الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

يُكَنَّى أَبَا الْقَاسِمِ بِوَلَدِهِ الْقَاسِمِ وَكَانَ أَكْبَرَ أَوْلاَدِهِ (١)، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ هَانِئِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ، يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَال: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَال: لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَال: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ قَال: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ (٢) .

قَال ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الأَْوْلَى أَنْ يُكَنَّى الإِْنْسَانُ بِأَكْبَرِ أَوْلاَدِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّكَنِّي بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلاَدِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ جِبْرِيل ﵇ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ (٣)، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ.

_________

(١) فتح الباري ٦ / ٥٦٠، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، والفروع ٣ / ٥٦٢ وما بعدها، وتفسير القرطبي ٦ / ٣٣٠، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٨ - ٥٠٩.

(٢) حديث هانئ بن يزيد: " لما وفد إلى رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٤٠) .

(٣) حديث: " أن جبريل قال للنبي ﷺ: السلام عليكم يا أبا إبراهيم. . . ". أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (ص١١٠ - قسم السيرة النبوية) وأشار الذهبي في تاريخ الإسلام (ص ٣٤ قسم السيرة) إلى ضعفه.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَلَدٌ فَيَجُوزُ تَكَنِّيهِمَا بِوَلَدِ غَيْرِهِمَا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ (١) حِينَ وَجَدَتْ عَلَى كَوْنِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ تَتَكَنَّى بِهِ فَقَال لَهَا ﵊: فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ أُخْتِهَا قَال مُسَدَّدٌ - رَاوِي الْحَدِيثِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ (٢) .

وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الْكُنَى بِالْحَالَةِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِهَا الشَّخْصُ كَأَبِي تُرَابٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَا أَشَبَهَهُمَا (٣) .

الْكُنْيَةُ لِلْعَاصِي:

١٠ - قَال الْفُقَهَاءُ: لاَ يُكَنَّى كَافِرٌ وَلاَ فَاسِقٌ وَلاَ مُبْتَدِعٌ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ بَل أُمِرْنَا بِالإِْغْلاَظِ عَلَيْهِمْ إِلاَّ لِخَوْفِ فِتْنَةٍ مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ، أَوْ تَعْرِيفٍ كَمَا قِيل بِهِ فِي أَبِي لَهَبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٤) وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى (٥) .

الْكُنْيَةُ لِلصَّبِيِّ:

١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ كُنْيَةِ الصَّغِيرِ

_________

(١) فتح الباري ٦ / ٥٦٠، ١٠ / ٥٧١، والفروع ٣ / ٦٣، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، وسبل السلام ١ / ٥٤.

(٢) حديث عائشة: " حين وجدت على كونها لم يكن لها ولد تتكنى به. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٥٣) .

(٣) فتح الباري ١٠ / ٥٨٢ - ٥٨٧ - ٥٨٨، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، ٢٥٧.

(٤) سورة المسد / ١.

(٥) مغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وتفسير القرطبي ١٦ / ٣٣٠، ودليل الفالحين ٤ / ٥٣٢.

وَكَذَا كُل مَنْ لاَ يُولَدُ لَهُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِكُنْيَةِ الصَّغِيرِ، أَوْ مَنْ لاَ يُولَدُ لَهُ (١) لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَال لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ - قَال: أَحْسِبُهُ فَطِيمًا - وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَال: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ؟ (٢) وَلِقَوْل عُمَرَ ﵁: عَجِّلُوا بِكُنَى أَوْلاَدِكُمْ لاَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الأَْلْقَابُ السُّوءُ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَنَّاهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْل أَنْ يُولَدَ لَهُ (٣) .

قَال الْعُلَمَاءُ: كَانُوا يُكَنُّونَ الصَّبِيَّ تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ سَيَعِيشُ حَتَّى يُولَدَ لَهُ وَلِلأَْمْنِ مِنَ التَّلْقِيبِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَلَوْ كَنَّى ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَعَامَّتُهُمْ لاَ يَكْرَهُ، لأَِنَّ النَّاسَ يُرِيدُونَ بِهِ التَّفَاؤُل (٤) .

_________

(١) فتح الباري ١٠ / ٥٨٢ - ٥٨٤، وابن عابدين ٥ / ٢٦٨، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٩.

(٢) حديث أنس: " كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٨٢) ومسلم (٤ / ١٦٩٢) .

(٣) حديث ابن مسعود: " أن النبي ﷺ كناه أبا عبد الرحمن قبل أن يولد له ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩ / ٥٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨ / ٥٦): رجاله رجال الصحيح.

(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨.

كَهَانَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْكَهَانَةُ

فِي اللُّغَةِ: مِنْ كَهَنَ يَكْهَنُ كَهَانَةً: قَضَى لَهُ بِالْغَيْبِ، وَالْكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَل الزَّمَانِ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأَْسْرَارِ وَمُطَالَعَةَ الْغَيْبِ (١) .

وَتُطْلِقُ الْعَرَبُ عَلَى الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِ الرَّجُل وَيَسْعَى فِي حَاجَتِهِ: كَاهِنًا، كَمَا يُسَمُّونَ كُل مَنْ يَتَعَاطَى عِلْمًا دَقِيقًا كَاهِنًا.

وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ وَالطَّبِيبَ كَاهِنًا.

وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّنْجِيمُ:

١ - التنجيم

عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ الاِسْتِدْلاَل بِالتَّشَكُّلاَتِ الْفَلَكِيَّةِ عَلَى الْحَوَادِثِ

_________

(١) لسان العرب، والتعريفات للجرجاني، والمغرب، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٠ - ٣١.

(٢) المصادر السابقة.

السُّفْلِيَّةِ (١) .

وَالتَّنْجِيمُ بِهَذَا الْمَعْنَى ضَرْبٌ مِنَ الْكَهَانَةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَهَانَةِ:

٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّكَهُّنَ وَالْكَهَانَةَ بِمَعْنَى ادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ وَالاِكْتِسَابُ بِهِ حَرَامٌ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ إِتْيَانَ الْكَاهِنِ لِلسُّؤَال عَنْ عَوَاقِبِ الأُْمُورِ حَرَامٌ، وَأَنَّ التَّصْدِيقَ بِمَا يَقُولُهُ: كُفْرٌ، لِمَا وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُول فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِل عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ (٢)، وَنَهَى عَنْ أَكْل مَا اكْتَسَبَهُ بِالْكَهَانَةِ، لأَِنَّهُ سُحْتٌ، جَاءَ عَنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، كَأُجْرَةِ الْبَغِيِّ، رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الأَْنْصَارِيُّ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ (٣) "، وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى كَهَانَتِهِ، وَتَشْمَل الْكَهَانَةُ كُل ادِّعَاءٍ بِعِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَيَشْمَل اسْمُ الْكَاهِنِ: كُل مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مِنْ مُنَجِّمٍ وَعَرَّافٍ وَضَرَّابٍ بِالْحَصْبَاءِ وَنَحْوِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣١.

(٢) حديث: " من أتى كاهنًا أو عرافًا. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٤٢٩) والحاكم (١ / ٨) من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٣) حديث أبي مسعود الأنصاري " أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٩٨) .

ذَلِكَ. (١)

وَكَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَهَانَةٌ قَبْل مَبْعَثِ الرَّسُول ﷺ، وَكَانَ لَهُمْ كَهَنَةٌ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ: أَنَّ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ وَرَئِيًّا (٢)، يُلْقِي إِلَيْهِ الأَْخْبَارَ (٣) .

وَيُرْوَى أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَتُلْقِيهِ إِلَى الْكَهَنَةِ فَتَزِيدُ فِيهِ مَا تَزِيدُهُ فَيَقْبَلُهُ الْكُفَّارُ مِنْهُمْ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: تَصْعَدُ الشَّيَاطِينُ أَفْوَاجًا تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَيَنْفَرِدُ الْمَارِدُ مِنْهَا فَيَعْلُو فَيُرْمَى بِالشِّهَابِ فَيُصِيبُ جَبْهَتَهُ، أَوْ جَنْبَهُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَلْتَهِبُ فَيَأْتِي أَصْحَابَهُ وَهُوَ يَلْهَبُ فَيَقُول: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الأَْمْرِ كَذَا وَكَذَا فَيَذْهَبُ أُولَئِكَ إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْكَهَنَةِ فَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ أَضْعَافَهُ مِنَ الْكَذِبِ فَيُخْبِرُونَهُمْ بِهِ، فَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا مِمَّا قَالُوا قَدْ كَانَ، صَدَّقُوهُمْ بِمَا جَاءُوهُمْ مِنَ الْكَذِبِ (٤)، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَرَسَتِ السَّمَاءُ بَطَلَتِ الْكَهَانَةُ بِالْقُرْآنِ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ

_________

(١) سبل السلام ٣ / ١٤، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣١، ٥ / ٢٧٢.

(٢) الرَّئِيّ كَفَتِيّ: جِنّيّ.

(٣) لسان العرب مادة: كهن، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٠، ٣١، ٥ / ٢٧٢، وسبل السلام ٣ / ١٤.

(٤) جامع البيان لابن جرير الطبري ١٤ / ١١ ط. دار المعرفة ببيروت.

الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِالْوَحْيِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ الَّتِي عَجَزَتِ الْكَهَانَةُ عَنِ الإِْحَاطَةِ بِهِ وَأَغْنَاهُ بِالتَّنْزِيل، وَأَزْهَقَ أَبَاطِيل الْكَهَانَةِ (١) .

وَأَبْطَل الإِْسْلاَمُ الْكَهَانَةَ بِأَنْوَاعِهَا، وَحَرَّمَ مُزَاوَلَتَهَا وَقَرَّرَ أَنَّ الْغَيْبَ لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ اللَّهُ، فَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قُل لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (٢)، وَكَذَّبَ مَزَاعِمَ الْكَهَنَةِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَأْتِي لَهُمْ بِخَبَرِ السَّمَاءِ، وَقَال تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٣)

حُكْمُ الْكَاهِنِ مِنْ حَيْثُ الرِّدَّةِ وَعَدَمِهَا:

٤ - قَال الْفُقَهَاءُ: الْكَاهِنُ يَكْفُرُ بِادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ (٤)، لأَِنَّهُ يَتَعَارَضُ مَعَ نَصِّ الْقُرْآنِ، قَال تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٥) أَيْ عَالِمُ الْغَيْبِ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ فَلاَ يُطْلِعُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَاهُ لِلرِّسَالَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُهُ عَلَى مَا يَشَاءُ فِي غَيْبِهِ، وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: مِنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣١، ٥ / ٢٧٢.

(٢) سورة النمل / ٦٥.

(٣) سورة الشعراء / ٢١١، ٢١٢.

(٤) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٧.

(٥) سورة الجن / ٢٥.

يَقُول فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِل عَلَى مُحَمَّدٍ (١) ".

قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ التَّتَارْخَانِيَّةَ: يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَنَا أَعْلَمُ الْمَسْرُوقَاتِ، أَوْ أَنَا أُخْبِرُ عَنْ إِخْبَارِ الْجِنِّ إِيَّايَ (٢)، وَقَال: كُل مُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ يُقْتَل إِنْ لَمْ يَتُبْ وَلاَ تُقْبَل تَوْبَةُ أَحَدَ عَشَرَ، وَذَكَرَ مِنْهُمَ الْكَاهِنَ (٣) .

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَ الْمُنَجِّمُ وَمَنْ ضَاهَاهُ مِمَّنْ يَضْرِبُ بِالْحَصَى وَيَنْظُرُ فِي الْكُتُبِ وَيَزْجُرُ بِالطَّيْرِ مِمَّنِ ارْتَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَسُولٍ فَيُطْلِعُهُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْبِهِ بَل هُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ بِحَدْسِهِ وَتَخْمِينِهِ وَكَذِبِهِ (٤) .

وَقَال الْقَرَافِيُّ: وَأَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ الْمُنَجِّمُ مِنَ الْغَيْبِ مِنْ نُزُول الأَْمْطَارِ وَغَيْرِهِ فَقِيل ذَلِكَ كُفْرٌ يُقْتَل بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَال اللَّهُ ﷿: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي فَأَمَّا مَنْ قَال: مُطِرْنَا بِفَضْل اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَال: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ (٥) "، وَقِيل: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل قَالَهُ أَشْهَبُ، وَقِيل يُزْجَرُ عَنْ

_________

(١) حديث: " من أتى كاهنًا أو عرافًا. . . ". تقدم في فقرة (٣) .

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٩٨.

(٤) تفسير القرطبي ١٩ / ٢٨.

(٥) حديث: قال الله: " أصبح من عبادي مؤمن بي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٤٣٩) ومسلم (١ / ٨٣ - ٨٤) من حديث زيد بن خالد، واللفظ لمسلم.

ذَلِكَ وَيُؤَدَّبُ وَلَيْسَ اخْتِلاَفًا فِي قَوْلٍ بَل اخْتِلاَفٌ فِي حَالٍ، فَإِنْ قَال إِنَّ الْكَوَاكِبَ مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْثِيرِ قُتِل وَلَمْ يُسْتَتَبْ إِنْ كَانَ يُسِرُّهُ لأَِنَّهُ زِنْدِيقٌ وَإِنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِل عِنْدَهَا زُجِرَ عَنِ الاِعْتِقَادِ الْكَاذِبِ، لأَِنَّهُ بِدْعَةٌ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ (١) .

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: يَقُول فِي إِحْدَاهُمَا: يُسْتَتَابُ، قِيل لَهُ أَيُقْتَل؟ قَال: لاَ. يُحْبَسُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: السَّاحِرُ، وَالْكَاهِنُ حُكْمُهُمَا: الْقَتْل، أَوِ الْحَبْسُ حَتَّى يَتُوبَا، لأَِنَّهُمَا يُلْبِسَانِ أَمْرَهُمَا، وَحَدِيثُ عُمَرَ: اقْتُلُوا كُل سَاحِرٍ وَكَاهِنٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَمْرِ الإِْسْلاَمِ (٢) ".

وَجَاءَ فِي الْفُرُوعِ: الْكَاهِنُ وَالْمُنَجِّمُ كَالسَّاحِرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَإِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ فَسَّقَهُ فَقَطْ إِنْ قَال: أَصَبْتُ بِحَدْسِي وَفَرَاهَتِي، فَإِنْ أَوْهَمَ قَوْمًا بِطَرِيقَتِهِ: أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ، فَلِلإِْمَامِ قَتْلُهُ لِسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ (٣) .

كَوْسَج

انْظُرْ: أَمْرَد

_________

(١) الفروق للقرافي ٤ / ٢٥٩.

(&# x٦٦٢ ;) المغني ٨ / ١٥٥.

(٣) الفروع ٦ / ١٧٧.

كُوعٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الكوع فِي اللُّغَةِ: طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الإِْبْهَامَ، وَالْجَمْعُ أَكْوَاعٌ، وَالْكَاعُ لُغَةٌ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْكُوعُ طَرَفُ الْعَظْمِ الَّذِي يَلِي رُسْغَ الْيَدِ الْمُحَاذِي لِلإِْبْهَامِ، وَهُمَا عَظْمَانِ مُتَلاَصِقَانِ فِي السَّاعِدِ، أَحَدُهُمَا أَدَقُّ مِنَ الآْخَرِ وَطَرَفَاهُمَا يَلْتَقِيَانِ عِنْدَ مَفْصِل الْكَفِّ، فَالَّذِي يَلِي الْخِنْصَرَ يُقَال لَهُ: الْكُرْسُوعُ، وَالَّذِي يَلِي الإِْبْهَامَ يُقَال لَهُ: الْكُوعُ، وَهُمَا عَظْمَا سَاعِدِ الذِّرَاعِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكُوعِ:

أ - غَسْل الْكُوعِ فِي الْوُضُوءِ

٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ غَسْل الْكَفَّيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (كَفٌّ ف ٣) .

_________

(١) المصباح المنير والكليات للكفوي ٥ / ١٢٤، والقليوبي ٤ / ١١٤، وحاشية الشلبي بهامش الزيلعي ٣ / ٢٢٤.