الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

٥ - وَإِنْ كَانَ اللَّقَبُ عَادِيًّا لاَ يُوصَفُ بِالْمُسْتَحْسَنِ وَلاَ بِالْمُسْتَقْبَحِ وَكَانَ الْمُلَقَّبُ بِهِ رَاضِيًا عَنْهُ جَازَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مُسْتَقْبَحًا وَلاَ يَرْضَى عَنْهُ الْمُلَقَّبُ إِلاَّ أَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا إِلَى التَّعْرِيفِ بِهِ، حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الاِسْتِعْمَال وَيَشْتَهِرُ بِهِ وَلاَ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ إِلاَّ بِذِكْرِ هَذَا اللَّقَبِ، فَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْل الْعِلْمِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ إِلْقَاءُ اللَّقَبِ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِيرِ وَالتَّنْقِيصِ.

وَمِنْ أَجْل هَذَا أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ مِنَ اسْتِعْمَال مِثْل هَذِهِ الأَْلْقَابِ لِلْمُؤَلِّفِينَ وَالرُّوَاةِ وَالْفُقَهَاءِ كَالأَْعْمَشِ وَالأَْعْرَجِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأَْلْقَابِ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُسَمَّى بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ: أَكَمَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ (١) "، وَذَلِكَ لَمَّا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ، وَلأَِنَّ دَاعِيَةَ التَّعْرِيفِ فِي الْجُمْلَةِ مَصْلَحَةٌ يُفْتَقَرُ إِلَيْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: لَوْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُ صَاحِبِ اللَّقَبِ بِغَيْرِ ذَلِكَ اللَّقَبِ الْمَكْرُوهِ كَانَ أَوْلَى، لِحُصُول

_________

(١) حديث: " أكما يقول ذو اليدين ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٦٦)، والرواية الأخرى أخرجها مسلم (١ / ٤٠٣) .

الْمَقْصُودِ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنَ الْغِيبَةِ (١) .

٦ - وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ حَتَّى مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعْرِيفِ بِالْمُلَقَّبِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَقَدْ نُقِل عَنْهُ أَنَّهُ قَال: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيل غِيبَةٌ، وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ: وَقَدْ وَرَدَ لَعَمْرُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ مَا لاَ أَرْضَاهُ. وَلاَ أَرَاهُ سَائِغًا فِي الدِّينِ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ الْمِصْرِيُّ يَقُول: لاَ أَجْعَل أَحَدًا صَغَّرَ اسْمَ أَبِي فِي حِلٍّ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى اسْمِ أَبِيهِ التَّصْغِيرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ (٢) .

٧ - أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَا اللَّقَبِ، أَوْ كَانَ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّقَبِ مِنَ الأَْسْمَاءِ وَالأَْلْقَابِ وَالْكُنَى، أَوْ كَانَ إِطْلاَقُ اللَّقَبِ عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ التَّعْرِيفِ بِهِ، وَإِنَّمَا عَلَى جِهَةِ التَّنْقِيصِ وَالتَّعْيِيرِ فَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِجْمَاعًا (٣) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤)

_________

(١) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٤ / ٣٥٤. وفتح الباري ١٠ / ٤٦٨، تفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٨ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤ - ٢٩٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧١١.

(٢) فتح الباري ١٠ / ٤٦٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٧١١، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٩.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) سورة الحجرات / ١١.

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُل لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (١) .

الأَْلْقَابُ الْمُحَرَّمَةُ

٨ - إِذَا كَانَ اللَّقَبُ مِنْ قَبِيل الإِْطْرَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا كَمَلِكِ الأَْمْلاَكِ وَمَلِكِ الْمُلُوكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأَْلْقَابِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُوصَفَ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ ﷿، فَيَحْرُمُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلَكَ الأَْمْلاَكِ (٢)، وَلأَِنَّ إِطْلاَقَ مِثْل هَذِهِ الأَْلْقَابِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصْفٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِوَصْفِ الْخَالِقِ الَّذِي لاَ يَصِحُّ قِيَامُهُ بِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ (٣) .

إِطْلاَقُ أَلْقَابِ التَّفْخِيمِ عَلَى الْفُسَّاقِ

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَلْقِيبُ الْفُسَّاقِ وَالْعُصَاةِ وَالظَّالِمِينَ وَالسَّفَلَةِ بِالأَْلْقَابِ الْعَلِيَّةِ الَّتِي تَدُل عَلَى التَّعْظِيمِ أَوِ التَّشْرِيفِ كَسَيِّدٍ وَأُسْتَاذٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ أَلْقَابِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيل، لِمَا وَرَدَ عَنْ بُرَيْدَةُ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ

_________

(١) سورة الحجرات / ١٢.

(٢) حديث: " إن أخنع اسم عند الله رجل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٨٨) ومسلم (٣ / ١٦٨٨) واللفظ لمسلم.

(٣) دليل الفالحين ٤ / ٤٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤، والفواكه الدواني ١ / ٤٦١، وفتح الباري ١٠ / ٢٦٨.

سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿ (١) .

وَلأَِنَّ فِي هَذَا تَعْظِيمُ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ وَخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حِزْبِ الرَّحْمَنِ وَانْتَظَمَ فِي إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ إِهَانَتُهُ وَتَرْكُ تَعْظِيمِهِ لِيَرْتَدِعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ فَيَرْجِعَ إِلَى الطَّاعَةِ.

وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَمَا ذَكَرَ الأَْلْقَابَ الْجَائِزَةَ: إِلاَّ مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ حَتَّى لَقَّبُوا السَّفَلَةَ بِالأَْلْقَابِ الْعَلِيَّةِ.

فَمَا أَقُول فِي تَلْقِيبِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي قَبِيلٍ وَلاَ دَبِيرٍ بِفُلاَنِ الدِّينِ هِيَ لَعَمْرُ اللَّهِ الْغُصَّةُ الَّتِي لاَ تُسَاغُ (٢) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَنَظِيرُهُ مَا يُقَال لِلْمُدَرِّسِينَ بِالتُّرْكِيِّ: أَفَنْدِي، وَسُلْطَانَمْ وَنَحْوُهُ (٣) .

كَمَا تُكْرَهُ عِنْدَهُمُ الأَْلْقَابُ الْقَبِيحَةُ كَشَيْطَانٍ وَظَالِمٍ وَشِهَابٍ وَحِمَارٍ وَكُلَيْبٍ (٤) .

_________

(١) حديث: " لا تقولوا للمنافق سيد. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٥٧) وصحح إسناده النووي في الأذكار ص٥٥٨.

(٢) دليل الفالحين ٤ / ٥٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٥، ٢٦٨ - ٢٦٩، والفواكه الدواني ١ / ٤٦١.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٩.

(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، والفواكه الدواني ١ / ٤٦١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٢٨ - ٣٢٩.

لَقْطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللَّقْطُ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَسُكُونِ الْقَافِ كَالنَّصْرِ - مَصْدَرُ لَقَطَ يَلْقُطُ - وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنَ الأَْرْضِ وَجَمْعُهُ، يُقَال: لَقَطَهُ يَلْقُطُهُ لَقْطًا: أَخَذَهُ مِنَ الأَْرْضِ، وَمِنْهُ اللُّقَطَةُ وَهِيَ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي تَجِدُهُ مُلْقًى فَتَأْخُذُهُ، وَاللَّقِيطُ وَهُوَ الْمَوْلُودُ الْمَنْبُوذُ (١) .

وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَخْذُ أَيَّامِ النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالطُّهْرِ، وَالْتِقَاطُ أَزْمِنَةِ الدَّمِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ (٢) .

وَيُسَمَّى الْقَوْل بِاللَّقْطِ كَذَلِكَ الْقَوْل بِالتَّلْفِيقِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

السَّحْبُ:

٢ - السَّحْبُ لُغَةً: جَرُّ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهِ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وحاشية البجيرمي على الخطيب ١ / ٣٠٨.

(٢) الوجيز وشرحه فتح العزيز بهامش المجموع ٢ / ٥٣٦، ٥٣٧.

الأَْرْضِ كَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِإِعْطَاءِ النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ حُكْمَ الْحَيْضِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِسَحْبِ حُكْمِ الْحَيْضِ عَلَى النَّقَاءِ وَجَعْل الْكُل حَيْضًا (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - اللَّقْطُ لَفْظٌ يَسْتَعْمِلُهُ الشَّافِعِيَّةُ غَالِبًا فِيمَا إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْمَرْأَةِ وَكَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً أَوْ يَوْمَيْنِ وَيَوْمَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي انْقِطَاعِ دَمِ الْمَرْأَةِ حَسَبَ اخْتِلاَفِ أَحْوَال الاِنْقِطَاعِ، فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا فَإِنَّهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الدَّمَيْنِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الطُّهْرِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَل مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ، هَل يُعْتَبَرُ فَاصِلًا أَوْ لاَ؟ .

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطُّهْرَ الْفَاصِل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لاَ يُعْتَبَرُ فَاصِلًا.

وَفِيمَا زَادَ عَنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَكُونُ طُهْرًا فَاسِدًا وَلاَ يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ بَل

_________

(١) لسان العرب.

(٢) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ١ / ٣٨٥.

يَكُونُ كُلُّهُ كَدَمٍ مُتَوَالٍ ثُمَّ يُقَدَّرُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَل حَيْضًا يُجْعَل حَيْضًا وَالْبَاقِي يَكُونُ اسْتِحَاضَةً، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ إِذَا كَانَ فِي طَرَفَيِ الْعَشَرَةِ فَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّل بَيْنَهُمَا لاَ يَكُونُ فَاصِلًا وَيُجْعَل كُلُّهُ كَدَمٍ مُتَوَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ فِي طَرَفَيِ الْعَشَرَةِ كَانَ الطُّهْرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَل ذَلِكَ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَل أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا، وَهُوَ أَوَّلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْل أَحَدِهِمَا حَيْضًا لاَ يُجْعَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ إِذَا كَانَ فِي طَرَفَيِ الْعَشَرَةِ وَكَانَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَتِ الدِّمَاءُ الْمُتَفَرِّقَةُ تَبْلُغُ حَيْضًا لاَ يَصِيرُ الطُّهْرُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَيَكُونُ كُلُّهُ حَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ جُمِعَ لاَ يَبْلُغُ حَيْضًا يَصِيرُ فَاصِلاَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا يُجْعَل ذَلِكَ حَيْضًا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَل أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَل أَحَدُهُمَا حَيْضًا لاَ يُجْعَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لاَ يَكُونُ فَاصِلًا بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَكُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَالِي، وَإِذَا كَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ كَانَ فَاصِلًا بَيْنَهُمَا، ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ

أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل أَحَدُ الدَّمَيْنِ حَيْضًا جُعِل، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَل أَسْرَعُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا لاَ يُجْعَل حَيْضًا، وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مَذْهَبًا فَقَال: الطُّهْرُ الْمُتَخَلِّل بَيْنَ الدَّمَيْنِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لاَ يُعْتَبَرُ فَاصِلًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الدَّمَيْنِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ الْمُتَوَالِي، وَإِذَا كَانَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَهُوَ طُهْرٌ كَثِيرٌ فَيُعْتَبَرُ، لَكِنْ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الطُّهْرُ مِثْل الدَّمَيْنِ أَوْ أَقَل مِنَ الدَّمَيْنِ فِي الْعَشَرَةِ لاَ يَكُونُ فَاصِلًا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الدَّمَيْنِ يَكُونُ فَاصِلًا ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل أَحَدُهُمَا حَيْضًا جُعِل وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْضًا يُجْعَل أَسْرَعُهُمَا حَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَل أَحَدُهُمَا حَيْضًا لاَ يُجْعَل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَيْضًا.

قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَفْتَوْا بِرِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّهَا أَسْهَل عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي وَالأَْخْذُ بِهَا أَيْسَرُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حُسَامِ الدِّينِ وَبِهِ يُفْتِي (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ التَّقَطُّعِ هَذِهِ أَنَّ

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٤٣، ٤٤، والفتاوى الهندية ١ / ٣٧، وفتح القدير ١ / ١٢٠، ١٢١.

الْمَرْأَةَ تُلَفِّقُ، أَيْ تَجْمَعُ أَيَّامَ الدَّمِ فَقَطْ لاَ أَيَّامَ الطُّهْرِ، وَتَغْتَسِل وُجُوبًا كُلَّمَا انْقَطَعَ الدَّمُ فِيهَا فِي أَيَّامِ التَّلْفِيقِ، وَتَصُومُ إِنْ كَانَتْ قَبْل الْفَجْرِ طَاهِرًا، وَتُصَلِّي بَعْدَ طُهْرِهَا، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ مُبْتَدَأَةٌ وَمُعْتَادَةٌ وَحَامِلٌ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا كَانَ الاِنْقِطَاعُ قَبْل مُجَاوَزَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلاَنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: قَوْل السَّحْبِ، وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ يَنْسَحِبُ عَلَى أَيَّامِ النَّقَاءِ، فَتَحِيضُ فِيهَا جَمِيعًا، لأَِنَّ زَمَانَ النِّقَاءِ نَاقِصٌ عَنْ أَقَل الطُّهْرِ فَيَكُونُ حَيْضًا، كَسَاعَاتِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ دُفَعَاتِ الدَّمِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي: قَوْل اللَّقْطِ وَالتَّلْفِيقِ، وَهُوَ أَنْ تَلْتَقِطَ أَيَّامَ النَّقَاءِ وَتُلَفِّقَ، وَيُحْكَمُ بِالطُّهْرِ فِيهَا، وَحَيْضُهَا أَزْمِنَةَ الدَّمِ لاَ غَيْرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٢) أَيْ يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ، وَقَدِ انْقَطَعَ فَيَجُوزُ الْقُرْبَانُ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُحْكَمُ فِي أَيَّامِ الدَّمِ حَقِيقَةً بِالطُّهْرِ فَكَذَلِكَ لاَ يُحْكَمُ فِي أَيَّامِ النَّقَاءِ حَقِيقَةً بِالْحَيْضِ تَوْفِيرًا لِحُكْمِ كُل وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَالَتَيْنِ عَلَيْهَا.

وَنَقَل النَّوَوِيُّ اخْتِلاَفَ الشَّافِعِيَّةِ فِي

_________

(١) الدسوقي ١ / ١٧٠ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٣١، ومواهب الجليل ١ / ٣٦٩، والزرقاني ١ / ١٣٥.

(٢) سورة البقرة / ٢٢٢.

الأَْصَحِّ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَال: وَالْحَاصِل أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَنَا قَوْل السَّحْبِ (١) .

وَقَال الرَّمْلِيُّ: وَمَحَل الْقَوْلَيْنِ فِي الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، فَلاَ يُجْعَل النَّقَاءُ طُهْرًا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إِجْمَاعًا، ثُمَّ قَال: وَشَرْطُ جَعْل النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمِ حَيْضًا أَنْ لاَ يُجَاوِزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلاَ يَنْقُصَ مَجْمُوعُ الدِّمَاءِ عَنْ أَقَل الْحَيْضِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّقَاءُ زَائِدًا عَلَى الْفَتَرَاتِ الْمُعْتَادَةِ بَيْنَ دُفَعَاتِ الْحَيْضِ، فَإِنَّ تِلْكَ حَيْضٌ قَطْعًا (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي مَسْأَلَةِ تَقَطُّعِ الدَّمِ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي فِي زَمَنِ الطُّهْرِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ سَاعَةً، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لاَ يَحِل لَهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً إِلاَّ أَنْ تَغْتَسِل.

وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: إِنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ تَغْتَسِل فِيهِ وَتُصَلِّي وَنَحْوَهُ أَيْ تَصُومُ وَتَطُوفُ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَلاَ يُكْرَهُ فِيهِ الْوَطْءُ، لأَِنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَلْفِيقٌ ف ٤، ٥) .

_________

(١) فتح العزيز شرح الوجيز بهامش المجموع ٢ / ٥٣٦ وما بعدها، والمجموع شرح المهذب ٢ / ٥٠٢ وما بعدها.

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٣٣٨.

(٣) كشاف القناع ١ / ٢١٤ - ٢١٨، ومطالب أولي النهى ١ / ٢٦١.