الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

أَمَّا لَفْظُ: فَارَقْتُكِ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ مُطْلَقًا دَخَل أَوْ لَمْ يَدْخُل، إِلاَّ لِنِيَّةٍ أَكْثَرَ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ فِي الْمَدْخُول بِهَا.

أَمَّا أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَهِيَ: ادْخُلِي وَاذْهَبِي وَانْطَلِقِي إِنْ نَوَى وَاحِدَةً بَائِنَةً لَزِمَهُ الثَّلاَثُ فِي الْمَدْخُول بِهَا، وَوَاحِدَةٌ فَقَطْ فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ (١) .

١٢ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكِنَايَةَ يَقَعُ بِهَا الطَّلاَقُ مَعَ النِّيَّةِ وَلاَ يَقَعُ بِلاَ نِيَّةٍ.

وَهِيَ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، بَل لاَ تَنْحَصِرُ: كَأَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَبَائِنٌ، وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَاعْزُبِي، وَاغْرُبِي، وَدَعِينِي، وَوَدِّعِينِي.

وَقَالُوا: إِنَّ الْكِنَايَةَ هِيَ مَا احْتَمَل الطَّلاَقَ وَغَيْرَهُ، وَلَكِنْ بِنِيَّةٍ لإِيقَاعِهِ، وَمَعَ قَصْدِ حُرُوفِهِ.

وَأَمَّا الأَْلْفَاظُ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل الطَّلاَقَ إِلاَّ عَلَى تَقْدِيرٍ مُتَعَسِّفٍ فَلاَ أَثَرَ لَهَا، فَلاَ يَقَعُ بِهَا طَلاَقٌ وَإِنْ نَوَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ.

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ شَرْطَ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ اقْتِرَانُهَا بِكُل اللَّفْظِ، وَقِيل: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ.

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٥٦٦ - ٥٦٧.

وَيَقَعُ الطَّلاَقُ - عِنْدَهُمْ - بِالْكِنَايَةِ حَسْبَ مَا نَوَاهُ عَدَدًا، كَأَنْتِ بَائِنٌ إِذَا نَوَى فِيهَا عَدَدًا وَقَعَ مَا نَوَاهُ لاِحْتِمَال اللَّفْظِ لَهُ، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ (١) .

١٣ - وَالْكِنَايَاتُ فِي الطَّلاَقِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ، وَخَفِيَّةٌ.

فَالظَّاهِرَةُ: هِيَ الأَْلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْبَيْنُونَةِ، لأَِنَّ مَعْنَى الطَّلاَقِ فِيهَا أَظْهَرُ، وَهِيَ سِتَّ عَشْرَةَ كِنَايَةً: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيئَةٌ، وَبَائِنٌ،. وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، أَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ، وَحَلَلْتِ لِلأَْزْوَاجِ، وَلاَ سَبِيل لِي عَلَيْكِ، وَلاَ سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ، وَأَعْتَقْتُكِ، وَغَطِّي شَعْرَكِ، وَتَقَنَّعِي، وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ.

وَالْخَفِيَّةُ: هِيَ الأَْلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ نَحْوَ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَتَجَرَّعِي، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَلاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ.

وَالْكِنَايَةُ - وَلَوْ ظَاهِرَةً - لاَ يَقَعُ بِهَا طَلاَقٌ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ، لأَِنَّ الْكِنَايَةَ لَمَّا قَصُرَتْ رُتْبَتُهَا عَنِ الصَّرِيحِ وَقَفَ عَمَلُهَا عَلَى نِيَّةِ الطَّلاَقِ تَقْوِيَةً لَهَا، وَلأَِنَّهَا لَفْظٌ يَحْتَمِل غَيْرَ مَعْنَى الطَّلاَقِ، فَلاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٨١ وما بعدها.

النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، فَلَوْ تَلَفَّظَ بِالْكِنَايَةِ غَيْرَ نَاوٍ لِلطَّلاَقِ ثُمَّ نَوَى بِهَا الطَّلاَقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، أَوْ يَأْتِي مَعَ الْكِنَايَةِ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الطَّلاَقِ كَحَال خُصُومَةٍ وَغَضَبٍ وَجَوَابِ سُؤَالِهَا الطَّلاَقَ، فَيَقَعُ الطَّلاَقُ مِمَّنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ إِذَنْ وَلَوْ بِلاَ نِيَّةٍ، لأَِنَّ دَلاَلَةَ الْحَال كَالنِّيَّةِ، فَلَوِ ادَّعَى فِي هَذِهِ الأَْحْوَال - أَيْ حَال الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ وَسُؤَالِهَا الطَّلاَقَ - أَنَّهُ مَا أَرَادَ الطَّلاَقَ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَهُ دِينَ لاِحْتِمَال صِدْقِهِ، وَلَمْ يُقْبَل فِي الْحُكْمِ لأَِنَّهُ خِلاَفُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْحَال.

وَيَقَعُ مَعَ النِّيَّةِ بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ ثَلاَثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ فِي وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ (١) .

ب - أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ فِي الإِْيلاَءِ:

١٤ - الْكِنَايَةُ فِي الإِْيلاَءِ

كُل مَا يَحْتَمِل الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ وَلَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِمَاعِ عُرْفًا، كَأَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لاَ يَجْتَمِعُ رَأْسُكِ وَرَأْسِي بِشَيْءٍ، وَلاَ قَرُبْتُ فِرَاشَكِ، وَلأَسُوءَنَّكِ، وَلأَغِيظَنَّكِ، وَلَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْكِ، وَلاَ يَمَسُّ جِلْدِي جِلْدَكِ، وَلاَ أَوَيْتُ مَعَكِ، وَلاَ أَنَامُ مَعَكِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ تُسْتَعْمَل فِي الْجِمَاعِ وَفِي غَيْرِهِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٢٥٠، ٢٥١.

النِّيَّةِ، لِيَكُونَ إِيلاَءً (١) .

وَلِلتَّفْصِيل ر: (إِيلاَءٌ ف ٥) .

ج - كِنَايَاتُ الظِّهَارِ:

١٥ - كِنَايَاتُ الظِّهَارِ كَثِيرَةٌ: كَأَنْتِ أُمِّي: أَنْتِ عَلَيَّ كَعَيْنِ أُمِّي، أَوْ رَأْسِهَا أَوْ رُوحِهَا، وَكُل لَفْظٍ يَحْتَمِل التَّحْرِيمَ وَيَحْتَمِل الْكَرَامَةَ فَهُوَ كِنَايَةٌ فِيهِ (٢) .

ر: (ظِهَارٌ ف ١٣) .

د - كِنَايَاتُ الْقَذْفِ:

١٦ - كِنَايَاتُ الْقَذْفِ كَقَوْلِهِ يَا فَاجِرُ، يَا فَاسِقُ، يَا خَبِيثُ، أَوْ أَنْتِ تُحِبِّينَ الْخَلْوَةَ، لاَ تَرُدِّينَ يَدَ لاَمِسٍ، لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ (٣)، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

وَلِلتَّفْصِيل ر: (قَذْفٌ ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا) .

هـ - كِنَايَاتُ الْوَقْفِ:

١١ - كِنَايَاتُ الْوَقْفِ كَقَوْلِهِ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ (٤)، فَإِنْ قَصَدَ الْوَقْفَ صَارَ مَوْقُوفًا، وَإِلاَّ فَلاَ يَكُونُ، لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَغَيْرِهِ.

وَلِلتَّفْصِيل ر: (وَقْفٌ) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٦٢، والمغني ٧ / ٣١٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٠٤.

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ١٨٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٠٥.

(٣) كشاف القناع ٦ / ١١١، والأشباه للسيوطي ص٣٠٥.

(٤) المغني ٥ / ٦٠٢

و- كِنَايَاتُ الْخُلْعِ:

١٨ - كِنَايَاتُ الْخُلْعِ كَقَوْلِهِ: بَارَأْتُكِ، وَأَبْرَأْتُكِ، وَأَبَنْتُكِ، وَلاَ يَقَعُ الْخُلْعُ بِالْكِنَايَةِ إِلاَّ بِنِيَّةِ مَنْ تَلَفَّظَ بِهِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (خُلْعٌ ف ٣٠) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٥ / ٣٦٠.

كَنْز

التَّعْرِيفُ:

١ - يُطْلَقُ الْكَنْزُ فِي اللُّغَةِ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ أَوَّلُهَا:

الْجَمْعُ وَالاِدِّخَارُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَاقَةٌ كَنَّازُ اللَّحْمِ أَيْ مُجْتَمِعَةٌ، وَكَنَزْتُ التَّمْرَ فِي وِعَائِهِ أَكْنِزُهُ، وَزَمَنُ الْكِنَازِ هُوَ أَوَانُ كَنْزِ التَّمْرِ وَجَمْعِهِ.

الثَّانِي: الْمَال الْمَدْفُونُ تَحْتَ الأَْرْضِ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَجَمْعُهُ كُنُوزٌ، مِثْل فَلْسٍ وَفُلُوسٍ.

الثَّالِثُ: كُل كَثِيرٍ مَجْمُوعٍ يُتَنَافَسُ فِيهِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الرِّكَازُ:

٢ - الرِّكَازُ لُغَةً بِمَعْنَى الْمَرْكُوزِ وَهُوَ مِنَ الرَّكْزِ أَيِ الإِْثْبَاتُ، وَهُوَ الْمَدْفُونُ فِي الأَْرْضِ إِذَا خَفِيَ، وَالرِّكْزُ بِكَسْرِ الرَّاءِ هُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ.

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: كنز.

(٢) التعريفات للجرجاني، والمفردات للراغب الأصفهاني.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: مَا دَفَنَهُ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى كُل مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ.

وَخَصَّهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ مَالٌ مَرْكُوزٌ تَحْتَ أَرْضٍ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ رَاكِزِهِ الْخَالِقَ أَوِ الْمَخْلُوقَ.

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْكَنْزِ وَالرِّكَازِ أَنَّ الْكَنْزَ أَعَمُّ مِنَ الرِّكَازِ.

(ر: رِكَازٌ ف ١ - ٣) .

ب - الْمَعْدِنُ:

٣ - الْمَعْدِنُ لُغَةً: مَكَانُ كُل شَيْءٍ فِيهِ أَصْلُهُ وَمَرْكَزُهُ، وَمَوْضِعُ اسْتِخْرَاجِ الْجَوْهَرِ مِنْ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ (١) .

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْكَمَال: أَصْل الْمَعْدِنِ الْمَكَانُ بِقَيْدِ الاِسْتِقْرَارِ فِيهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ فِي نَفْسِ الأَْجْزَاءِ الْمُسْتَقِرَّةِ الَّتِي رَكَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الأَْرْضِ يَوْمَ خَلَقَ الأَْرْضَ حَتَّى صَارَ الاِنْتِقَال مِنَ اللَّفْظِ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً بِلاَ قَرِينَةٍ (٢) .

أَنْوَاعُ الْكَنْزِ:

يُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الْكَنْزَ تَقْسِيمَاتٍ مُتَنَوِّعَةً بِالنَّظَرِ إِلَى عَدِيدٍ مِنَ الاِعْتِبَارَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ.

_________

(١) المعجم الوسيط.

(٢) فتح القدير ٢ / ١٧٨.

وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ.

أَوَّلًا: تَقْسِيمُ الْكَنْزِ بِالنَّظَرِ لِنِسْبَتِهِ التَّارِيخِيَّةِ:

أ - الْكُنُوزُ الإِْسْلاَمِيَّةُ:

أ - الْكُنُوزُ الإِْسْلاَمِيَّةُ هِيَ الَّتِي يَغْلِبُ فِي الظَّنِّ نِسْبَتُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا نَقْشٌ مِنَ النُّقُوشِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ أَوِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَوِ اسْمِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الإِْسْلاَمِ أَوْ أَيَّةِ عَلاَمَةٍ أُخْرَى مِنَ الْعَلاَمَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نِسْبَةِ الْكَنْزِ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١) .

وَفِي الْحُكْمِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ اتِّجَاهَانِ:

أَوَّلُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَأْخُذُ حُكْمَ اللُّقَطَةِ وَيَلْزَمُ وَاجِدُهُ أَنْ يَحْفَظَهُ أَبَدًا، قَال النَّوَوِيُّ: فَعَلَى هَذَا يُمْسِكُهُ الْوَاجِدُ أَبَدًا وَلِلسُّلْطَانِ حِفْظُهُ فِي بَيْتِ الْمَال كَسَائِرِ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، فَإِنْ رَأَى الإِْمَامُ حِفْظَهُ أَبَدًا فَعَل، وَإِنْ رَأَى اقْتِرَاضَهُ لِمَصْلَحَةٍ فَعَل، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لاَ يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ بِحَالٍ، قَال أَبُو عَلِيٍّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّقَطَةِ أَنَّ اللُّقَطَةَ تَسْقُطُ مِنْ مَالِكِهَا فِي مَضْيَعَةٍ، فَجَوَّزَ الشَّارِعُ لِوَاجِدِهَا تَمَلُّكَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي أَخْذِهَا وَحِفْظِهَا، وَأَمَّا الْكَنْزُ الْمَذْكُورُ فَمُحْرَزٌ بِالدَّفْنِ غَيْرُ مُضَيَّعٍ، فَأَشْبَهَ الإِْبِل الْمُمْتَنِعَةَ مِنَ السِّبَاعِ إِذَا

_________

(١) المجموع ٦ / ٩٧.

وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُهَا لِلتَّمْلِيكِ (١) .

أَمَّا الاِتِّجَاهُ الآْخَرُ: فَهُوَ إِلْحَاقُ مَا يُعَدُّ مِنْ هَذِهِ الْكُنُوزِ بِاللُّقَطَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ إِنْ عُرِفَ، وَفِي التَّعْرِيفِ، وَفِي التَّصَرُّفِ فِيهَا التَّصَرُّفَ الْوَاجِبَ فِي اللُّقَطَةِ، وَيُوَضِّحُ إِلْحَاقُ الْكَنْزِ بِاللُّقَطَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ إِغْفَالَهُمْ لِلرَّأْيِ السَّابِقِ وَعَدَمَ إِشَارَتِهِمْ إِلَيْهِ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ هَذَا الْكَنْزَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، فَعَلَيْهِ (أَيْ عَلَى وَاجِدِهِ) أَنْ يُعَرِّفَ مَا يَجِدُهُ مِنْهُ (٢) .

أَمَّا وُجُوبُ التَّعْرِيفِ بِهَا وَعَدَمُ كِتْمَانِهَا أَوْ إِخْفَائِهَا فَلاَ خِلاَفَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ أَنْ يَضُرَّ بِهِ هَذَا التَّعْرِيفُ فَيُعْذَرُ عَنْهُ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ وَأَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ فِي زَمَانِنَا بِأَنَّ مَنْ نُسِبَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِ الظُّلْمَةُ بِالأَْذَى وَاتِّهَامِهِ أَنَّ هَذَا بَعْضُ مَا وَجَدَهُ، فَهَل يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ الإِْعْلاَمِ، وَيَكُونُ فِي يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ وَمُرَاعَاتُهُ أَبَدًا، أَوْ يَجُوزُ لَهُ صَرْفُهُ مَصْرِفَ بَيْتِ الْمَال كَمَنْ وَجَدَ مَالًا أَيِسَ مِنْ مَالِكِهِ، وَخَافَ مِنْ دَفْعِهِ لأَِمِينِ بَيْتِ الْمَال أَنَّ أَمِينَ بَيْتِ الْمَال لاَ يَصْرِفُهُ مَصْرِفَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ،

_________

(١) المجموع ٦ / ٩٨.

(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٦١٣، وانظر الدسوقي ١ / ٤٩٢.

وَلاَ يَبْعُدُ الثَّانِي لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ، وَيَنْبَغِي لَهُ إِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ لِمَنْ مَلَكَ مِنْهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِبَيْتِ الْمَال (١) .

وَمُدَّةُ التَّعْرِيفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَنَةٌ فِيمَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى عَشْرَةِ دَرَاهِمَ، وَمَا قَلَّتْ قِيمَتُهُ عَنْ ذَلِكَ يُعَرَّفُ أَيَّامًا عِنْدَهُمْ (٢) .

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ دَفْعِ الْكَنْزِ لِصَاحِبِهِ إِنْ وُجِدَ أَمَّا إِنْ لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُهُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِيمَا يَجِبُ فِي اللُّقَطَةِ الَّتِي لاَ يُدْرَى صَاحِبُهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا التَّعْرِيفَ الْوَاجِبَ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (لُقَطَةٌ ف ١٤) .

ب - كُنُوزُ الْجَاهِلِيَّةِ:

٥ - يُطْلَقُ اصْطِلاَحُ كُنُوزِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مَا يَنْتَسِبُ إِلَى مَا قَبْل ظُهُورِ الإِْسْلاَمِ، سَوَاءٌ انْتَسَبَ إِلَى قَوْمٍ أَهْل جَهْلٍ لاَ يَعْرِفُونَ شَيْئًا عَنِ الدِّينِ مِمَّنْ عَاشُوا فِي فَتَرَاتِ الرُّسُل، أَوِ انْتَسَبَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى، وَيَتَقَيَّدُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكُنُوزِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ دَفِينَ غَيْرِ مُسْلِمٍ وَلاَ ذِمِّيٍّ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ إِشَارَةِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكُنُوزِ بِأَنَّهُ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ هَذَا لاَ يَعْنِي اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ مَدْفُونًا فِي بَاطِنِ

_________

(١) حاشية الشبراملسي مع نهاية المحتاج ٣ / ٩٩.

(٢) الجامع الصغير لمحمد بن الحسن ص١٠٧.