الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
لُبْسِهِ تَشَبُّهٌ بِهِنَّ (١) . وَنَقَل الرَّمْلِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَةَ لُبْسِ اللُّؤْلُؤِ لِلرِّجَال، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِلرَّجُل أَنْ يَتَحَلَّى بِاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ (٣) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٥ / ٢٦٩ - ٢٧٠.
(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٣٦١.
(٣) كشاف القناع ٢ / ٢٣٩، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٥١١
لاَحِقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - اللاحق فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ لَحِقَ، يُقَال: لَحِقْتُ بِهِ أَلْحَقُ لَحَاقًا: أَدْرَكْتُهُ، وَأَلْحَقْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو: أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ اصْطِلاَحٌ خَاصٌّ بِهِمْ - بِأَنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ الرَّكَعَاتُ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ بِعُذْرٍ، كَغَفْلَةٍ وَزَحْمَةٍ وَسَبْقِ حَدَثٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ سَبَقَ إِمَامَهُ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (٢) . وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ أَوَّل الصَّلاَةِ وَفَاتَهُ مِنَ الآْخِرِ بِسَبَبِ النَّوْمِ أَوِ الْحَدَثِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَسْبُوقُ:
٢ - المسبوق - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَنْ سَبَقَهُ الإِْمَامُ
_________
(١) المصباح المنير، والصحاح مادة: (لحق) .
(٢) الدر المختار بهامش رد المختار ١ / ٣٩٩.
(٣) تبيين الحقائق للزيلعي ١ / ١٣٨
بِكُل الرَّكَعَاتِ، بِأَنِ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأَْخِيرَةِ، أَوْ بِبَعْضِهَا بِأَنِ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى (١) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللاَّحِقِ وَالْمَسْبُوقِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ تَفُوتُهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَوَّل الصَّلاَةِ، وَاللاَّحِقُ تَفُوتُهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ آخِرِ الصَّلاَةِ أَوْ وَسَطِهَا، وَهَذَا إِذَا كَانَ اقْتِدَاؤُهُ فِي أَوَّل الصَّلاَةِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلاَةِ بِالنَّوْمِ أَوْ نَحْوِهِ يَكُونُ لاَحِقًا مَسْبُوقًا، كَمَا حَرَّرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (٢) .
ب - الْمُدْرِكُ:
٣ - المدرك - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - مَنْ صَلَّى الصَّلاَةَ كَامِلَةً مَعَ الإِْمَامِ، أَيْ أَدْرَكَ جَمِيعَ رَكَعَاتِهَا مَعَهُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ مَعَهُ التَّحْرِيمَةَ، أَوْ أَدْرَكَهُ فِي جُزْءٍ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى إِلَى أَنْ قَعَدَ مَعَهُ الْقَعْدَةَ الأَْخِيرَةَ. فَالْمُدْرِكُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ رَكَعَاتِ صَلاَتِهِ بِخِلاَفِ اللاَّحِقِ وَالْمَسْبُوقِ (٣) .
الْحَالاَتُ الَّتِي يَشْمَلُهَا حُكْمُ اللاَّحِقِ
٤ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ اللاَّحِقَ يَشْمَل حَالاَتٍ مُخْتَلِفَةً فِي بَعْضِهَا يَكُونُ التَّخَلُّفُ بِعُذْرٍ، كَمَا إِذَا نَامَ الْمُؤْتَمُّ بَعْدَ الاِقْتِدَاءِ بِالإِْمَامِ نَوْمًا
_________
(١) رد المحتار وبهامشه الدر المختار ١ / ٤٠٠ - ٤٠١.
(٢) نفس المرجع ١ / ٣٩٩.
(٣) نفس المرجع
لاَ يُنْقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ، أَوْ زُوحِمَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ النَّاسِ فِي الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَدَاءِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى مَعَ الإِْمَامِ وَقَدَرَ عَلَى الْبَاقِي، أَوْ سَبَقَهُ حَدَثٌ فَخَرَجَ مِنَ الصَّفِّ لِلْوُضُوءِ فَفَاتَتْهُ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ثُمَّ عَادَ، أَوِ الطَّائِفَةُ الأُْولَى فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ الَّذِينَ بِهِمُ الإِْمَامُ أَوَّل الصَّلاَةِ فَرَجَعُوا إِلَى مَكَانِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (١) .
وَيَكُونُ التَّخَلُّفُ فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا إِذَا سَبَقَ إِمَامَهُ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَيَقْضِي رَكْعَةً، لأَِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَبْل الإِْمَامِ لَغْوٌ فَيَنْتَقِل مَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الأُْولَى فَبَقِيَتْ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ هُوَ لاَحِقٌ فِيهَا، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللاَّحِقِ
أَوَّلًا - كَيْفِيَّةُ إِتْمَامِ صَلاَةِ اللاَّحِقِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ الصَّلاَةَ إِذَا سَبَقَهُ الإِْمَامُ بِرُكْنٍ أَوْ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَهُمَا فِي الصَّلاَةِ وَيُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ لاَحِقًا بَيْنَمَا لاَ يَصْطَلِحُ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ، وَفِيمَا يَلِي حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِوَصْفِهِ لاَحِقًا، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ.
٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: اللاَّحِقُ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي
_________
(١) رد المحتار ١ / ٣٩٩، والفتاوى الهندية ١ / ٩٢.
(٢) رد المحتار وبهامشه الدر المختار ١ / ٣٩٩ - ٤٠٠
خَلْفَ الإِْمَامِ فَيُصَلِّي عَلَى تَرْتِيبِ صَلاَةِ الإِْمَامِ، فَيَبْدَأُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بِعُذْرٍ بِلاَ قِرَاءَةٍ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِذَا سَهَا فِيهِ، ثُمَّ يُتَابِعُ الإِْمَامَ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ فَرَغَ عَكْسَ الْمَسْبُوقِ، فَإِنَّهُ يُتَابِعُ إِمَامَهُ ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ وَيَقْرَأُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِذَا سَهَا فِيهِ، وَلاَ يَتَغَيَّرُ فَرْضُ اللاَّحِقِ بِنِيَّةِ الإِْقَامَةِ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا بِخِلاَفِ الْمَسْبُوقِ.
وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل أَنَّ اللاَّحِقَ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي خَلْفَ الإِْمَامِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤْتَمِّ، وَالْمُؤْتَمُّ لاَ قِرَاءَةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا سَهَا لاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ إِذَا سَهَا فِيمَا يَقْضِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ السَّجْدَةُ وَالْقِرَاءَةُ لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ (١) .
وَإِذَا كَانَ اللاَّحِقُ مَسْبُوقًا أَيْضًا بِأَنِ اقْتَدَى فِي أَثْنَاءِ صَلاَةِ الإِْمَامِ وَسُبِقَ بِرَكْعَةٍ يُصَلِّي مَا سُبِقَ بِهِ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ: لَوْ سُبِقَ بِرَكْعَةٍ مِنْ ذَوَاتِ الأَْرْبَعِ، وَنَامَ فِي رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّي أَوَّلًا مَا نَامَ فِيهِ، ثُمَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الإِْمَامِ ثُمَّ مَا سُبِقَ بِهِ فَيُصَلِّي رَكْعَةً مِمَّا نَامَ فِيهِ مَعَ الإِْمَامِ وَيَقْعُدُ مُتَابَعَةً لَهُ لأَِنَّهَا ثَانِيَةُ إِمَامِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي الأُْخْرَى مِمَّا نَامَ فِيهِ وَيَقْعُدُ لأَِنَّهَا ثَانِيَتُهُ ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي انْتَبَهَ فِيهَا، وَيَقْعُدُ مُتَابَعَةً لإِمَامِهِ لأَِنَّهَا رَابِعَةٌ،
_________
(١) الدر المختار مع حاشية رد المحتار ١ / ٤٠٠، وبدائع الصنائع للكاساني ١ / ١٧٥، والفتاوى الهندية ١ / ٩٢.
وَكُل ذَلِكَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، لأَِنَّهُ مُقْتَدٍ، ثُمَّ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الَّتِي سُبِقَ بِهَا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ (١) .
وَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي إِتْمَامِ صَلاَةِ اللاَّحِقِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ - خِلاَفًا لِزُفَرَ - حَتَّى لَوِ صَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي أَدْرَكَهَا مَعَ الإِْمَامِ ثُمَّ مَا نَامَ فِيهِ، ثُمَّ مَا سُبِقَ بِهِ، أَوْ صَلَّى أَوَلاَ مَا سُبِقَ بِهِ ثُمَّ مَا نَامَ فِيهِ ثُمَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الإِْمَامِ أَوْ عَكَسَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ عِنْدَهُمْ خِلاَفًا لِزُفَرَ (٢) .
٧ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ:
إِنْ زُوحِمَ مُؤْتَمٌّ عَنْ رُكُوعٍ مَعَ إِمَامٍ حَتَّى رَفَعَ الإِْمَامُ رَأْسَهُ مِنْهُ مُعْتَدِلًا مُطْمَئِنًّا قَبْل إِتْيَانِ الْمَأْمُومِ بِأَدْنَى الرُّكُوعِ، أَوْ نَعَسَ أَيْ نَامَ الْمُؤْتَمُّ نَوْمًا خَفِيفًا لاَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَوْ حَصَل لَهُ نَحْوُهُ كَسَهْوٍ وَإِكْرَاهٍ وَحُدُوثِ مَرَضٍ مَنَعَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مَعَ إِمَامِهِ اتَّبَعَ الْمَأْمُومُ الإِْمَامَ أَيْ فَعَل مَا فَاتَهُ بِهِ إِمَامُهُ لِيُدْرِكَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ سُجُودٍ أَوْ جُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وُجُوبًا، وَهَذَا إِذَا حَصَل الْمَانِعُ لِلْمَأْمُومِ فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى، لِثُبُوتِ مَأْمُومِيَّتِهِ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى مَا لَمْ يَرْفَعِ الإِْمَامُ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ غَيْرِ الأُْولَى بِأَنِ اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الإِْمَامَ فِي ثَانِيَةِ سَجْدَتَيْهِ، فَإِنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ أَوْ
_________
(١) (١) حاشية رد المحتار ١ / ٤٠٠، وشرح منية المصلي ص٤٦٩ - ٤٧٠
(٢) (٢) شرح منية المصلي ص٤٦٩ - ٤٧٠، ورد المحتار ١ / ٤٠٠، والفتاوى الهندية ١ / ٩٢.
ظَنَّهُ فَاتَّبَعَهُ فَرَفَعَ الإِْمَامُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ قَبْل أَنْ يَلْحَقَهُ فِيهَا أَلْغَى مَا فَعَلَهُ وَانْتَقَل مَعَ الإِْمَامِ فِيمَا هُوَ فِيهِ، وَيَقْضِي رَكْعَةً بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ، هَذَا فِي غَيْرِ الأُْولَى.
أَمَّا فِي الأُْولَى فَمَتَى رَفَعَ الإِْمَامُ مِنَ الرُّكُوعِ مُعْتَدِلًا مُطْمَئِنًّا تَرَكَ الرُّكُوعَ الَّذِي فَاتَهُ مَعَهُ فَيَخِرُّ سَاجِدًا إِنْ كَانَ الإِْمَامُ مُتَلَبِّسًا بِهِ، وَيَقْضِي رَكْعَةً بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ، فَإِنْ خَالَفَ وَرَكَعَ وَلَحِقَهُ بَطَلَتْ إِنِ اعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ لأَِنَّهُ قَضَاءٌ فِي صُلْبِ صَلاَةِ الإِْمَامِ، وَإِنْ أَلْغَاهُ لَمْ تَبْطُل وَيَحْمِلُهُ عَنْهُ الإِْمَامُ.
وَإِذَا زُوحِمَ عَنْ سَجْدَةٍ أَوْ سَجْدَتَيْنِ مِنَ الأُْولَى أَوْ غَيْرِهَا فَلَمْ يَسْجُدْهَا حَتَّى قَامَ الإِْمَامُ لِمَا تَلِيهَا فَإِنْ لَمْ يَطْمَعْ فِي سُجُودِهَا قَبْل عَقْدِ إِمَامِهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي تَلِيهَا تَمَادَى وُجُوبًا عَلَى تَرْكِ السَّجْدَةِ أَوِ السَّجْدَتَيْنِ وَتَبِعَ إِمَامَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، وَقَضَى رَكْعَةً بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ، وَإِنْ طَمِعَ فِيهَا قَبْل عَقْدِ إِمَامِهِ سَجَدَهَا وَتَبِعَهُ فِي عَقْدِ مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ تَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَلَمْ يُدْرِكْهُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ الرَّكْعَةُ الأُْولَى لِعَدَمِ الإِْتْيَانِ بِسُجُودِهَا، وَالثَّانِيَةُ لِعَدَمِ إِدْرَاكِ رُكُوعِهَا مَعَهُ.
وَإِنْ تَمَادَى عَلَى تَرْكِ السَّجْدَةِ وَقَضَى رَكْعَةً لاَ سُجُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ سَلاَمِهِ لِزِيَادَةِ رَكْعَةِ النَّقْصِ إِذِ الإِْمَامُ يَحْمِلُهَا عَنْهُ، وَذَلِكَ إِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَهُ، وَأَمَّا إِنْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا وَقَضَى الرَّكْعَةَ
فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ لاِحْتِمَال زِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ (١) .
وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْغَفْلَةِ وَالنُّعَاسِ وَالْمُزَاحَمَةِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ فِي أَنَّهُ يُبَاحُ مَعَهَا قَضَاءُ مَا فَاتَ، وَنَقَل الْمَوَّاقُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمُزَاحِمَ أُعْذِرَ، لأَِنَّهُ مَغْلُوبٌ (٢) وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَى أَنَّ الْمُزَاحَمَةَ بِخِلاَفِ الْغَفْلَةِ وَالنُّعَاسِ، فَلاَ يُبَاحُ مَعَهَا قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنَ الرُّكُوعِ، لأَِنَّ الزِّحَامَ فِعْل آدَمِيٍّ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ فَعُدَّ الْمُزَاحِمُ عَنِ الرُّكُوعِ مُقَصِّرًا فَتُلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَالنَّاعِسُ وَالْغَافِل مَغْلُوبَانِ بِفِعْل اللَّهِ ﷾ فَعُذِرَا (٣) .
٨ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ عَامِدًا بِلاَ عُذْرٍ بِأَنْ فَرَغَ الإِْمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ، كَأَنْ رَفَعَ الإِْمَامُ رَفْعَ الاِعْتِدَال وَالْمَأْمُومُ فِي قِيَامِ الْقِرَاءَةِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ تَخَلُّفٌ يَسِيرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ طَوِيلًا كَالْمِثَال الْمُتَقَدِّمِ أَمْ قَصِيرًا كَأَنْ رَفَعَ الإِْمَامُ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأُْولَى وَهَوَى مِنَ الْجِلْسَةِ بَعْدَهَا لِلسُّجُودِ وَالْمَأْمُومُ فِي السَّجْدَةِ الأُْولَى.
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ: تَبْطُل لِمَا
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٦٩ - ٧٠، والشرح الكبير بهامش الدسوقي ١ / ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) التاج والإكليل بهامش الحطاب ٢ / ٥٤.
(٣) نفس المرجع السابق.
فِيهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. أَمَّا إِذَا تَخَلَّفَ بِدُونِ رُكْنٍ، كَأَنْ رَكَعَ الإِْمَامُ دُونَ الْمَأْمُومِ ثُمَّ لَحِقَهُ قَبْل أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، أَوْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ بِعُذْرٍ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ قَطْعًا. وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ بِأَنْ فَرَغَ الإِْمَامُ مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، كَأَنْ تَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ السُّورَةِ أَوْ لِتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، لِكَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَا طَوِيلَيْنِ أَوْ طَوِيلًا وَقَصِيرًا. وَإِنْ كَانَ عُذْرٌ بِأَنْ أَسْرَعَ الإِْمَامُ قِرَاءَتَهُ مَثَلًا، أَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ الإِْمَامُ قَبْل إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فَقِيل يَتْبَعُهُ لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ، وَتَسْقُطُ الْبَقِيَّةُ لِلْعُذْرِ فَأَشْبَهَ الْمَسْبُوقَ، وَالصَّحِيحُ: لاَ يَتْبَعُهُ بَل يُتِمُّهَا وُجُوبًا، وَيَسْعَى خَلْفَ الإِْمَامِ عَلَى نَظْمِ صَلاَةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَرْكَانٍ بَل بِثَلاَثَةٍ فَمَا دُونَهَا - كَمَا قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ - مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ الطَّوِيلَةُ أَخْذًا مِنْ صَلاَتِهِ ﷺ بِعُسْفَانَ، فَلاَ يُعَدُّ مِنْهُمَا الْقَصِيرُ، وَهُوَ الاِعْتِدَال وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّلاَثَةِ فَقِيل: يُفَارِقُهُ بِالنِّيَّةِ لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ. وَالأَْصَحُّ: لاَ تَلْزَمُهُ الْمُفَارَقَةُ بَل يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلاَمِ الإِْمَامِ مَا فَاتَهُ كَالْمَسْبُوقِ.
وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ لِشَغْلِهِ بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ أَوِ التَّعَوُّذِ وَقَدْ رَكَعَ الإِْمَامُ فَمَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ لإِتْمَامِهَا كَبَطِيءِ الْقِرَاءَةِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ (١) .
٩ - وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الإِْمَامَ إِذَا سَبَقَ الْمَأْمُومَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ، مِثْل أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْفَعَ قَبْل رُكُوعِ الْمَأْمُومِ لِعُذْرٍ مِنْ نُعَاسٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ عَجَلَةِ الإِْمَامِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَفْعَل مَا سُبِقَ بِهِ وَيُدْرِكُ إِمَامَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَحَكَى فِي الْمُسْتَوْعَبِ رِوَايَةً أَنَّهُ لاَ يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. وَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ إِمَامَهُ، وَيَقْضِي مَا سَبَقَهُ بِهِ كَالْمَسْبُوقِ، قَال أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الإِْمَامِ حَتَّى رَكْعَتَيْنِ قَال: كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ رَكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: يُعِيدُ الصَّلاَةَ. وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ وَأَقَل مِنْ رَكْعَةٍ ثُمَّ زَال عُذْرُهُ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتْبَعُ إِمَامَهُ، وَلاَ يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَقَل مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَأَدْرَكَ إِمَامَهُ، ثُمَّ نُقِل عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ فِيمَنْ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ زَوَال الزِّحَامِ ثُمَّ يَسْجُدُ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٢٥٦ - ٢٥٧.