الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

الأَْرْضِ لِتَرَتُّبِ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِهِ، إِذْ يَذْكُرُ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الدُّسُوقِيُّ.

أَنَّ مَا وُجِدَ فَوْقَ الأَْرْضِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ رِكَازٌ، وَأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالدَّفْنِ لأَِنَّهُ شَأْنُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْغَالِبِ (١)، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اشْتِرَاطَ الدَّفْنِ لاِعْتِبَارِهِ مِنَ الرِّكَازِ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ غَيْرُ الْمَدْفُونِ مِنَ الأَْمْوَال يَلْتَحِقُ بِالْمَدْفُونِ قِيَاسًا عَلَيْهِ، يَدُل عَلَى هَذَا الرَّأْيِ مَا جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيُّ: أَنَّ غَيْرَ الْمَدْفُونِ لَيْسَ بِرِكَازٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ قِيَاسًا عَلَيْهِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ مَدْفُونًا، فَلَوْ وَجَدَهُ ظَاهِرًا وَعَلِمَ أَنَّ السَّيْل أَوِ السَّبُعَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَظْهَرَهُ فَرِكَازٌ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا فَلُقَطَةٌ، فَإِنْ شَكَّ كَانَ لُقَطَةً كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ ضَرْبَ الْجَاهِلِيَّةِ أَوِ الإِْسْلاَمِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (٣) .

وَقَدْ وَرَدَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الإِْشَارَةُ إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْكُنُوزِ بِهَذَا الاِصْطِلاَحِ الَّذِي اتَّبَعَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا بَعْدُ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: الْكَنْزُ نَجِدُهُ فِي الْخَرِبِ وَفِي الآْرَامِ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: فِيهِ

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٩.

(٢) المرجع السابق ١ / ٤٩٠.

(٣) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨.

وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (١) .

وَالضَّابِطُ فِي الْتِحَاقِ مَا يُكْتَشَفُ مِنَ الأَْمْوَال بِكُنُوزِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا مِنْ دَفْنِهِمْ، وَلَمْ تَدْخُل فِي مِلْكِ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا يُظَنُّ ذَلِكَ ظَنًّا غَالِبًا بِأَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ عَلاَمَاتُهُمْ أَوْ نُقُوشُهُمْ أَوْ أَيُّ شَيْءٍ آخَرُ يَدُل عَلَيْهِمْ، جَاءَ فِي الْمُغْنِي اعْتِبَارُ الْكَنْزِ دَفْنًا جَاهِلِيًّا بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلاَمَاتُهُمْ كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .

وَمِنْ هَذِهِ الْعَلاَمَاتِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبَعْضُ أَنْ يُوجَدَ فِي قُبُورِهِمْ (٣)، أَوْ أَنْ يُوجَدَ فِي قِلاَعِهِمْ وَخَرَائِبِهِمْ (٤) .

وَحُكْمُ هَذَا الْكَنْزِ وُجُوبُ الْخُمُسِ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُهُ لِلنَّصِّ عَلَى هَذَا الْوُجُوبِ (٥) .

ج - الْكَنْزُ الْمُشْتَبِهُ الأَْصْل

٦ - وَهُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الْكُنُوزِ فَهِيَ الَّتِي لاَ نَعْرِفُ حَقِيقَتَهَا، بِأَنْ لاَ يُوجَدَ عَلَيْهَا أَثَرٌ مُطْلَقًا كَتِبْرٍ وَآنِيَةٍ وَحُلِيٍّ، أَوْ كَانَ عَلَيْهَا أَثَرٌ لاَ يَكْشِفُ

_________

(١) حديث: " أن رجلا من مزينة سأل رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ١٨٦)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١ / ٣٤) .

(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٦١٣.

(٣) تحفة المحتاج ٣ / ٢٨٨.

(٤) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨.

(٥) المبسوط ٢ / ٢١١، البحر الرائق ٢ / ٢٥٢، حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٩ والمغني ٢ / ٦١٥.

عَنْ أَصْلِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتْ نَقْدًا يُضْرَبُ مِثْلُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِْسْلاَمِ (١) .

وَإِنَّمَا يَصْدُقُ هَذَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الْكَنْزِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ، كَمَا إِذَا وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَمْ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ يُعَدُّ جَاهِلِيًّا، وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الَّذِينَ اخْتَطُّوهَا وَلَمْ يَسْكُنْهَا جَاهِلِيٌّ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ يُعَدُّ كَنْزًا إِسْلاَمِيًّا.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْكَنْزِ، فَأَلْحَقَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِكُنُوزِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيُعْطَى حُكْمَ الرِّكَازِ.

وَأَلْحَقَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ بِالْكُنُوزِ الإِْسْلاَمِيَّةِ فَيُعْطَى حُكْمَ اللُّقَطَةِ (٢) .

ثَانِيًا: تَقْسِيمُ الْكَنْزِ الْجَاهِلِيِّ بِالنَّظَرِ إِلَى الدَّارِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا:

يُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْكَنْزِ الَّذِي يَجِدُهُ الْوَاجِدُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ الَّذِي يُوجَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ هَذَا التَّقْسِيمِ.

_________

(١) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٦٥، والبحر الرائق ٢ / ٢٥٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٨ - ٤٩٩، والمجموع ٦ / ٩٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٩٨، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٣.

النَّوْعُ الأَْوَّل: الْكَنْزُ الَّذِي يُوجَدُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ

٧ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الْكُنُوزِ الَّتِي تُوجَدُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ مِلْكِيَّةِ الأَْرْضِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا وَسَبِيل هَذِهِ الْمِلْكِيَّةِ، وَيَخْتَلِفُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ إِلَى مَا يُوجَدُ مِنْ هَذِهِ الْكُنُوزِ فِي أَرْضٍ لاَ مَالِكَ لَهَا، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ مَلَكَهَا صَاحِبُهَا بِشِرَاءٍ أَوْ بِمِيرَاثٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ مَلَكَهَا صَاحِبُهَا بِالإِْحْيَاءِ، عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي بَيْنَ هَذِهِ الأَْنْوَاعِ:

أ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَنْزَ الْجَاهِلِيَّ الَّذِي يُوجَدُ فِي مَوَاتٍ أَوْ فِي أَرْضٍ لاَ يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ مِثْل الأَْرْضِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا، آثَارُ الْمِلْكِ كَالأَْبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ وَالتُّلُول وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقُبُورِهِمْ. فَهَذَا فِيهِ الْخُمُسُ وَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الأَْرْضِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ خَرَابٍ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَال: مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ وَلاَ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (١) .

_________

(١) حديث: " سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة. . . ". أخرجه النسائي (٥ / ٤٤)، وإسناده حسن.

وَمِنْهُ كَذَلِكَ مَا يُوجَدُ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لأَِحَدٍ كَالْجِبَال وَالْمَفَاوِزِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَمْلِكُ الْوَاجِدُ الرِّكَازَ وَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ فِيهِ إِذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ فِي خَرَائِبِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ قِلاَعِهِمْ أَوْ قُبُورِهِمْ (٢) .

ب - وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنَ الْكُنُوزِ فِي أَرْضٍ أَوْ دَارٍ يَمْلِكُهَا الْوَاجِدُ نَفْسُهُ بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ فَالاِتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ بِاعْتِبَارِهِ كَانَ مَال الْكَفَرَةِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْقَهْرِ فَيُخَمَّسُ (٣) .

وَأَمَّا الأَْرْبَعَةُ الأَْخْمَاسُ الْبَاقِيَةُ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْخُطَّةِ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إِنْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلِوَرَثَتِهِ إِنْ عُرِفُوا، وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْرِفُ صَاحِبَ الْخُطَّةِ وَلاَ وَرَثَتَهُ تَكُونُ لأَِقْصَى مَالِكٍ لِلأَْرْضِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاجِدِ (٤) .

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ مِلْكِيَّةَ الأَْخْمَاسِ الأَْرْبَعَةِ فِي الْكَنْزِ الْمَوْجُودِ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْوَاجِدِ أَوْ غَيْرِهِ لَيْسَتْ لِلْوَاجِدِ وَلاَ لِمَالِكِ

_________

(١) البحر الرائق ٢ / ٢٥٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩١، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٣.

(٢) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦.

(٤) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦.

الأَْرْضِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ هَذَا الْمِلْكُ إِلَى الْمُخْتَطِّ لَهُ الأَْوَّل الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِلْكِيَّةُ الأَْرْضِ بِمَا فِيهَا بَعْدَ تَقْسِيمِ الإِْمَامِ لَهَا عَقِبَ فَتْحِهَا عَلَى أَيْدِي الْجَيْشِ الْمُسْلِمِ، وَيُعَرِّفُ الْمَرْغِينَانِيُّ الْمُخْتَطَّ لَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي مَلَّكَهُ الإِْمَامُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ أَوَّل الْفَتْحِ، وَيُعَقِّبُ الْكَمَال عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: لاَ نَقُول إِنَّ الإِْمَامَ يُمَلِّكُ الْمُخْتَطَّ لَهُ الْكَنْزَ بِالْقِسْمَةِ، بَل يُمَلِّكُهُ الْبُقْعَةَ وَيُقَرِّرُ يَدَهُ فِيهَا وَيَقْطَعُ مُزَاحَمَةَ سَائِرِ الْغَانِمِينَ فِيهَا، وَإِذَا صَارَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا أَقْوَى الاِسْتِيلاَءَاتِ، وَهُوَ بِيَدِ خُصُوصِ الْمِلْكِ السَّابِقَةِ فَيَمْلِكُ بِهَا مَا فِي الْبَاطِنِ مِنَ الْمَال الْمُبَاحِ، لِلاِتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْغَانِمِينَ لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُمْ مِلْكٌ فِي هَذَا الْكَنْزِ بَعْدَ الاِخْتِطَاطِ، وَإِلاَّ لَوَجَبَ صَرْفُهُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى ذَرَارِيِّهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا وُضِعَ فِي بَيْتِ الْمَال وَاللاَّزِمُ مُنْتَفٍ، ثُمَّ إِذَا مَلَكَهُ (أَيِ الْكَنْزَ) لَمْ يَصِرْ مُبَاحًا فَلاَ يَدْخُل فِي بَيْعِ الأَْرْضِ، فَلاَ يَمْلِكُهُ مُشْتَرِي الأَْرْضِ كَالدُّرَّةِ فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ يَمْلِكُهَا الصَّائِدُ لِسَبْقِ يَدِ الْخُصُوصِ إِلَى السَّمَكَةِ حَال إِبَاحَتِهَا، ثُمَّ لاَ يَمْلِكُهَا مُشْتَرِي السَّمَكَةِ لاِنْتِفَاءِ الإِْبَاحَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي السَّمَكَةِ مِنَ الإِْطْلاَقِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.

أَمَّا إِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَذَا الْمُخْتَطُّ لَهُ وَلاَ وَرَثَتُهُ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْكَنْزَ أَقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ فِي الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّرَخْسِيِّ، خِلاَفًا لأَِبِي الْيَسَرِ الْبَزْدَوِيِّ

الَّذِي اخْتَارَ اسْتِحْقَاقَ بَيْتِ الْمَال لِلْكَنْزِ، يَقُول السَّرَخْسِيُّ: إِنْ كَانَ الْمُخْتَطُّ لَهُ بَاقِيًا أَوْ وَارِثُهُ دُفِعَ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ لأَِقْصَى مَالِكٍ يُعْرَفُ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَعَل أَبَا الْيَسَرِ قَدْ نَظَرَ إِلَى تَعَذُّرِ التَّعَرُّفِ عَلَى الْمُخْتَطِّ لَهُ فِي عَصْرِهِ فَأَوْجَبَ مِلْكَ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ لِبَيْتِ الْمَال (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ مُلِّكَتِ الأَْرْضُ بِإِرْثٍ فَأَرْبَعَةُ الأَْخْمَاسِ الْبَاقِيَةِ لِمَالِكِهَا، وَإِنْ مُلِّكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ فَهِيَ لِلْبَائِعِ الأَْصْلِيِّ أَوِ الْوَاهِبِ إِنْ عُلِمَ وَإِلاَّ فَلُقَطَةٌ، وَقِيل لِمَالِكِهَا فِي الْحَال (٢) .

وَقَالُوا: إِنَّ مِلْكَ مَا يُوجَدُ مِنَ الْكُنُوزِ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ بِشِرَاءٍ أَوْ مَا يُشْبِهُهُ يَخْتَصُّ بِمَالِكِ تِلْكَ الأَْرْضِ حُكْمًا وَهُوَ الْجَيْشُ الَّذِي فَتَحَهَا عَنْهُ، فَيُدْفَعُ الْبَاقِي لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْجَيْشُ فَلِوَارِثِهِ إِنْ وُجِدَ، فَإِنِ انْقَرَضَ الْوَارِثُ فَقَال سَحْنُونٌ: إِنَّهُ لُقَطَةٌ فَيَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِهِ عَنْ أَرْبَابِهِ وَيُعْمَل فِيهِ مَا يُعْمَل فِي اللُّقَطَةِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا انْقَرَضَ الْوَارِثُ حَل مَحَلَّهُ بَيْتُ الْمَال مِنْ أَوَّل الأَْمْرِ، لأَِنَّهُ مَالٌ جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مَا مَشَى

_________

(١) المبسوط ٢ / ٢١٤، فتح القدير ١ / ٥٤٠ ط. الأميرية.

(٢) الشرح الصغير ١ / ٦٥٥، والدسوقي ١ / ٤٩١.

عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُول: كُل كَنْزٍ وُجِدَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي بِلاَدِ قَوْمٍ صَالَحُوا عَلَيْهَا فَأَرَاهُ لأَِهْل تِلْكَ الدَّارِ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَيْهَا، وَلَيْسَ هُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ، وَمَا أُصِيبَ فِي أَرْضِ الْعِتْقِ فَأَرَاهُ لِجَمَاعَةِ مُسْلِمِي أَهْل تِلْكَ الْبِلاَدِ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا، وَلَيْسَ هُوَ لِمَنْ أَصَابَهُ دُونَهُمْ، لأَِنَّ مَا فِي دَاخِلِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا فِي خَارِجِهَا فَهُوَ لِجَمِيعِ أَهْل تِلْكَ الْبِلاَدِ، وَيُخَمَّسُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا كَانَ الرِّكَازُ فِي أَرْضٍ انْتَقَلَتْ إِلَى وَاجِدِهِ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحِل لِلْوَاجِدِ أَخْذُهُ، بَل يَلْزَمُهُ عَرْضُهُ عَلَى مَنْ مَلَكَ الأَْرْضَ عَنْهُ، ثُمَّ الَّذِي قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يَدَعْهُ، ثُمَّ هَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُحْيِي (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الأَْرْبَعَةَ الأَْخْمَاسَ لِوَاجِدِهَا لأَِنَّهَا مَال كَافِرٍ مَظْهُورٍ عَلَيْهِ فِي الإِْسْلاَمِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ لِلْحَنَابِلَةِ هِيَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهِيَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إِلَى أَوَّل مَالِكٍ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَوَّل مَالِكٍ فَهُوَ كَالْمَال الضَّائِعِ الَّذِي لاَ يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ (٣) .

_________

(&# x٦٦١ ;) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩٩، والخرشي ٢ / ٢١١، والمدونة ١ / ٢٩١.

(٢) المجموع ٦ / ٩٤.

(٣) المغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٣.

ج - مَا يُوجَدُ مِنَ الْكَنْزِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فِي أَرْضٍ مَلَكَهَا صَاحِبُهَا بِالإِْحْيَاءِ فَيُخَمَّسُ مَا يُوجَدُ (١)، وَيَسْتَحِقُّ الْمُحْيِي الأَْخْمَاسَ الأَْرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْكَنْزَ لِلْوَاجِدِ إِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَلَكَهَا بِالإِْحْيَاءِ أَوِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِمِيرَاثٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٢) .

د - مَا يُوجَدُ مِنَ الْكَنْزِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ فَالْكَنْزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ الأَْرْضُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ (٣) .

النَّوْعُ الثَّانِي: الْكُنُوزُ الَّتِي يَجِدُهَا الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ:

٨ - فَصَّل الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ مَا يَجِدُهُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ مِنْ كُنُوزٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ كَمَوَاتِ دَارِ الإِْسْلاَمِ فِيهِ الْخُمُسُ (٤) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٥) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا وُجِدَ الْكَنْزُ فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ بِمَمْلُوكَةٍ لأَِحَدٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ

_________

(١) المجموع ٦ / ٩٤.

(٢) كشاف القناع ٢ / ٢٢٧.

(٣) المجموع ٦ / ٩٤.

(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩١، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٥.

(٥) حديث: " وفي الركاز الخمس ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٦٤) ومسلم (٣ / ١٣٣٤) من حديث أبي هريرة.

لِلْوَاجِدِ، وَلاَ يُخَمَّسُ، لأَِنَّهُ مَالٌ أَخَذَهُ لاَ عَنْ طَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لاِنْعِدَامِ غَلَبَةِ أَهْل الإِْسْلاَمِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَمْ يَكُنْ غَنِيمَةً، وَلاَ خُمُسَ فِيهِ، وَيَكُونُ الْكُل لَهُ، لأَِنَّهُ مُبَاحٌ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَيَمْلِكُهُ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ، وَسَوَاءٌ دَخَل بِأَمَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمَانٍ، لأَِنَّ حُكْمَ الأَْمَانِ يَظْهَرُ فِي الْمَمْلُوكِ لاَ فِي الْمُبَاحِ (١) .

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِذَا وَجَدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي مَوَاتٍ لاَ يَذُبُّونَ عَنْهُ فَهُوَ كَمَوَاتِ دَارِ الإِْسْلاَمِ فِيهِ الْخُمُسُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.

وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَذُبُّونَ عَنْهُ ذَبَّهُمْ عَنِ الْعُمْرَانِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رِكَازٌ كَالَّذِي لاَ يَذُبُّونَ عَنْهُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ (٢) .

٩ - أَمَّا إِنْ وُجِدَ الْكَنْزُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لأَِهْل هَذِهِ الدَّارِ فَيُفَرِّقُ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ حَالَيْنِ:

أَوَّلُهُمَا، أَنْ يَدْخُل بِأَمَانٍ فَلاَ يَحِل لَهُ أَخْذُ الْكَنْزِ لاَ بِقِتَالٍ وَلاَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ خِيَانَتُهُمْ فِي أَمْتِعَتِهِمْ، فَإِنْ أَخَذَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِلاَّ مَلَكَهُ مِلْكًا خَبِيثًا، لِتَمَكُّنِ خَبَثِ الْخِيَانَةِ فِيهِ فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لَكِنْ لاَ يَطِيبُ لِلْمُشْتَرِي،

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦، والسير الكبير ٥ / ٢١٦٥.

(٢) المجموع ٦ / ٩٤.