الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

لَغْطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللَّغْطُ بِسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا: هُوَ الأَْصْوَاتُ الْمُبْهَمَةُ الْمُخْتَلِطَةُ، وَالْجَلَبَةُ الَّتِي لاَ تُفْهَمُ. وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ الْقَلْيُوبِيُّ بِأَنَّهُ: الأَْصْوَاتُ الْمُرْتَفِعَةُ سَوَاءٌ كَانَ بِالْقِرَاءَةِ أَوِ الذِّكْرِ أَوِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

اللَّغْوُ:

٢ - اللَّغْوُ لُغَةً:

مَا لاَ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ كَلاَمٍ وَغَيْرِهِ، وَلاَ يُحْصَل مِنْهُ عَلَى فَائِدَةٍ وَلاَ نَفْعٍ (٢) .

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: مَا لاَ مَعْنَى لَهُ وَلاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارٌ فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْحُكْمِ (٣) .

وَالْعِلاَقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّغَطَ يُقْصَدُ مَعْنَاهُ، وَاللَّغْوُ قَدْ لاَ يُقْصَدُ مَعْنَاهُ.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وحاشية القليوبي ١ / ٣٤٧.

(٢) لسان العرب.

(٣) قواعد الفقه للبركتي.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّغَطِ:

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ خَفْضُ الصَّوْتِ، وَيُكْرَهُ اللَّغَطُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ فِي حَالَةِ السَّيْرِ فِي الْجِنَازَةِ، وَفِي الْقِتَال، وَعِنْدَ الذِّكْرِ سَوَاءٌ كَانَ اللَّغَطُ - وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ - بِالْقِرَاءَةِ أَوِ الذِّكْرِ، أَوِ التَّهْلِيل أَوِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ﵁: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ وَعِنْدَ الْقِتَال وَعِنْدَ الذِّكْرِ " (٢) .

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الأَْثَرِ: فَمَا ظَنُّكَ عِنْدَ الْغِنَاءِ الَّذِي يُسْمَوُنَّهُ وَجْدًا وَمَحَبَّةً، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْقُرَّاءِ بِالتَّمْطِيطِ وَإِخْرَاجِ الْكَلاَمِ عَنْ مَوْضُوعِهِ - عِنْدَ الْجَنَائِزِ - فَحَرَامٌ يَجِبُ إِنْكَارُهُ (٣) .

٤ - وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ كَرَاهِيَةِ اللَّغَطِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ فِي الذِّكْرِ: التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُ

_________

(١) المجموع ٥ / ٣٢١، ومغني المحتاج ١ / ٣٥٩، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٤٧، وابن عابدين ٥ / ٢٥٥ - ٢٦٩، وفتح القدير ١ / ٤٦٩، وبدائع الصنائع ١ / ٣١٠، وكشاف القناع ٢ / ١٣.

(٢) قول قيس بن عباد: " كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت. . . ". أخرجه البيهقي في سننه (٤ / ٧٤) .

(٣) مغني المحتاج١ / ٣٥٩، والمصادر السابقة.

الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ جَاءَنِي جِبْرِيل ﵇ فَقَال: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ (١)، وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَيُّرِ الأَْحْوَال: كَرُكُوبٍ، وَنُزُولٍ، وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ، وَاخْتِلاَطِ رُفْقَةٍ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَلْبِيَةٌ ف ٥ - ٦) .

_________

(١) حديث: جاءني جبريل فقال: " يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. . . ". أخرجه الحاكم (١ / ٤٥٠) من حديث زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة ثم قال: هذه الأسانيد كلها صحيحة وليس يعلل واحد منها الآخر، ووافقه الذهبي.

لُغَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللُّغَةُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ: اللِّسْنُ، وَحَدُّهَا أَنَّهَا أَصْوَاتٌ يُعَبِّرُ بِهَا كُل قَوْمٍ عَنْ أَغْرَاضِهِمْ، وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ لَغَوْتُ أَيْ تَكَلَّمْتَ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْكَلاَمُ:

٢ - الْكَلاَمُ فِي أَصْل اللُّغَةِ: عِبَارَةً عَنْ أَصْوَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ لِمَعْنًى مَفْهُومٍ. وَقَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْكَلاَمُ يَقَعُ عَلَى الأَْلْفَاظِ الْمَنْظُومَةِ وَعَلَى الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَهَا مَجْمُوعَةٌ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

_________

(١) لسان العرب مادة (لغا) .

(٢) التعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي.

(٣) المفردات والمصباح المنير.

وَاللُّغَةُ تُرَادِفُ الْكَلاَمَ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِ.

ب - الْبَيَانُ:

٣ - الْبَيَانُ لُغَةً: الإِْظْهَارُ وَالتَّوْضِيحُ وَالْكَشْفُ عَنِ الْخَفِيِّ أَوِ الْمُبْهَمِ (١) .

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٢) أَيِ الْكَلاَمَ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ مَا فِي قَلْبِهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالْبَيَانُ أَخَصُّ مِنَ اللُّغَةِ.

وَاضِعُ اللُّغَةِ

٤ - اخْتُلِفَ فِي وَاضِعِ اللُّغَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ ﷾ فَهِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الأَْشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ.

الثَّانِي: أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ الْبَشَرُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَهِيَ اصْطِلاَحِيَّةٌ.

الثَّالِثُ: ابْتِدَاءُ اللُّغَةِ تَوْقِيفِيٌّ وَقَعَ بِالتَّعْلِيمِ مِنَ اللَّهِ، وَالْبَاقِي بِالاِصْطِلاَحِ.

الرَّابِعُ: ابْتِدَاؤُهَا وَقَعَ بِالاِصْطِلاَحِ، وَالْبَاقِي تَوْقِيفِيٌّ.

الْخَامِسُ: أَنَّ نَفْسَ الأَْلْفَاظِ دَلَّتْ عَلَى مَعَانِيهَا بِذَاتِهَا، وَبِهِ قَال عُبَادَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ.

_________

(١) المفردات للراغب.

(٢) سورة الرحمن / ٤.

السَّادِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الأَْقْوَال مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ بِأَحَدِهَا، قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَبِهِ قَال الْجُمْهُورُ (١) .

وَقَال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا الْوَاقِعُ فِي هَذِهِ الأَْقْسَامِ فَلاَ مَطْمَعَ فِي مَعْرِفَتِهِ يَقِينًا، إِلاَّ بِبُرْهَانٍ عَقْلِيٍّ، أَوْ بِتَوَاتُرِ خَبَرٍ، أَوْ سَمْعٍ قَاطِعٍ، وَلاَ مَجَال لِبُرْهَانِ الْعَقْل فِي هَذَا، وَلَمْ يُنْقَل تَوَاتُرٌ، وَلاَ فِيهِ سَمْعٌ قَاطِعٌ، فَلاَ يَبْقَى إِلاَّ رَجْمُ الظَّنِّ فِي أَمْرٍ لاَ يَرْتَبِطُ بِهِ تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ، وَلاَ تُرْهِقُ إِلَى اعْتِقَادِهِ حَاجَةٌ، فَالْخَوْضُ فِيهِ إِذًا فُضُولٌ لاَ أَصْل لَهُ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللُّغَةِ:

تَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أَوَّلًا: تَعَلُّمُ اللُّغَةِ:

٥ - تَعَلُّمُ اللُّغَةِ مَشْرُوعٌ بَل وَمَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ حُكْمَ تَعَلُّمِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْ حُكْمِ تَعَلُّمِ غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ.

أ - تَعَلُّمُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ:

٦ - قَال التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْحَصْكَفِيُّ: لِلْعَرَبِيَّةِ فَضْلٌ عَلَى سَائِرِ الأَْلْسُنِ، وَهُوَ لِسَانُ أَهْل الْجَنَّةِ، مَنْ تَعَلَّمَهَا أَوْ عَلَّمَهَا غَيْرَهُ فَهُوَ

_________

(١) إرشاد الفحول ص / ١٤.

(٢) المستصفى ١ / ٣١٨.

مَأْجُورٌ (١)، وَفِي الْحَدِيثِ: أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاَثٍ: لأَِنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلاَمُ أَهْل الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ (٢) .

قَال الشَّافِعِيُّ: لِسَانُ الْعَرَبِ أَوْسَعُ الأَْلْسِنَةِ مَذْهَبًا وَأَكْثَرُهَا أَلْفَاظًا، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْفَضْل فِي اللِّسَانِ مَنْ لِسَانُهُ لِسَانُ النَّبِيِّ ﷺ، وَلاَ يَجُوزُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ أَهْل لِسَانِهِ أَتْبَاعًا لأَِهْل لِسَانٍ غَيْرِ لِسَانِهِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ، بَل كُل لِسَانٍ تَبَعٌ لِلِسَانِهِ، وَكُل أَهْل دِينٍ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِمُ اتِّبَاعُ دِينِهِ (٣) .

وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ وَارِدَيْنِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَكَانَ الْعِلْمُ بِهِمَا مُتَوَقِّفًا عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، وَلاَ سَبِيل إِلَى طَلَبِ فَهْمِهِمَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ كَانَ الْعِلْمُ بِهَا مِنْ أَهَمِّ الْوَاجِبَاتِ (٤) فَعَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مَا بَلَغَ جَهْدُهُ حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَتْلُو بِهِ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَنْطِقُ بِالذِّكْرِ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْبِيرِ، وَأُمِرَ بِهِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّشَهُّدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٥)، وَأَمَّا التَّبَحُّرُ بِعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ مِمَّا لاَ بُدَّ

_________

(١) الدر المختار ٥ / ٢٦٩.

(٢) حديث: " أحبو العرب. . . ". أورده الهيثمي في المجمع (١٠ / ٥٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال: " لسان أهل الجنة عربي " وفيه العلاء ابن عمرو الحنفي وهو مجمع على ضعفه.

(٣) الرسالة للشافعي ص٤٢، ٤٦.

(٤) الموافقات ٢ / ٦٤ بتصرف بسيط.

(٥) الرسالة للشافعي ص٤٨.

مِنْهُ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِذَا أَهْمَلُوا جَمِيعًا أَثِمُوا (١) .

ب - تَعَلُّمُ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ مِنَ اللُّغَاتِ

٧ - يُبَاحُ تَعَلُّمُ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِلأَْفْرَادِ، وَقَدْ تُسْتَحَبُّ لَهُمْ، وَيَجِبُ تَعَلُّمُهَا وُجُوبَ كِفَايَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، كَاتِّقَاءِ شَرِّ الأَْعْدَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، قَال: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ قَال فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، قَال: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ، وَإِذَا كَتَبُوا لَهُ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ: " أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ "، (٣) وَالإِْسْلاَمُ رِسَالَةٌ عَالَمِيَّةٌ، قَال تَعَالَى: ﴿قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُول اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٤)، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا بِلُغَةٍ يَفْهَمُونَهَا وُجُوبَ كِفَايَةٍ (٥) .

_________

(١) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٩ / ٢١٤.

(٢) حديث زيد بن ثابت: " أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم له كتاب. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٦٧ - ٦٨) وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) حديث: " أنه أمر زيد بن ثابت أن يتعلم. . . ". أخرجه أحمد (٥ / ١٨٢) والحاكم (٣ / ٤٢٢) .

(٤) سورة الأعراف / ١٥٨.

(٥) المغني ٩ / ١٠٠، وفتح الباري ١٣ / ١٨٥ - ١٨٦.

ثَانِيًا: تَرْجَمَةُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ

٨ - لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَلْفَاظٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ نَظَرَانِ:

أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَلْفَاظًا وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةً دَالَّةً عَلَى مَعَانٍ مُطْلَقَةٍ وَهِيَ الدَّلاَلَةُ الأَْصْلِيَّةُ.

وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَلْفَاظًا وَعِبَارَاتٍ مُقَيَّدَةً دَالَّةً عَلَى مَعَانٍ خَادِمَةٍ وَهِيَ الدَّلاَلَةُ الثَّابِتَةُ. وَقَدْ بَيَّنَ الشَّاطِبِيُّ حُكْمَ تَرْجَمَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ اللُّغَاتِ بِحَسَبِ كُل وَاحِدٍ مِنَ النَّظَرَيْنِ.

وَالتَّفْصِيل فِي (تَرْجَمَةٌ ف ٣) .

ثَالِثًا: اتِّخَاذُ الْقَاضِي مُتَرْجِمًا

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي مُتَرْجِمًا فَقَدْ يَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ أَعْجَمِيَّانِ لاَ يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا أَوْ عَرَبِيٌّ وَأَعْجَمِيٌّ فَيُفَسِّرُ الْمُتَرْجِمُ لَهُ لُغَةَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اتِّخَاذِ الْقَاضِي لِلْمُتَرْجِمِ وَفِي عَدَدِ مَنْ يَتَّخِذُهُ لِلتَّرْجَمَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَعْجَمِيًّا أَوْ لاَ يَعْرِفُ الْقَاضِي لُغَتَهُ وَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، أَوْ لاَ يَعْرِفُ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ عَدْلَيْنِ يُتَرْجِمَانِ لِلْمُدَّعِي وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَهُ

وَيَفْهَمُ هُوَ أَيْضًا ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَزُفَرَ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: يُقْبَل قَوْل الْوَاحِدِ الْعَدْل فِي التَّرْجَمَةِ (١) .

وَقَال الْخَرَشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: سَمِعَ الْقَرِينَانِ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ إِنِ احْتَكَمَ لِلْقَاضِي خُصُومٌ يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلاَ يَفْقُهُ كَلاَمَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُمْ رَجُلٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُسْلِمٌ، وَاثْنَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ، وَلاَ تُقْبَل تَرْجَمَةُ الْكَافِرِ أَوِ الْعَبْدِ أَوِ الْمَسْخُوطِ، وَلاَ بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْل الْعَفَافِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَتَّخِذُ الْقَاضِي نَدْبًا مُتَرْجِمًا، لأَِنَّهُ قَدْ يَجْهَل لِسَانَ الْخُصُومِ أَوِ الشُّهُودِ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُ لُغَةَ الْخُصُومِ لَمْ يَتَّخِذْهُ، وَشَرْطُهُ أَيِ الْمُتَرْجِمُ عَدَالَةٌ وَحُرِّيَّةٌ وَعَدَدٌ، أَيِ اثْنَانِ وَلَوْ فِي زِنًا وَإِنْ كَانَ شُهُودُهُ كُلُّهُمْ أَعَجَمِيِّينَ لأَِنَّهُ يَنْقُل إِلَى الْقَاضِي قَوْلًا لاَ يَعْرِفُهُ فَأَشْبَهَ الْمُزَكِّيَ وَالشَّاهِدَ، نَعَمْ يَكْفِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِمَا، وَقِيسَ بِهِمَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِنَّ، وَيَكْفِي اثْنَانِ عَنِ الْخَصْمَيْنِ كَشُهُودِ الْفَرْعِ (٣) .

_________

(١) روضة القضاة وطريق النجاة ١ / ١٨٩.

(٢) الخرشي ٧ / ١٤٩.

(٣) نهاية المحتاج ٨ / ٢٤٠.