الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
تَعْيِينُ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكَيْل
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَعْلُومًا مُبَيَّنًا بِمَا يَرْفَعُ الْجَهَالَةَ وَيَسُدُّ بَابَ الْمُنَازَعَةِ عِنْدَ تَسْلِيمِهِ، كَمَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِهِ (١)، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٢) .
وَهَل يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمِقْدَارِ بِالْكَيْل فِي الْمَكِيلاَتِ؟ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ:
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُ الْمَكِيل بِالْكَيْل، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ سَوَاءٌ بِالْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ (٣)، قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَكِيلًا فَأَعْلَمَ قَدْرَهُ بِالْوَزْنِ الْمَعْلُومِ، أَوْ كَانَ مَوْزُونًا فَأَعْلَمَ قَدْرَهُ بِالْكَيْل الْمَعْلُومِ جَازَ، لأَِنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ بِمِعْيَارٍ يُؤْمَنُ فَقْدُهُ وَقَدْ وُجِدَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا بَاعَ الْمَكِيل بِالْمَكِيل وَزْنًا بِوَزْنٍ مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ أَوْ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِالْمَوْزُونِ كَيْلًا بِكَيْلٍ مُتَسَاوِيًا فِي الْكَيْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ، لأَِنَّ شَرْطَ السَّلَمِ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَالْعِلْمُ بِالْقَدْرِ كَمَا يَحْصُل
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٧، والخرشي ٥ / ٢١٣، ونهاية المحتاج ٤ / ١٩٠، والمغني ٤ / ٣١٠.
(٢) حديث: " من أسلف في شيء. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٩) ومسلم (٣ / ١٢٢٧) من حديث ابن عباس، واللفظ للبخاري.
(٣) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٧.
بِالْكَيْل يَحْصُل بِالْوَزْنِ.
فَأَمَّا شَرْطُ الْكَيْل وَالْوَزْنِ فِي الأَْشْيَاءِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الْكَيْل وَالْوَزْنِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ فَثَبَتَ نَصًّا، فَكَانَ بَيْعُهَا بِالْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ مُجَازَفَةً فَلاَ يَجُوزُ (١) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، لَكِنِ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ بَعْضَ الأَْجْنَاسِ، فَلاَ يُسْلَمُ فِيهَا إِلاَّ بِالْوَزْنِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَيَصِحُّ سَلَمُ الْمَكِيل وَزْنًا، وَعَكْسُهُ أَيِ الْمَوْزُونُ الَّذِي يَتَأَتَّى كَيْلُهُ كَيْلًا، وَحَمَل الإِْمَامُ إِطْلاَقَ الأَْصْحَابِ جَوَازَ كَيْل الْمَوْزُونِ عَلَى مَا يُعَدُّ الْكَيْل فِي مِثْلِهِ ضَابِطًا، بِخِلاَفِ نَحْوِ فُتَاتِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ لأَِنَّ لِلْقَدْرِ الْيَسِيرِ مِنْهُ مَالِيَّةً كَثِيرَةً وَالْكَيْل لاَ يُعَدُّ ضَابِطًا فِيهِ.
وَاسْتَثْنَى الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ النَّقْدَيْنِ أَيْضًا، فَلاَ يُسْلَمُ فِيهِمَا إِلاَّ بِالْوَزْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي كُل مَا فِيهِ خَطَرٌ فِي التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْكَيْل وَالْوَزْنِ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مِنْ شُرُوطِ السَّلَمِ عِلْمُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِمِعْيَارِهِ الْعَادِيِّ فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ (٣) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي جَوَازِ سَلَمِ الْمَكِيل وَزْنًا أَوْ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٨.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٠٧.
(٣) المواق بهامش الحطاب ٤ / ٥٣٠.
بِالْعَكْسِ رِوَايَتَانِ: قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ أَسْلَمَ فِيمَا يُكَال وَزْنًا، أَوْ فِيمَا يُوزَنُ كَيْلًا فَنَقَل الأَْثْرَمُ أَنَّهُ سَأَل أَحْمَدَ فِي التَّمْرِ وَزْنًا، فَقَال: لاَ، إِلاَّ كَيْلًا، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ هَاهُنَا لاَ يَعْرِفُونَ الْكَيْل، قَال: وَإِنْ كَانُوا لاَ يَعْرِفُونَ الْكَيْل، فَيَحْتَمِل هَذَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي الْمَكِيل إِلاَّ كَيْلًا، وَلاَ فِي الْمَوْزُونِ إِلاَّ وَزْنًا. ثُمَّ نَقَل قَوْل الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيل وَزْنًا، وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا، لأَِنَّ اللَّبَنَ لاَ يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَقَدْ أَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ بِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (١) .
اشْتِرَاطُ الْكَيْل فِي بَيْعِ الْمَكِيل
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَكِيلاَتِ قَبْل الْقَبْضِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ اشْتَرَى مَكِيلًا مُكَايَلَةً أَوْ مَوْزُونًا مُوَازَنَةً فَاكْتَالَهُ أَوِ اتَّزَنَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَلاَ أَنْ يَأْكُلَهُ حَتَّى يُعِيدَ الْكَيْل وَالْوَزْنَ (٢)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٣١٨ - ٣١٩.
(٢) الهداية مع الفتح ٥ / ٢٦٧.
الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ: صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي (١) ".
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ كَيْل الْمَبِيعِ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ فَقَالُوا: لَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا. كَحِنْطَةٍ كَيْلًا اشْتُرِطَ فِي قَبْضِهِ مَعَ النَّقْل كَيْلَهُ بِأَنْ يُكَال، وَذَلِكَ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ (٢) "، قَال الشِّرْبِينِيُّ: فَدَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْصُل فِيهِ الْقَبْضُ إِلاَّ بِالْكَيْل. فَتَعَيَّنَ فِيمَا قُدِّرَ بِكَيْلٍ الْكَيْل (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِكَيْلِهِ ثُمَّ بَاعَهُ بِذَلِكَ الْكَيْل فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَانَ طَعَامًا وَآخَرُ يُشَاهِدُهُ فَلِمَنْ شَاهَدَ الْكَيْل شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ ثَانٍ، لأَِنَّهُ شَاهَدَ كَيْلَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ كِيل لَهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى كَيْلٍ لِلْخَبَرِ (٤) .
_________
(١) حديث: " نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥٧٠) من حديث جابر، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ١٦) .
(٢) حديث: " من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٦٠) من حديث ابن عباس.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٧٣.
(٤) الشرح الكبير بذيل المغني ٤ / ٣٦.
لُؤْلُؤٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - اللؤلؤ مَعْرُوفٌ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ جَمْعُ لُؤْلُؤَةٍ، وَهِيَ الدُّرَّةُ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لآَلِئُ. وَيُقَال تَلأَْلأَ النَّجْمُ وَالْقَمَرُ وَالنَّارُ وَالْبَرْقُ:. أَضَاءَ وَلَمَعَ. وَفِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ: يَتَكَوَّنُ اللُّؤْلُؤُ فِي الأَْصْدَافِ مِنْ رَوَاسِبَ أَوْ جَوَامِدَ صُلْبَةٍ لَمَّاعَةٍ مُسْتَدِيرَةٍ فِي بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَائِيَّةِ الدَّنِيَّا مِنَ الرِّخْوِيَّاتِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَتَعَلَّقُ بِاللُّؤْلُؤِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - زَكَاةُ اللُّؤْلُؤِ
٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي لُؤْلُؤٍ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ - وَإِنْ سَاوَتْ أُلُوفًا كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ - لأَِنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلاِسْتِعْمَال
_________
(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط.
فَأَشْبَهَتِ الْمَاشِيَةَ الْعَامِلَةَ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ فَيَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: لاَ زَكَاةَ فِيمَا سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الْجَوَاهِرِ كَالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزَّبَرْجَدِ. وَإِنْ حَسُنَتْ صَنْعَتُهَا وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا. وَقَال الزُّهْرِيُّ: يَجِبُ الْخُمُسُ فِي اللُّؤْلُؤِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ، لأَِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَعْدِنٍ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ عَنْ مَعْدِنِ الأَْرْضِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ، لأَِنَّهُ صَيْدٌ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ كَصَيْدِ الْبَرِّ، وَلأَِنَّهُ لاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ فِيهِ، وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، فَلاَ وَجْهَ لإِيجَابِهَا فِيهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (زَكَاةٌ ف) .
ب - رَمْيُ الْجِمَارِ بِاللُّؤْلُؤِ
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ اللُّؤْلُؤُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ، لاِشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَرْمِيِّ مِنْ أَجْزَاءِ الأَْرْضِ، وَكَوْنِ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا، وَلأَِنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ بِاللُّؤْلُؤِ فِيهِ إِعْزَازٌ لاَ إِهَانَةَ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٦١، ومغني المحتاج ١ / ٣٩٤، والمجموع للنووي ٦ / ٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٥، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٧ - ٢٨.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٨٠، والقليوبي وعميرة ٢ / ١٢١، وحاشية الدسوقي والشرح الكبير ٢ / ٥٠، وكشاف القناع ٢ / ٥٠١، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٠.
ج - السَّلَمُ فِي اللُّؤْلُؤِ:
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا لَوِ اسْتَقْصَى وَصْفَهُ - الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ فِي السَّلَمِ - عَزَّ وُجُودُهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْحَجْمِ وَالشَّكْل وَالْوَزْنِ وَالصَّفَاءِ، وَاجْتِمَاعُ مَا يُذْكَرُ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الأَْوْصَافِ نَادِرٌ، أَمَّا اللُّؤْلُؤُ الصِّغَارُ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا كَيْلًا وَوَزْنًا، وَلاَ نَظَرَ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فِيهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي اللُّؤْلُؤِ إِلاَّ أَنْ يَنْدُرَ وُجُودُهُ لِكَوْنِهِ كَبِيرًا كِبَرًا خَارِجًا عَنِ الْمُعْتَادِ فَلاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ السَّلَمِ فِي اللُّؤْلُؤِ مُطْلَقًا، لأَِنَّهُ لاَ يَنْضَبِطُ كَالْجَوَاهِرِ كُلِّهَا، لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ اخْتِلاَفًا مُتَبَايِنًا بِالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْحُسْنِ وَالتَّدْوِيرِ وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا (١) .
د - اللُّؤْلُؤُ فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ الْمَبِيعَةِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اللُّؤْلُؤِ فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ الْمَبِيعَةِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوِ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا لُؤْلُؤَةً فَإِنْ كَانَتْ فِي الصَّدَفِ تَكُونُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٤ / ٢٠٥، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢١٥، والقليوبي وعميرة ٢ / ٢٥٢، وكشاف القناع ٣ / ٢٩١.
لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الصَّدَفِ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ اصْطَادَ السَّمَكَةَ يَرُدُّهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَتَكُونُ عِنْدَ الْبَائِعِ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا حَوْلًا ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَلَوْ وَجَدَ لُؤْلُؤَةً فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ الَّتِي فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ وَجَدَ فِي بَطْنِهَا صَدَفًا فِيهِ لَحْمٌ وَفِي اللَّحْمِ لُؤْلُؤَةٌ كَمَا تَكُونُ اللُّؤْلُؤُ فِي الأَْصْدَافِ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى أَصْدَافًا لِيَأْكُل مَا فِيهَا مِنَ اللَّحْمِ فَوَجَدَ فِي بَعْضِهَا لُؤْلُؤَةً فِي اللَّحْمِ فَهِيَ لَهُ.
قَالُوا: وَلَوِ اشْتَرَى دَجَاجَةً فَوَجَدَ فِيهَا لُؤْلُؤَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ (١) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا لُؤْلُؤَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً فَلُقَطَةٌ مَوْضِعُهَا بَيْتُ الْمَال، وَإِلاَّ فَقِيل لِلْبَائِعِ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقِيل لِلْمُشْتَرِي (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَدْخُل فِي الْبَيْعِ لُؤْلُؤَةٌ وُجِدَتْ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، بَل هِيَ لِلصَّيَّادِ إِلاَّ إِنْ كَانَ فِيهَا أَثَرُ مِلْكٍ كَثُقْبٍ وَلَمْ يَدَّعِهَا فَتَكُونُ لُقَطَةً لَهُ، لأَِنَّ يَدَ الْمُشْتَرِي مَبْنِيَّةٌ عَلَى يَدِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ صَادَهَا فِي بَحْرِ الْجَوَاهِرِ وَإِلاَّ فَهِيَ لُقَطَةٌ مُطْلَقًا (٣) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنِ اصْطَادَ سَمَكَةً
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٣٨.
(٢) شرح الزرقاني على خليل ٥ / ١٨٢.
(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ١٩٥.
فِي الْبَحْرِ فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا دُرَّةٌ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ لِلصَّائِدِ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ ابْتِلاَعُهَا مِنْ مَعْدِنِهَا لأَِنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (١)؛ وَإِنْ بَاعَ الصَّائِدُ السَّمَكَةَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالدُّرَّةِ لَمْ يَزَل مِلْكُهُ عَنْهَا فَتُرَدُّ إِلَيْهِ، لأَِنَّهُ إِذَا عَلِمَ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبِعْهُ وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَال مِلْكِهِ عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتِ الدُّرَّةُ مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلُقَطَةٌ لاَ يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ بَل يُعَرِّفُهَا، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهَا فِي عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ - وَلَوْ كَانَ النَّهْرُ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ - فَلُقَطَةٌ، عَلَى الصَّيَّادِ تَعْرِيفُهَا.
وَمِثْلُهُ لَوِ اصْطَادَ السَّمَكَةَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِالْبَحْرِ فَكَالشَّاةِ فِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي بَطْنِهَا مِنْ دُرَّةٍ مَثْقُوبَةٍ لُقَطَةٌ، لأَِنَّ الْعَيْنَ وَالنَّهْرَ غَيْرَ الْمُتَّصِل لَيْسَ مَعْدِنًا لِلدُّرِّ، فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ وَكَانَتِ الدُّرَّةُ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ لِلصَّيَّادِ (٢) .
هـ - لُبْسُ اللُّؤْلُؤِ لِلرِّجَال:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ لُبْسِ اللُّؤْلُؤِ لِلرِّجَال. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إِلَى حُرْمَةِ لُبْسِ اللُّؤْلُؤِ لِلرِّجَال لِكَوْنِهِ مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ فَفِي
_________
(١) سورة النحل / ١٤.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٢٢ - ٢٢٣