الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

لَبَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - اللبة فِي اللُّغَةِ وَسَطُ الصَّدْرِ وَالْمَنْحَرُ وَمَوْضِعُ الْقِلاَدَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وَالْجَمْعُ لَبَّاتٌ وَلِبَابٌ (١) . وَاللَّبَّةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ الْمَنْحَرُ مِنَ الصَّدْرِ، وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْل الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي التَّذْكِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلإِْبِل تَحْصُل بِالنَّحْرِ فِي اللَّبَّةِ فِي حَال الاِخْتِيَارِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: بَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بُدَيْل بْنَ وَرْقَاءَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى أَلاَ إِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ (٣) ".

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة (لبب) .

(٢) المغرب ص ٤١٩، وكشاف القناع ٦ / ٢٠٦.

(٣) (٣) حديث أبي هريرة: " بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء. . . ". أخرجه الدارقطني (٤ / ٢٨٣) ونقل الزيلعي في نصب الراية (٤ / ١٨٥) عن ابن عبد الهادي أنه قال: هذا إسناد ضعيف بمرة.

وَحَقِيقَةُ النَّحْرِ عِنْدَهُمْ قَطْعُ الأَْوْدَاجِ فِي اللَّبَّةِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ تَذْكِيَةُ الإِْبِل بِالنَّحْرِ وَحَقِيقَتُهُ الطَّعْنُ فِي اللَّبَّةِ طَعْنًا يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ تَقْطَعِ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَانِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (ذَبَائِحُ ف ٤٣) .

لَبْس

انْظُرْ: الْتِبَاس

لُبْس

انْظُرْ: أَلْبِسَة

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ١٩٢، وروضة الطالبين ٣ / ٢٠٧، وكشاف القناع ٦ / ٢٠٦.

(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ١٠٠، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٣ / ٢٢٠، والشرح الصغير ٢ / ١٥٧ - ١٥٨.

لَبَن

التَّعْرِيفُ:

١ - اللبن فِي اللُّغَةِ: سَائِلٌ أَبْيَضُ يَكُونُ فِي إِنَاثِ الآْدَمِيِّينَ وَالْحَيَوَانِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْجَمْعُ أَلْبَانٌ، وَوَاحِدَتُهُ لَبِنَةٌ.

وَاللِّبَأُ: أَوَّل اللَّبَنِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ، وَلَبَنُ كُل شَجَرَةٍ: مَاؤُهَا عَلَى التَّشْبِيهِ، وَشَاةٌ لَبُونٌ: ذَاتُ اللَّبَنِ غَزِيرَةً كَانَتْ أَوْ بَكِيئَةً (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّبَنِ مِنْ أَحْكَامٍ:

يَتَعَلَّقُ بِاللَّبَنِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:

الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ مِنَ الأَْلْبَانِ وَمَا يَحِل شُرْبُهُ مِنْهَا:

٢ - اللَّبَنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ مِنْ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ مَأْكُول اللَّحْمِ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلاَ خِلاَفٍ (٢)،

_________

(١) مختار الصحاح. والبكيئة: قليلة اللبن.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٦٣، ٥ / ٤٣، وحاشية ابن عابدين ١ / ١٣٨، ٥ / ١٩٤، ٢١٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٠ - ٥١، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، وكشاف القناع ١ / ١٩٤.

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (١) . إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ لَبَنِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي حِل أَكْلِهَا، فَمَا حَل أَكْلُهُ كَانَ لَبَنُهُ طَاهِرًا، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:

أ - لَبَنُ الْفَرَسِ:

٣ - لبن الْفَرَسِ طَاهِرٌ حَلاَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ،. وَاخْتَلَفَ النَّقْل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ فِي سُؤْرِهِ كَمَا فِي لَبَنِهِ، وَقِيل: لاَ بَأْسَ بِلَبَنِهِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي شُرْبِهِ تَقْلِيل آلَةِ الْجِهَادِ (٢) . وَلَبَنُ الْفَرَسِ نَجِسٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِنَاءً عَلَى تَبَعِيَّةِ اللَّبَنِ لِلَّحْمِ، فَقَدْ قَالُوا: لَبَنُ غَيْرِ الآْدَمِيِّ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ فَإِنْ كَانَ لَحْمُهُ طَاهِرًا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَهُوَ الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ الأَْكْل فَلَبَنُهُ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَهُوَ مُحَرَّمُ الأَْكْل فَلَبَنُهُ نَجِسٌ، وَالْفَرَسُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُحَرَّمَةِ عِنْدَهُمْ (٣) .

_________

(١) سورة النحل / ٦٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٦، وتكملة فتح القدير ٨ / ٤٢١، نشر دار إحياء التراث العربي، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٨٠، والمغني ٨ / ٥٩١.

(٣) شرح الدردير مع حاشية الدسوقي ١ / ٥٠ - ٥١، وجواهر الإكليل ١ / ٩، ٢١٨.

ب - لَبَنُ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ:

٤ - رَخَّصَ فِي أَلْبَانِ الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ، بَيْنَمَا هِيَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

ج - لَبَنُ الْجَلاَّلَةِ

٥ - الْجَلاَّلَةُ ذَاتُ اللَّبَنِ مِمَّا يُؤْكَل لَحْمُهُ كَالإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ الَّتِي يَكُونُ أَغْلَبُ أَكْلِهَا النَّجَاسَةَ كَرِهَ شُرْبَ لَبَنِهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - إِذَا ظَهَرَ نَتْنُ مَا تَأْكُلُهُ فِي رِيحِهَا وَعَرَقِهَا. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ شُرْبَ لَبَنِهَا حَرَامٌ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْل الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا (٢) ". وَلأَِنَّ لَحْمَهَا إِذَا تَغَيَّرَ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَبَنُ الْجَلاَّلَةِ طَاهِرٌ، وَلاَ يُكْرَهُ شُرْبُهُ، كَمَا رَخَّصَ الْحَسَنُ فِي لُحُومِهَا وَأَلْبَانِهَا، لأَِنَّ الْحَيَوَانَاتِ لاَ تَنْجُسُ بِأَكْل النَّجَاسَاتِ بِدَلِيل أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ لاَ يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أَعْضَائِهِ (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٦، ومغني المحتاج ١ / ٨٠، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، وكشاف القناع ١ / ١٩٥، والمغني ٨ / ٥٨٧، وجواهر الإكليل ١ / ٩، ٢١٨، والدسوقي ١ / ٥٠ - ٥١، ٢ / ١١٧.

(٢) (٣) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٧٠) وقال: حديث حسن غريب.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٤٠، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢١٦، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٦ - ٢١٧، ومغني المحتاج ٤ / ٣٠٤، وأسنى المطالب ١ / ٥٦٨، والمغني ٨ / ٥٩٣ - ٥٩٤.

د - لَبَنُ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ:

٦ - لَبَنُ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ مِنَ الْحَيَوَانِ نَجِسٌ وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اللَّبَنَ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَكَانَ نَجِسًا كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ. وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَبَنُ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ طَاهِرٌ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَْنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (١) "، وَصَفَ اللَّبَنَ مُطْلَقًا بِالْخُلُوصِ وَالسُّيُوغِ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَهَذَا آيَةُ الطَّهَارَةِ، وَكَذَا الآْيَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الاِمْتِنَانِ، وَالْمِنَّةُ فِي مَوْضِعِ النِّعْمَةِ تَدُل عَلَى الطَّهَارَةِ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَكَلُوا الْجُبْنَ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ، وَهُوَ يُعْمَل بِالإِْنْفَحَةِ، وَهِيَ تُؤْخَذُ مِنْ صِغَارِ الْمَعْزِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ (٢) . مَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيَوَانِ الْحَيِّ الْمَأْكُول اللَّحْمِ وَمَيْتَتِهِ،

٧ - وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ

_________

(١) سورة النحل / ٦٦.

(٢) بدائع الصنائع ١ / ٦٣، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٤٠، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٨٠، والمغني ١ / ٧٤.

لَبَنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا نَجِسٌ حَيَّةً كَانَتْ أَوْ مَيِّتَةً، يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: حُكْمُ الأَْلْبَانِ حُكْمُ اللَّحْمَانِ (١)، وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لَبَنُ مَا لاَ يُؤْكَل كَلَبَنِ الأَْتَانِ نَجِسٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُسْتَحِيلاَتِ فِي الْبَاطِنِ فَهُوَ نَجِسٌ (٢)، وَفِي جَوَاهِرِ الإِْكْلِيل: لَبَنُ غَيْرِ الآْدَمِيِّ الْمَحْلُوبِ فِي حَال الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا (٣)، وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْحِمَارُ الأَْهْلِيُّ لَحْمُهُ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ لَبَنُهُ (٤) .

لَبَنُ الآْدَمِيِّ:

٨ - لَبَنُ الآْدَمِيِّ الْحَيِّ طَاهِرٌ بِاتِّفَاقٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ امْرَأَةٍ أَمْ مِنْ رَجُلٍ إِذْ لاَ يَلِيقُ بِكَرَامَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْشَؤُهُ نَجِسًا. أَمَّا لَبَنُ الآْدَمِيِّ الْمَيِّتِ فَهُوَ طَاهِرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ اللَّبَنَ لاَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بَل هُوَ طَاهِرٌ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ تَنَجَّسَ الْوِعَاءُ الأَْصْلِيُّ لَهُ، وَنَجَاسَةُ الظَّرْفِ إِنَّمَا تُوجِبُ نَجَاسَةَ الْمَظْرُوفِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الظَّرْفُ مَعْدِنًا لِلْمَظْرُوفِ وَمَوْضِعًا لَهُ فِي الأَْصْل، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الأَْصْل مَوْضِعُهُ وَمَظَانُّهُ فَنَجَاسَتُهُ لاَ تُوجِبُ نَجَاسَةَ الْمَظْرُوفِ.

_________

(١) المغني ٨ / ٥٨٧.

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٢٢٧.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٩.

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٢٩٠.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ لَبَنَ الآْدَمِيِّ الْمَيِّتِ نَجِسٌ، وَقِيل: إِنَّهُ طَاهِرٌ (١) .

بَيْعُ اللَّبَنِ:

٩ - بَيْعُ لَبَنِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ بَعْدَ حَلْبِهِ جَائِزٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِدَّةِ مَسَائِل.

أ - بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ:

١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ. وَقَدْ عَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مَجْهُول الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ، فَقَدْ يَرَى امْتِلاَءَ الضَّرْعِ مِنَ السِّمَنِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ اللَّبَنِ، وَلأَِنَّ اللَّبَنَ قَدْ يَكُونُ صَافِيًا وَقَدْ يَكُونُ كَدِرًا، وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، وَلأَِنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ.

وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ الْمَنْعَ بِأَنَّ اللَّبَنَ لاَ يَجْتَمِعُ فِي الضَّرْعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، بَل شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ الْمَبِيعُ مَعْجُوزَ التَّسْلِيمِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَلاَ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ (٢) ".

_________

(١) بدائع الصنائع ٤ / ٨ - ٩، والدسوقي ١ / ٥٠ - ٥١، والحطاب ١ / ٩٣، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، والمغني ٤ / ٢٨٨، ٧ / ٥٤٠.

(٢) (٣) حديث: " نهى أن يباع صوف على ظهر غنم، أو لبن في ضرع " أخرجه الدارقطني (٣ / ١٤) والبيهقي (٥ / ٣٤٠) ورجح البيهقي أن المحفوظ هو عن ابن عباس موقوفًا عليه.

وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْعَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ لِشِيَاهٍ بِأَعْيَانِهَا فِي إِبَّانِ لَبَنِهَا إِذَا سَمَّى شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً وَكَانَ قَدْ عَرَفَ وَجْهَ حِلاَبِهَا وَكَانَتِ الْغَنَمُ كَثِيرَةً. أَمَّا إِنْ كَانَ الشَّاةَ أَوِ الشَّاتَيْنِ فَاشْتَرَى رَجُلٌ حِلاَبَهَا عَلَى كَذَا وَكَذَا شَهْرًا بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَلاَ، إِلاَّ أَنْ يَبِيعَ لَبَنَهَا كَيْلًا كُل قِسْطٍ بِكَذَا وَكَذَا. وَكَذَلِكَ أَجَازَ بَيْعَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ الْحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَكَرِهَهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ (١) .

بَيْعُ لَبَنِ الآْدَمِيِّ:

١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ لَبَنِ الآْدَمِيَّةِ إِذَا حُلِبَ، لأَِنَّهُ لَبَنٌ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَلأَِنَّهُ لَبَنٌ أُبِيحَ شُرْبُهُ، فَأُبِيحَ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الأَْنْعَامِ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي إِجَارَةِ الظِّئْرِ، فَأَشْبَهَ الْمَنَافِعَ. وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْل جَمَاعَةٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ بِمَالٍ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالْمَعْقُول، أَمَّا

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠٨، والمدونة ٤ / ٢٩٦ - ٢٩٧، ونهاية المحتاج ٣ / ٤١٦، والمهذب ١ / ٢٧٣، والمغني ٤ / ٢٣١.

إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِالْقِيمَةِ، وَبِالْعَقْرِ بِمُقَابَلَةِ الْوَطْءِ، وَمَا حَكَمَا بِوُجُوبِ قِيمَةِ اللَّبَنِ بِالاِسْتِهْلاَكِ، وَلَوْ كَانَ مَالًا لَحَكَمَا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَأَمَّا الْمَعْقُول فَلأَِنَّهُ لاَ يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا عَلَى الإِْطْلاَقِ، بَل لِضَرُورَةِ تَغْذِيَةِ الطِّفْل، وَمَا حَرُمَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ لاَ يَكُونُ مَالًا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّ النَّاسَ لاَ يَعُدُّونَهُ مَالًا، وَلاَ يُبَاعُ فِي سُوقٍ مِنَ الأَْسْوَاقِ، وَلأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الآْدَمِيِّ، وَالآْدَمِيُّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُحْتَرَمٌ مُكَرَّمٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالاِحْتِرَامِ ابْتِذَالُهُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

وَكَرِهَ بَيْعَهُ أَحْمَدُ (١) .

وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ فَرْقَ بَيْنَ لَبَنِ الْحُرَّةِ وَلَبَنِ الأَْمَةِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ، لأَِنَّ الآْدَمِيَّ لَمْ يُجْعَل مَحَلًّا لِلْبَيْعِ إِلاَّ بِحُلُول الرِّقِّ فِيهِ، وَالرِّقُّ لاَ يَحِل إِلاَّ فِي الْحَيِّ، وَاللَّبَنُ لاَ حَيَاةَ فِيهِ، فَلاَ يُحِلُّهُ الرِّقُّ، فَلاَ يَكُونُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الأَْمَةِ لأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنْ آدَمِيٍّ هُوَ مَالٌ، فَكَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهِ (٢) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٥، والفروق للقرافي وتهذيبه ٣ / ٢٤٠ - ٢٤١، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٧، والمغني ٤ / ٢٨٨.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٥.