِينِ وَالطَّلاَقِ لَيْسَ بِشَرْطٍ
_________
(١) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) من حديث أبي هريرة، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٥٣) هذا إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع.
(٢) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ١٠٣.
عِنْدَهُمْ (١)، كَمَا أَنَّهُمْ حَكَمُوا بِإِسْلاَمِ الْكَافِرِ إِذَا أُجْبِرَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ إِجْبَارِ الْمُسْلِمِ عَلَى التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ (٢) .
وَإِذَا تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ فَقَصَدَ صُورَتَهُ دُونَ مَعْنَاهُ كَالْهَازِل أَوِ اللاَّعِبِ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَصَرُّفِهِ أَحْكَامُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَكَانَ لَغْوًا إِلاَّ خَمْسَةَ أُمُورٍ هِيَ: طَلاَقُهُ وَيَمِينُهُ وَنِكَاحُهُ وَرَجْعَتُهُ وَعِتْقُهُ، فَإِنَّهَا تَقَعُ كُلُّهَا مِنْهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ثَلاَثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (٣)، وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إِذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلاَقُ وَالْعِتَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالنَّذْرُ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَاتِ (صِيغَةٌ ف ٩، وَعَقْدٌ ف ٦، وَطَلاَقٌ ف ٢٨ وَمَا بَعْدَهَا، وَنِكَاحٌ، وَهَزْلٌ) .
هـ - اشْتِرَاكُ لَفْظٍ وَاحِدٍ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ:
١١ - الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لُغَةً لِمَعْنَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى سَبِيل الْبَدَل، أَوْ هُوَ أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظُ وَيَتَعَدَّدَ الْمَعْنَى عَلَى سَبِيل الْحَقِيقَةِ فِيهِمَا كَالْقُرْءِ، فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ
_________
(١) الأشباه لابن نجيم ٣٠٣، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٤٩، وبدائع الصنائع ٣ / ١٠٠.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٠.
(٣) حديث: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٨١) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب
وَالطُّهْرِ (١) (ر: اشْتِرَاكٌ ف ٣) .
وَلَوْ حَلَفَ: لاَ يَرْكَبُ دَابَّةً أَوْ لاَ يَأْكُل لَحْمًا أَوْ لاَ يَجْلِسُ عَلَى فِرَاشٍ أَوْ لاَ يَشْرَبُ بَارِدًا فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ (الدَّابَّةُ وَاللَّحْمُ وَالْفِرَاشُ وَالْبَارِدُ) يَحْتَمِل عِدَّةَ مَعَانٍ: إِذْ تُطْلَقُ الدَّابَّةُ عَلَى الْحِمَارِ وَالْفَرَسِ، وَيُطْلَقُ اللَّحْمُ عَلَى الْغَنَمِ وَالإِْبِل وَالسَّمَكِ، وَيَشْمَل الْفِرَاشُ مَا أُعِدَّ لِلنَّوْمِ وَالْجُلُوسِ، وَكَذَلِكَ الْبَارِدُ يَشْمَل الْمَاءَ وَغَيْرَهُ، فَلِهَذَا يُلْجَأُ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ إِلَى الْعُرْفِ، وَيُصْرَفُ اللَّفْظُ إِلَيْهَا.
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: مِمَّا تَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَتْوَى لِتَغَيُّرِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ مُوجَبَاتُ الأَْيْمَانِ وَالإِْقْرَارِ وَالنُّذُورِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ حَلَفَ: لاَ رَكِبْتُ دَابَّةً، وَكَانَ فِي بَلَدٍ عُرْفُهُمْ فِي لَفْظِ الدَّابَّةِ، الْحِمَارُ خَاصَّةً اخْتَصَتْ يَمِينُهُ بِهِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِرُكُوبِ الْفَرَسِ وَلاَ الْجَمْل، ثُمَّ قَال: فَيُفْتَى فِي كُل بَلَدٍ بِحَسَبِ عُرْفِ أَهْلِهِ، وَيُفْتِي كُل أَحَدٍ بِحَسَبِ عَادَتِهِ (٢) .
وَكَذَلِكَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ فَتَاوَى قَاسِمٍ حَيْثُ قَال: لَفْظُ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي وَالْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ وَكُل عَاقِدٍ يُحْمَل عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا، سَوَاءٌ وَافَقَتْ
_________
(١) جمع الجوامع ٣ / ٢٧٤ - ٢٧٥، وكشاف اصطلاحات الفنون ٤ / ١٥٤.
(٢) إعلام الموقعين ٣ / ٥٠.
لُغَةَ الْعَرَبِ وَلُغَةَ الشَّارِعِ أَوْ لاَ (١) .
و الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ مِنَ الأَْلْفَاظِ:
١٢ - الصَّرِيحُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي خَلَصَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ غَيْرِهِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: اسْمٌ لِكَلاَمٍ مَكْشُوفٍ الْمُرَادُ بِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَال حَتَّى يَظْهَرَ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وَالْكِنَايَةُ لُغَةً: أَنْ يُتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الْمُكَنَّى عَنْهُ، أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَهِيَ كَمَا قَال الْجُرْجَانِيُّ: كَلاَمٌ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالاِسْتِعْمَال وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ (٢) .
وَلِهَذَا تَنْقَسِمُ الأَْلْفَاظُ إِلَى صَرِيحٍ يَظْهَرُ الْمُرَادُ بِهِ وَكِنَايَةٌ يَخْفَى الْمُرَادُ بِهَا، إِلاَّ مَعَ قَرِينَةٍ تُظْهِرُهُ، وَهَذَا التَّقْسِيمُ يَدْخُل فِي أَلْفَاظِ كَثِيرٍ مِنَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ كَالطَّلاَقِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ وَالْخِطْبَةِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالظِّهَارِ وَالْقَذْفِ وَالنَّذْرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تُسْتَعْمَل فِيهِ أَلْفَاظٌ صَرِيحَةٌ وَأُخْرَى كِنَائِيَّةٌ. وَتُعْرَفُ تَفَاصِيل تِلْكَ الأَْلْفَاظِ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا وَفِي مُصْطَلَحِ (صَرِيحٌ ف ١٢ - ٢١، وَكِنَايَةٌ) .
ز - النَّهْيُ عَنْ أَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ:
١٣ - وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ بَعْضِ الأَْلْفَاظِ لِمَقَاصِدَ
_________
(١) مجموع رسائل ابن عابدين ١ / ٤٨.
(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط، والتعريفات للجرجاني، وفتح القدير وبهامشه العناية ٣ / ٤٤ - ٤٥.
شَرْعِيَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (١) .
وَمِنْ ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمَةِ، وَصَلاَةِ الْمَغْرِبِ بِالْعَتَمَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ أَلْفَاظِ سِلاَمِ الْجَاهِلِيَّةِ عِمْ صَبَاحًا وَمُسَاءً، وَالنَّهْيِ عَنِ ابْتِدَاءِ أَهْل الذِّمَّةِ بِأَلْفَاظِ السَّلاَمِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتُنْظَرُ تَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
_________
(١) سورة البقرة / ١٠٤.
لَقَبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - اللَّقَبُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَا يُسَمَّى بِهِ الإِْنْسَانُ بَعْدَ اسْمِهِ الأَْوَّل (الْعَلَمِ) مِنْ لَفْظٍ يَدُل عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ لِمَعْنًى فِيهِ، وَالْجَمْعُ أَلْقَابٌ.
وَاللَّقَبُ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ عَلَى سَبِيل التَّشْرِيفِ كَأَلْقَابِ السَّلاَطِينِ، وَضَرْبٌ عَلَى سَبِيل النَّبْزِ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْمُ:
٢ - الاِسْمُ لُغَةً: مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ وَدَل عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، جَوْهَرًا كَانَ أَوْ عَرَضًا.
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الشَّيْءُ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط، والتعريفات والمفردات، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧١١.
وَيُسْتَدَل بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ هُوَ مَا دَل عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ غَيْرِ مُقْتَرِنٍ بِأَحَدِ الأَْزْمِنَةِ الثَّلاَثَةِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى اسْمِ عَيْنٍ، وَهُوَ الدَّال عَلَى مَعْنًى يَقُومُ بِذَاتِهِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَإِلَى اسْمِ مَعْنًى وَهُوَ مَا لاَ يَقَعُ بِذَاتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْنًى وُجُودِيًّا كَالْعِلْمِ أَوْ عَدَمِيًّا كَالْجَهْل.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّقَبِ وَالاِسْمِ أَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ التَّعْظِيمُ أَوِ التَّحْقِيرُ فَهُوَ لَقَبٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ اسْمٌ (١) .
ب - الْكُنْيَةُ:
٣ - الْكُنْيَةُ فِي اللُّغَةِ: تُطْلَقُ عَلَى الشَّخْصِ لِلتَّعْظِيمِ، وَتَكُونُ عَلَمًا غَيْرَ الاِسْمِ وَاللَّقَبِ، وَتُصَدَّرُ بِأَبٍ أَوْ أُمٍّ، وَذَلِكَ كَأَبِي حَفْصٍ وَأَبِي الْحَسَنِ.
وَتُسْتَعْمَل الْكُنْيَةُ مَعَ الاِسْمِ وَمَعَ اللَّقَبِ أَوْ بِدُونِهِمَا تَفْخِيمًا لِشَأْنِ صَاحِبِهَا أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ مُجَرَّدًا، وَتَكُونُ لأَِشْرَافِ النَّاسِ (٢) .
وَالصِّلَةُ أَنَّ الْكُنْيَةَ تَكُونُ - غَالِبًا - لِلتَّفْخِيمِ، وَأَمَّا اللَّقَبُ فَقَدْ يَكُونُ لِلْمَدْحِ وَالتَّفْخِيمِ أَوِ الذَّمِّ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ النَّبْزِ بِالأَْلْقَابِ إِلَى
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات، والمعجم الوسيط، والفروق اللغوية ص١٧، والكليات ٣ / ١٩٢.
(٢) المصادر السابقة.
مُسْتَحَبٍّ وَجَائِزٍ وَمَكْرُوهٍ وَحَرَامٍ.
٤ - فَاللَّقَبُ إِنْ كَانَ مِنْ مُسْتَحَبِّ الأَْلْقَابِ، وَمُسْتَحْسَنِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ الإِْطْرَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَرْعًا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُلَقَّبُ رَاضِيًا عَنْهُ، لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُل بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ وَأَحَبِّ كُنَاهُ (١)، وَلأَِنَّهُ ﷺ لَقَّبَ الصِّدِّيقَ ﵁ بِعَتِيقٍ (٢) وَعَلِيًّا ﵁ بِأَبِي تُرَابٍ (٣)، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁ بِسَيْفِ اللَّهِ (٤) وَلأَِنَّهُ قَل مِنَ الْمَشَاهِيرِ فِي الإِْسْلاَمِ مَنْ لَيْسَ لَهُ لَقَبٌ، وَلَمْ تَزَل هَذِهِ الأَْلْقَابُ الْحَسَنَةُ فِي الأُْمَمِ كُلِّهَا مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ تَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَمُكَاتَبَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (٥) .
_________
(١) حديث: " أن الرسول ﷺ كان يعجبه أن يدعو الرجل. . . ". أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (٤ / ١٣) في حديث حنظلة ابن حذيم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ٥٦) رجاله ثقات.
(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ لقب أبا بكر الصديق بعتيق ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١ / ٥٣) من حديث عبد الله ابن الزبير، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٤٠) وقال: رواه البزار والطبراني بنحوه ورجالهما ثقات
(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ لقب عليًّا بأبي تراب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٨٧) .
(٤) حديث: " أن رسول الله ﷺ لقب خالد بن الوليد بسيف الله ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٥١٢) من حديث أنس بن مالك.
(٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠ / ٤٦٨، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧١١، وابن عابدين ٥ / ٢٦٨.