الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
ب - مَسْحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الَّذِي يَبْلُغُهُ بِالتَّيَمُّمِ فِي الْيَدَيْنِ. فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَاللَّيْثُ بُلُوغَ الْمِرْفَقَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ فَرْضًا وَاجِبًا، وَبِهِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ نَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ إِلَى الْكُوعَيْنِ وَهُمَا الرُّسْغَانِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ فِي رِوَايَةٍ، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَالطَّبَرِيُّ (٢)، وَقَال ابْنُ شِهَابٍ: يَبْلُغُ بِهِ إِلَى الْمَنَاكِبِ (٣) .
وَحُكِيَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: أَنَّ الْكُوعَيْنِ فَرْضٌ وَالآْبَاطَ فَضِيلَةٌ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: تَيَمُّمٌ ف ١١) .
ج - قَطْعُ الْيَدِ مِنَ الْكُوعِ فِي السَّرِقَةِ:
٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٩٩، وتفسير القرطبي ٥ / ٢٣٩.
(٢) الشرح الصغير مع بلغة السالك ١ / ١٥١ ط. الحلبي، والمبدع ١ / ٢٢٢، وشرح الزركشي لمختصر الخرقي ١ / ٣٥١، وتفسير القرطبي ٥ / ٢٤٠.
(٣) تفسير القرطبي ٥ / ٢٣٩.
(٤) تفسير القرطبي ٥ / ٢٤٠.
أَنَّ أَوَّل مَا يُقْطَعُ مِنَ السَّارِقِ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِل الْكَفِّ وَهُوَ الْكُوعُ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمَفْصِل (١) (الْكُوعِ)، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا قَالاَ: إِذَا سَرَقَ سَارِقٌ فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنَ الْكُوعِ وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ (٢)، وَلأَِنَّ كُل مَنْ قَطَعَ مِنَ الأَْئِمَّةِ قَطَعَ مِنَ الرُّسْغِ فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا فَلاَ يَجُوزُ خِلاَفُهُ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سَرِقَةٌ ف ٦٦) .
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ قطع يد سارق من المفصل ". أخرجه البيهقي (٨ / ٢٧١) من حديث جابر بن عبد الله.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٢٦٤، وشرح الزرقاني ٨ / ٩٢، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٤٥، والمبسوط ٩ / ١٣٣، والفتاوى الهندية ٢ / ١٨٢، وبدائع الصنائع ٧ / ٨٨.
(٣) تبيين الحقائق ٣ / ٢٢٤.
كَوَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الكوة - بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ مَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ - فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الثُّقْبَةِ فِي الْحَائِطِ، وَجَمْعُ الْمَفْتُوحِ عَلَى لَفْظِهِ كَوَّاتٍ مِثْل حَبَّةٍ وَحَبَّاتٍ، وَكِوَاةٌ أَيْضًا بِالْكَسْرِ مِثْل ظَبْيَةٍ وَظِبَاءٍ، وَجَمْعُ الْمَضْمُومِ كُوًى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ مِثْل مُدْيَةٍ وَمُدًى، وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا الرَّوْشَنُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمُرَادُ بِهَا (بِالْكَوَّةِ) مَا يُفْتَحُ - فِي حَائِطِ الْبَيْتِ لأَِجْل الضَّوْءِ أَوْ مَا يُخْرَقُ فِيهِ بِلاَ نَفَاذٍ لأَِجْل وَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ (٢) . وَفَسَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْكَوَّةَ بِالطَّاقَةِ (٣) .
قَال أَبُو الْحَسَنِ: كَوَّةٌ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّاقِ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير، والمغرب للمطرزي ص٤١٨، ولسان العرب مادة رشن.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٥٨.
(٣) الدر المختار ٤ / ٣٥٨، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٦٩.
(٤) حاشية العدوي على الخرشي ٤ / ٥٩.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَصَرُّفِ الإِْنْسَانِ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ بِجَارِهِ كَفَتْحِ كَوَّةٍ نَافِذَةٍ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَنْعِهِ، وَفَصَّل آخَرُونَ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ جِوَارٌ فِقْرَةٌ (٥)، وَمُصْطَلَحِ حَائِطٌ فِقْرَةٌ (٣)، وَمُصْطَلَحِ ارْتِفَاقٌ فِقْرَةٌ (١٧)، وَمُصْطَلَحِ إِشْرَافٌ فِقْرَةٌ (٤) .
كَيْلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَيْل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ كَال يَكِيل، يُقَال: كِلْتُ زَيْدًا الطَّعَامَ كَيْلًا مِنْ بَابِ بَاعَ، وَكَال الطَّعَامَ كَيْلًا: عَرَفَ مِقْدَارَهُ، وَكَال الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: قَاسَهُ بِهِ.
وَيُطْلَقُ الْكَيْل عَلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ الْمِقْدَارُ بِالْقَفِيزِ وَالْمُدِّ وَالصَّاعِ، وَالاِسْمُ (الْكِيلَةُ) بِالْكَسْرِ، وَالْمِكْيَال مَا يُكَال بِهِ، قَال الْفَيُّومِيُّ: وَالْكَيْل مِثْلُهُ (١) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْكَيْل يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى وِعَاءٍ يُكَال بِهِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (٢)، وَالْكَيْلِيُّ مَا يُقَدَّرُ بِالْكَيْل، وَكَذَلِكَ الْمَكِيل (٣) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلْكَيْل.
_________
(١) المصباح المنير، ومتن اللغة، ولسان العرب.
(٢) المعجم الوسيط.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون، وقواعد الفقه للبركتي، والمفردات للراغب الأصفهاني.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوَزْنُ:
١ - الْوَزْنُ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ، يُقَال: وَزَنَ الشَّيْءَ: قَدَّرَهُ بِوَسَاطَةِ الْمِيزَانِ (١)، وَقَال الأَْصْفَهَانِيُّ: الْوَزْنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشَّيْءِ، وَالْمُتَعَارَفُ فِي الْوَزْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَا يُقَدَّرُ بِالْقِسْطِ وَالْقَبَّانِ (٢) . وَلاَ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْوَزْنِ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَيْل وَالْوَزْنِ أَنَّ الْكَيْل يُعْرَفُ بِهِ مِقْدَارُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ الْحَجْمِ، وَالْوَزْنُ يُعْرَفُ بِهِ مِقْدَارُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ الثِّقَل.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَيْل
الْحَثُّ عَلَى إِيفَاءِ الْكَيْل:
٣ - حَثَّ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى إِيفَاءِ الْكَيْل، قَال تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْل وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ (٣) وَتَوَعَّدَ الْمُطَفِّفِينَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٤) .
_________
(١) المعجم الوسيط.
(٢) المفردات للأصفهاني.
(٣) سورة الشعراء / ١٨١.
(٤) سورة المطففين / ١ - ٣. والمطفف من الطفيف وهو القليل، فالمطفف هو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن (تفسير القرطبي ٢٠ / ٢٤٨) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: هِيَ أَوَّل سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ سَاعَةَ نَزَل الْمَدِينَةَ، وَكَانَ هَذَا فِيهِمْ، كَانُوا إِذَا اشْتَرَوُا اسْتَوْفَوْا بِكَيْلٍ رَاجِحٍ، فَإِذَا بَاعُوا بَخَسُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ انْتَهَوْا، فَهُمْ أَوْفَى النَّاسِ كَيْلًا إِلَى يَوْمِهِمْ هَذَا (١) .
وَنَقَل الْقُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: مَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِلاَّ قُطِعَ مِنْهُمُ الرِّزْقُ (٢)، وَعَدَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْبَخْسَ فِي الْكَيْل مِنَ الْكَبَائِرِ (٣) .
أُجْرَةُ الْكَيَّال
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ كَيْل الْمَبِيعِ فِي بَيْعِ الْمَكِيل وَأُجْرَةَ وَزْنِهِ فِي بَيْعِ الْمَوْزُونِ عَلَى الْبَائِعِ لأَِنَّ عَلَيْهِ تَقْبِيضَ الْمَبِيعِ، وَالْقَبْضُ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِذَلِكَ (٤)، قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْل﴾ (٥) كَانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - هُوَ الَّذِي يَكِيل، وَكَذَلِكَ الْوَزَّانُ وَالْعَدَّادُ، لأَِنَّ الرَّجُل إِذَا بَاعَ عِدَةً مَعْلُومَةً مِنْ طَعَامِهِ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ عَلَيْهِ
_________
(١) تفسير القرطبي ٢٠ / ٢٤٨، ٢٤٩، وتفسير روح المعاني للألوسي ٣٠ / ٨٩.
(٢) القرطبي ٧ / ١٣٦.
(٣) الزواجر للهيثمي ١ / ١٩٢.
(٤) مجلة الأحكام العدلية المادة (٢٨٩)، والقرطبي ٩ / ٢٥٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٥٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٣، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٢٦.
(٥) سورة يوسف / ٨٨.
وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْرِزَهَا وَيُمَيِّزَ حَقَّ الْمُشْتَرِي مِنْ حَقِّهِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ إِلاَّ بَعْدَ التَّوْفِيَةِ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْهُ قَبْل التَّوْفِيَةِ (١) .
أَمَّا أُجْرَةُ كَيْل الثَّمَنِ وَمُؤْنَةِ إِحْضَارِهِ إِلَى مَحَل الْعَقْدِ إِذَا كَانَ غَائِبًا فَهِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي لأَِنَّهُ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ (٢) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ ف ٥٨) .
اعْتِبَارُ الْكَيْل فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا
٥ - وَرَدَ النَّصُّ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الأَْشْيَاءِ السِّتَّةِ الْوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ (٣) .
وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا فِي الأَْجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا إِنَّمَا هُوَ لِعِلَّةٍ، وَإِنَّ الْحُكْمَ بِالتَّحْرِيمِ يَتَعَدَّى إِلَى مَا تَثْبُتُ فِيهِ هَذِهِ الْعِلَّةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي يَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِهَا إِلَى سَائِرِ الأَْجْنَاسِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْعِلَّةُ هِيَ الْجِنْسُ وَالْقَدْرُ، وَعُرِفَ الْجِنْسُ بِقَوْلِهِ ﷺ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ،
_________
(١) تفسير القرطبي ٩ / ٢٥٤.
(٢) المراجع السابقة، ومجلة الأحكام المادة (٢٨٨) .
(٣) حديث: " الذهب بالذهب. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١) من حديث عبادة بن الصامت.
وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ (١)، وَعُرِفَ الْقَدْرُ بِقَوْلِهِ ﵊: مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَيُعْنَى بِالْقَدْرِ الْكَيْل فِيمَا يُكَال، وَالْوَزْنُ فِيمَا يُوزَنُ، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: " وَكَذَلِكَ كُل مَا يُكَال وَيُوزَنُ " (٢)، وَلِحَدِيثِ: لاَ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ وَلاَ دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ (٣)، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُل مَكِيلٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مَطْعُومًا أَمْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، فَحَرُمَ الرِّبَا فِي كُل مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ (٤) .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَهُمْ، قَال الْخِرَقِيُّ: وَكُل مَا كِيل أَوْ وُزِنَ مِنْ سَائِرِ الأَْشْيَاءِ لاَ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُل إِذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا (٥) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ ثَلاَثُ رِوَايَاتٍ أَشْهَرُهُنَّ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُمَا مَوْزُونَيْ جِنْسٍ، وَعِلَّةُ الأَْعْيَانِ الأَْرْبَعَةِ مَكِيل جِنْسٍ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَجْرِي الرِّبَا فِي كُل مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، وَلاَ يَجْرِي
_________
(١) حديث: " التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١) من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث: " وكذلك كل ما يكال. . . ". أورد هذا الشطر الموصلي في الاختيار (٢ / ٣٠)، ولم نهتد إلى من أخرجه.
(٣) حديث: " لا صاعين بصاع ولا درهمين بدرهم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣١١) ومسلم (٢ / ١٢١٦) من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ للبخاري.
(٤) المبسوط للسرخسي ١٢ / ١١٣، والاختيار للموصلي ٢ / ٣٠.
(٥) المغني مع الشرح الكبير ٤ / ١٢٣.
فِي مَطْعُومٍ لاَ يُكَال وَلاَ يُوزَنُ. ثُمَّ عُلِّل هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ قَضِيَّةَ الْبَيْعِ الْمُسَاوَاةُ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي تَحْقِيقِهَا الْكَيْل وَالْوَزْنُ وَالْجِنْسُ، فَإِنَّ الْوَزْنَ أَوِ الْكَيْل يُسَوِّي بَيْنَهُمَا صُورَةً، وَالْجِنْسُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا مَعْنًى، فَكَانَا عِلَّةً.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الأَْثْمَانِ الثَّمَنِيَّةُ وَفِيمَا عَدَاهَا كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ فَيَخْتَصُّ بِالْمَطْعُومَاتِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا عَدَاهَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْعِلَّةُ فِيمَا عَدَا الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، فَلاَ يَجْرِي الرِّبَا فِي مَطْعُومٍ لاَ يُكَال وَلاَ يُوزَنُ (١) .
وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ.
وَأَمَّا فِي الْجَدِيدِ عِنْدَهُمْ فَالْعِلَّةُ فِي الأَْجْنَاسِ الأَْرْبَعَةِ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَنَّهَا مَطْعُومَةٌ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَالْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا جِنْسَ الأَْثْمَانِ غَالِبًا (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْعِلَّةُ فِي النُّقُودِ غَلَبَةُ الثَّمَنِيَّةِ، أَوْ مُطْلَقُ الثَّمَنِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الطَّعَامِ فَالاِقْتِيَاتُ وَالاِدِّخَارُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رِبًا ف ٢١ - ٢٥) .
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٤ / ١٢٥، ١٢٦.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٢ - ٢٥.