الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَحَاكَمَ إِلَى الْقَاضِي الْعَرَبِيِّ أَعْجَمِيَّانِ لاَ يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا، أَوْ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُتَرْجِمٍ عَنْهُمَا وَلاَ تُقْبَل التَّرْجَمَةُ إِلاَّ مِنَ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ. وَالتَّرْجَمَةُ عِنْدَهُمْ شَهَادَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مِنَ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الإِْقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ اعْتُبِرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ وَلَمْ يَكْفِ إِلاَّ شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَى فِيهِ تَرْجَمَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَمْ تُعْتَبَرِ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ زِنًا خَرَجَ فِي التَّرْجَمَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يَكْفِي فِيهِ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ، وَالثَّانِي: يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ (١) .
رَابِعًا: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا بِلُغَةِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْمُصَلِّي الْعَرَبِيَّةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٢) وَتَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ قُرْآنًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِيمَا يُمْكِنُ تَرْجَمَتُهُ.
_________
(١) المغني ٩ / ١٠٠ - ١٠١.
(٢) سورة المزمل / ٢٠.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَرْجَمَةٌ ف ٦) .
أَمَّا الإِْحْرَامُ فِي الصَّلاَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَالأَْذَانُ بِهَا، وَإِلْقَاءُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا، وَالتَّشَهُّدُ، وَأَذْكَارُ الصَّلاَةِ، فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ (تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ ف ٧، وَتَرْجَمَةٌ ف ٩) .
لَغْوٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - اللَّغْوُ: لَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ فِي اللُّغَةِ.
مِنْهَا: السَّقْطُ وَمَا لاَ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ وَغَيْرِهِ، وَلاَ يُحْصَل مِنْهُ عَلَى فَائِدَةٍ وَلاَ نَفْعٍ.
وَمِنْهَا: مَا لاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِثْل قَوْل الرَّجُل: لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّمَا اللَّغْوُ فِي الْمِرَاءِ وَالْهَزْل وَالْمُزَاحَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي لاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: اللَّغْوُ هُوَ الْكَلاَمُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: الإِْثْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢)، وَالْمَعْنَى لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالإِْثْمِ فِي الْحَلِفِ إِذَا كَفَرْتُمْ.
وَمِنْهَا: اللَّغْطُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَال
_________
(١) قول عائشة: " إنما اللغو في المراء والهزل. . . ". أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره كما في الدر المنثور للسيوطي (٣ / ١٥١) .
(٢) سورة المائدة / ٨٩
الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (١) أَيِ الْغَطُوا فِيهِ.
وَمِنْهَا: النُّطْقُ: يُقَال هَذِهِ لُغَتُهُمُ الَّتِي يَلْغُونَ بِهَا أَيْ يَنْطِقُونَ بِهَا، وَلَغْوُ الطَّيْرِ أَصْوَاتُهَا (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: ضَمُّ الْكَلاَمِ بِمَا هُوَ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي لاَ مَعْنَى لَهُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْبَاطِل:
٢ - الْبَاطِل لُغَةً: مَا سَقَطَ حُكْمُهُ، يُقَال بَطَل الشَّيْءُ يَبْطُل بَطَلًا وَبُطُولًا وَبُطْلاَنًا: فَسَدَ أَوْ سَقَطَ حُكْمُهُ (٤) .
وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الْبَرَكَتِيُّ: بِأَنَّهُ الَّذِي لاَ يَكُونُ صَحِيحًا بِأَصْلِهِ أَوْ مَا لاَ يُعْتَدُّ بِهِ وَلاَ يُفِيدُ شَيْئًا أَوْ مَا كَانَ فَائِتَ الْمَعْنَى مَعَ وُجُودِ الصُّورَةِ إِمَّا لاِنْعِدَامِ الأَْهْلِيَّةِ أَوْ لاِنْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ (٥) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّغْوِ وَالْبَاطِل، الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ فَالْبَاطِل أَعَمُّ مِنَ اللَّغْوِ، فَكُل لَغْوٍ بَاطِلٌ وَلَيْسَ كُل بَاطِلٍ لَغْوًا.
_________
(١) سورة فصلت / ٢٦.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٣) قواعد الفقه للبركتي ص٤٥٤.
(٤) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٥) قواعد الفقه ص٢٠٢.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّغْوِ:
أَوَّلًا - لَغْوُ الْيَمِينِ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ لَغْوِ الْيَمِينِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَانٌ ف ١٠٣) .
كَفَّارَةُ لَغْوِ الْيَمِينِ
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ وَلاَ إِثْمَ عَلَى صَاحِبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (١) فَجَعَل اللَّهُ تَعَالَى الْكَفَّارَةَ لِلْيَمِينِ الَّتِي يُؤَاخَذُ بِهَا وَنَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِاللَّغْوِ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْكَفَّارَةِ.
وَمِمَّنْ قَال: لاَ كَفَّارَةَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو مَالِكٍ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ فَلَمْ يَكُنْ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، لأَِنَّ الْيَمِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى وُجِدَتْ مَعَ الْمُخَالَفَةِ فَأَوْجَبَتِ الْكَفَّارَةَ كَالْيَمِينِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي (كَفَّارَةٌ ف ٩) .
زَمَنُ لَغْوِ الْيَمِينِ
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ
_________
(١) سورة المائدة / ٨٩.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ٣، ومواهب الجليل ٣ / ٢٦٧، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ١٦، وروضة الطالبين ٣ / ٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٨٧، ٦٨٨.
يَكُونُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَال أَوِ الْمُسْتَقْبَل، كَأَنْ يَقُول الإِْنْسَانُ وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَفِي ظَنِّهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ، أَوْ يَقُول وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُ زَيْدًا وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَهُوَ بِخِلاَفِهِ، أَوْ يَقُول وَاللَّهِ هَذَا الْجَائِي لَزَيْدٌ وَهُوَ بِخِلاَفِهِ، أَوْ إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَغُرَابٌ وَفِي ظَنِّهِ كَذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِخِلاَفِهِ، وَمَا لاَ يَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ وَلَمْ يَقْصِدَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِ فَهُوَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَالًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا (١) .
وَكَلاَمُ عَائِشَةَ ﵂ يَدُل عَلَى هَذَا فَإِنَّهَا قَالَتْ: إِنَّمَا اللَّغْوُ فِي الْمِرَاءِ وَالْهَزْل وَالْمُزَاحَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي لاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْعَدَوِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ لَغْوَ فِي يَمِينِ الْمُسْتَقْبَل، لأَِنَّ الْيَمِينَ فِي الْمُسْتَقْبَل يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَصْدُ أَوْ لاَ. وَتُكَفَّرُ إِنْ حَنِثَ.
وَقَوْل عَائِشَةَ ﵂ يَدُل عَلَى أَنَّ يَمِينَ اللَّغْوِ مَا يَجْرِي فِي كَلاَمِ النَّاسِ لاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ فِي الْمَاضِي لاَ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَأَنَّهَا فَسَّرَتْهَا بِالْمَاضِي فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حِينَمَا سُئِلَتْ عَنْ يَمِينِ اللَّغْوِ فَقَالَتْ: قَوْل الرَّجُل:
_________
(١) مواهب الجليل ٣ / ٢٦٦، وبداية المجتهد ١ / ٤٢٠ ط الكليات الأزهرية، ونهاية المحتاج ٨ / ١٦٩، ١٧٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٨٨.
(٢) قول عائشة: " إنما اللغو في المراء والهزل. . تقدم (ف١) .
فَعَلْنَا وَاللَّهِ كَذَا وَضَعْنَا وَاللَّهِ كَذَا، وَالْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ هِيَ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا مِثْل قَوْل الرَّجُل: وَاللَّهِ لاَ أَفْعَل كَذَا وَكَذَا، وَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا.
وَلأَِنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ بِمُسْتَقْبَلٍ غَيْبٌ فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْكَفَّارَةِ فِي حَلِفِهِ عَلَى مَا وَقَعَ تَرْكُهَا فِي حَلِفِهِ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ لِعُذْرِ الأَْوَّل وَجَرَاءَةِ الثَّانِي (١) .
ثَانِيًا - اللَّغْوُ أَثَنَاءَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الإِْنْصَاتِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ لَغْوِ مَنْ لاَ يُنْصِتُ لِلْخُطْبَةِ، وَذَلِكَ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِمَاعٌ ف ١٢ - ١٤) .
لَغْوُ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ
٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَوُقُوعُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَغْوٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَالْخَطِيبُ يَعْرِفُهَا وَجَبَتْ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ الْخَطِيبُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ تَجِبْ، وَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ جَهْرًا فَإِسْرَارُهَا كَعَدِمِهَا وَتُعَادُ جَهْرًا، وَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهَا بَالٌ (٢) .
(ر: خُطْبَةٌ ف ٩) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ٤، ٥، ومواهب الجليل ٣ / ٢٦٦، والخرشي ٣ / ٥٤.
(٢) العدوي على الخرشي ٢ / ٧٨.
لَفْظٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - اللَّفْظُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ تَرْمِيَ بِشَيْءٍ كَانَ فِي فِيكَ، وَاللَّفْظُ بِالشَّيْءِ: التَّكَلُّمُ بِهِ، وَلَفَظَ بِقَوْلٍ حَسَنٍ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَفَظَ بِالْكَلاَمِ: نَطَقَ كَتَلَفَّظَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَل وَعَلاَ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١)، وَفِي الْحَدِيثِ: وَيَبْقَى فِي الأَْرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ (٢) " أَيْ تَقْذِفُهُمْ وَتَرْمِيهِمْ (٣) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: اللَّفْظُ هُوَ مَا يَتَلَفَّظُ بِهِ الإِْنْسَانُ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِ مُهْمَلًا كَانَ أَوْ مُسْتَعْمَلًا (٤) .
_________
(١) سورة ق / ١٨.
(٢) حديث: " ويبقى في الأرض شرار أهلها. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ١٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده المنذري في مختصر السنن (٣ / ٣٥٣ - ٣٥٤) وذكر أن في إسناده راويًا قد تكلم فيه غير واحد.
(٣) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير.
(٤) التعريفات للجرجاني.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْشَارَةُ:
٢ - الإِْشَارَةُ لُغَةً: التَّلْوِيحُ بِشَيْءٍ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنَ النُّطْقِ، وَتَشْمَل الإِْيمَاءَ إِلَى الشَّيْءِ بِالْكَفِّ وَالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْهُ: أَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا: إِذَا أَبْدَى لَهُ رَأْيَهُ، وَتَكُونُ حِسِّيَّةً عِنْدَ الإِْطْلاَقِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْشَارَةِ وَاللَّفْظِ: أَنَّ الإِْشَارَةَ تُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وَتَقُومُ مَقَامَهُ أَحْيَانًا.
ب - السُّكُوتُ:
٣ - السُّكُوتُ هُوَ الصَّمْتُ، وَهُوَ ضِدُّ النُّطْقِ، يُقَال: سَكَتَ الصَّائِتُ سُكُوتًا: إِذَا صَمَتَ (٢) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: السُّكُوتُ مُخْتَصٌّ بِتَرْكِ الْكَلاَمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (٣)، وَعَلَى هَذَا فَالسُّكُوتُ ضِدُّ التَّلَفُّظِ وَالنُّطْقِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّفْظِ:
أ - مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ عَنْ طَرِيقِ الأَْلْفَاظِ:
٤ - الأَْلْفَاظُ تُرْجُمَانُ الإِْرَادَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الأَْشْيَاءِ وَالْحَاجَاتِ، وَلِهَذَا يَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ اللَّهَ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير والكليات ١ / ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٣) المفردات للراغب، والتعريفات للجرجاني.
تَعَالَى وَضَعَ الأَْلْفَاظَ بَيْنَ عِبَادِهِ تَعْرِيفًا وَدَلاَلَةً عَلَى مَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ مِنَ الآْخَرِ شَيْئًا عَرَّفَهُ بِمُرَادِهِ وَمَا فِي نَفْسِهِ بِلَفْظِهِ وَرَتَّبَ عَلَى تِلْكَ الإِْرَادَاتِ وَالْمَقَاصِدِ أَحْكَامَهَا بِوَاسِطَةِ الأَْلْفَاظِ (١) .
ب - التَّصَرُّفَاتُ الْمُقَيَّدَةُ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ وَغَيْرُ الْمُقَيَّدَةِ:
هُنَاكَ تَصَرُّفَاتٌ تَتَقَيَّدُ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْهَا:
أَوَّلًا: فِي الْعِبَادَةِ:
٥ - تَتَقَيَّدُ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ بِبَعْضِ الأَْلْفَاظِ فَلاَ تَصِحُّ بِغَيْرِهَا، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالتَّشَهُّدِ فِي الصَّلاَةِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: ذِكْرٌ ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا: فِي الْعُقُودِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعُقُودَ - غَيْرَ عَقْدَيِ النِّكَاحِ وَالسَّلَمِ - لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ مُعَيَّنٌ، بَل كُل لَفْظٍ يُؤَدِّي إِلَى الْمَقْصُودِ يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ، وَعَلَى هَذَا بُنِيَتِ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْمَعْرُوفَةُ (الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لاَ لِلأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي (٢» .
_________
(١) إعلام الموقعين (٣ / ١٠٥) .
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (٣) .