الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
كِنَايَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يُتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الْمَكْنِيِّ عَنْهُ كَالرَّفَثِ وَالْغَائِطِ، وَهِيَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ كَنَيْتُ بِكَذَا عَنْ كَذَا مِنْ بَابِ رَمَى (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ كَلاَمٌ اسْتُتِرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالاِسْتِعْمَال، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ أَمِ الْمَجَازَ، فَيَكُونُ تَرَدُّدٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلاَلَةِ الْحَال.
وَذَكَرَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّ الْكِنَايَةَ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ بِهِ لِتَوَارُدِ الاِحْتِمَالاَتِ عَلَيْهِ بِخِلاَفِ الصَّرِيحِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّرِيحُ:
٢ - الصَّرِيحُ فِي اللُّغَةِ مِنْ صَرُحَ الشَّيْءُ - بِالضَّمِّ - خَلَصَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ غَيْرِهِ فَهُوَ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرجاني، وفتح القدير ٣ / ٧٨ - ٨٨.
صَرِيحٌ، وَكُل خَالِصٍ صَرِيحٌ، وَمِنْهُ الْقَوْل الصَّرِيحُ، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى إِضْمَارٍ أَوْ تَأْوِيلٍ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الصَّرِيحُ هُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى لاَ يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُهُ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا الْمُقَابَلَةُ.
فَالصَّرِيحُ يُدْرَكُ الْمُرَادُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، بِخِلاَفِ الْكِنَايَةِ فَتَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ.
ب - الْمَجَازُ:
٢ - الْمَجَازُ اسْمٌ لِمَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ مُنَاسَبَةً بَيْنَهُمَا، كَتَسْمِيَةِ الشُّجَاعِ أَسَدًا، وَسُمِّيَ مَجَازًا لأَِنَّهُ جَاوَزَ وَتَعَدَّى مَحَلَّهُ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعَ لَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَالصِّلَةُ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْمَجَازُ (٣) .
ج - التَّعْرِيضُ:
٤ - التَّعْرِيضُ هُوَ: مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ: أَنَّ التَّعْرِيضَ هُوَ تَضْمِينُ الْكَلاَمِ دَلاَلَةً لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ، كَقَوْل الْمُحْتَاجِ: جِئْتُك لأُِسَلِّمَ عَلَيْك،
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) الأشباه للسيوطي ص٢٩٣.
(٣) التعريفات، والمصباح المنير.
(٤) التعريفات.
فَيَقْصِدُ مِنَ اللَّفْظِ السَّلاَمَ وَمِنَ السِّيَاقِ طَلَبَ الْحَاجَةِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكِنَايَةِ:
٥ - التَّعْبِيرُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا قَدْ يَكُونُ بِالصَّرِيحِ مِنَ الْقَوْل أَوْ بِالْكِنَايَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَمْيِيزِ الْكِنَايَةِ مِنَ الصَّرِيحِ وَفِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْكِنَايَةِ، وَمَا يَلْزَمُ فِيهَا.
التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالصَّرِيحِ:
٦ - لِلشَّافِعِيَّةِ ضَابِطٌ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالصَّرِيحِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَقْدِ وَالْفُسُوخِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا. قَالُوا: إِنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مِنَ الأَْلْفَاظِ إِمَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ أَوْ لاَ، فَإِنْ تَكَرَّرَ حَتَّى اشْتَهَرَ - كَالْبَيْعِ وَالطَّلاَقِ - فَهُوَ صَرِيحٌ إِذَا اسْتُعْمِل فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَإِنْ لَمْ يَشِعْ فِي الْعَادَةِ، لأَِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ هُوَ الْمُتَّبَعُ، وَعَلَى هَذَا قَالُوا: يَحْمِل الدَّرَاهِمَ فِي الأَْقَارِيرِ عَلَى النَّقْرَةِ (١) الْخَالِصَةِ قَطْعًا وَإِنْ غَلَبَ الْعُرْفُ بِخِلاَفِهَا، وَأَلْحَقُوا الْفِرَاقَ وَالسَّرَاحَ بِصَرِيحِ الطَّلاَقِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، بَل ذُكِرَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مَرَّةً فَقَطْ وَلَمْ يَشِعْ عَلَى لِسَانِ الْفُقَهَاءِ كَالْمُفَادَاةِ فِي الْخُلْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
_________
(١) النقرة: هي القطعة المذابة من الفضة، (المصباح المنير) .
افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١)، وَالإِْمْسَاكُ فِي الرَّجْعَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، فَوَجْهَانِ: وَالأَْصَحُّ الاِلْتِحَاقُ بِالصَّرِيحِ فِي الْكُل.
أَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ، وَشَاعَ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ شَاعَ فِي الْعُرْفِ فِي الطَّلاَقِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَرْعًا فِي الطَّلاَقِ فَوَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمُ: الْتِحَاقُهُ بِالْكِنَايَةِ.
وَمَا لَمْ يَرِدْ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَلَكِنْ شَاعَ عَلَى أَلْسِنَةِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعَقْدِ كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ فِي الْبَيْعِ، وَلَفْظِ الْفَسْخِ فِي الْخُلْعِ فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةٌ وَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: صَرَاحَتُهُ (٣) .
وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاَ يَكُونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا إِلاَّ فِيمَا لاَ يُسْتَعْمَل إِلاَّ فِي مَا وُضِعَ لَهُ (٤) .
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَا يَقَعُ فِيهِ الْكِنَايَةُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ
٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ كُل تَصَرُّفٍ يَسْتَقِل بِهِ الشَّخْصُ كَالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ يَنْعَقِدُ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٢) سورة البقرة / ٢٣١.
(٣) المنثور في القواعد ٢ / ٣٠٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٩٣.
(٤) بداية المجتهد ٢ / ٨٠، وكشاف القناع ٥ / ٢٤٥ - ٢٤٦، وبدائع الصنائع ٣ / ١٠٦.
بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ، وَأَمَّا مَا لاَ يَسْتَقِل بِهِ الشَّخْصُ بَل يَفْتَقِرُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ كَالنِّكَاحِ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، لأَِنَّ الشَّاهِدَ لاَ يَعْلَمُ النِّيَّةَ.
ثَانِيهِمَا: مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ وَهُوَ نَوْعَانِ:
الأَْوَّل: مَا يَقْبَل مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقَ بِالْغَرَرِ كَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ، فَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، لأَِنَّ مَقْصُودَ الْكِتَابَةِ الْعِتْقُ، وَمَقْصُودَ الْخُلْعِ الطَّلاَقُ، وَهُمَا يَصِحَّانِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَالثَّانِي: مَا لاَ يَقْبَلُهُ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي انْعِقَادِ هَذِهِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الاِنْعِقَادُ (١) .
وَنَقَل ابْنُ رَجَبٍ اخْتِلاَفَ الْحَنَابِلَةِ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَاتِ
قَال الْقَاضِي: لاَ كِنَايَةَ إِلاَّ فِي الطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الاِنْتِصَارِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَلاَ تَحِل الْعُقُودُ بِالْكِنَايَاتِ غَيْرِ النِّكَاحِ وَالرِّقِّ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: تَدْخُل الْكِنَايَاتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ سِوَى النِّكَاحِ
_________
(١) المجموع ٩ / ١٥٣ تحقيق المطيعي، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٩٦.
لاِشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَهِيَ لاَ تَقَعُ عَلَى النِّيَّةِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَيْضًا، وَكَلاَمُ كَثِيرٍ مِنَ الأَْصْحَابِ يَدُل عَلَيْهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف ٦) وَالْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ:
تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ بِاخْتِلاَفِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الآْتِي:
أ - كِنَايَاتُ الطَّلاَقِ:
٨ - كِنَايَاتُ الطَّلاَقِ كَثِيرَةٌ، بَل لاَ تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لَهَا، اتَّفَقُوا فِي أَكْثَرِهَا مِثْل: أَنْتِ بَائِنٌ، أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، بَرِيئَةٌ، بَتَّةٌ، أَمْرُكِ بِيَدِكِ، اخْتَارِي، اعْتَدِّي، اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، خَالَعْتُكِ بِدُونِ ذِكْرِ الْعِوَضِ) لاَ سَبِيل لِي عَلَيْكِ، أَنْتِ حُرَّةٌ، قُومِي، اخْرُجِي، اغْرُبِي، اعْزُبِي، انْطَلِقِي، انْتَقِلِي، تَقَنَّعِي، اسْتَتِرِي، تَزَوَّجِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ (٢) .
وَاخْتَلَفُوا فِي لَفْظَيْنِ هُمَا: سَرَّحْتُكِ، وَفَارَقْتُكِ، فَقَال الْجُمْهُورُ: إِنَّهُمَا كِنَايَتَانِ فِي الطَّلاَقِ، لأَِنَّهُمَا لَمْ يَشْتَهِرَا فِيهِ اشْتِهَارَ الطَّلاَقِ،
_________
(١) القواعد لابن رجب ص٥٠.
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٤٣٠، وبدائع الصنائع ٣ / ١٠٥، وبداية المجتهد ٢ / ٨٠ - ٨١، وكشاف القناع ٥ / ٢٥٠.
وَيُسْتَعْمَلاَنِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمَشْهُورِ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُمَا صَرِيحَانِ فِي الطَّلاَقِ، لاِشْتِهَارِهِمَا فِيهِ وَوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٢) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) مُرَادَانِ بِالطَّلاَقِ مَعَ تَكَرُّرِ الْفِرَاقِ فِيهِ، وَإِلْحَاقِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ مِنْهُمَا بِمَا تَكَرَّرَ، وَإِلْحَاقِ مَا لَمْ يَرِدْ مِنْ مُشْتَقَّاتِهِمَا فِي الْقُرْآنِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ لأَِنَّهُ بِمَعْنَاهُ (٤) .
٩ - وَأَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ هَذِهِ وَنَحْوُهَا تَحْتَمِل الطَّلاَقَ، وَتَحْتَمِل غَيْرَهُ، فَاسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهَا عِنْدَ السَّامِعِ، فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْهَا فَقَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ: يَحْتَمِل الْبَيْنُونَةَ عَنِ الشَّرِّ أَوِ الْخَيْرِ أَوِ النِّكَاحِ، وَخَلِيَّةٌ: يَحْتَمِل الْخُلُوَّ عَنِ الزَّوْجِ، وَالنِّكَاحِ، وَيَحْتَمِل الْخُلُوَّ عَنِ الأَْمْرَاضِ أَوِ الْعَيْبِ، وَفَارَقْتُكِ: يَحْتَمِل الْمُفَارَقَةَ عَنِ النِّكَاحِ، وَيَحْتَمِل الْمُفَارَقَةَ عَنِ الْمَضْجَعِ وَالْمَكَانِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ بَرِيئَةٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ، يَحْتَمِل الْبَرَاءَةَ مِنَ النِّكَاحِ، وَيَحْتَمِل
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٤٢٦، وبدائع الصنائع ٣ / ١٠٦، وبداية المجتهد ٢ / ٨٠ - ٨١، وكشاف القناع ٥ / ٢٤٥، والإنصاف ٨ / ٤٦٢.
(٢) سورة الأحزاب / ٢٨.
(٣) سورة النساء / ١٣٠.
(٤) المراجع السابقة.
الْبَرَاءَةَ عَنِ الشَّرِّ أَوِ الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ: بَتَّةٌ مِنَ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، فَيَحْتَمِل الْقَطْعَ عَنِ النِّكَاحِ وَيَحْتَمِل الْقَطْعَ عَنِ الشَّرِّ، وَقَوْلُهُ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، يَحْتَمِل الطَّلاَقَ، وَيَحْتَمِل أَمْرًا آخَرَ، وَهَكَذَا (١) .
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ مَسَائِل الْكِنَايَةِ.
١٠ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكِنَايَةَ كُل لَفْظٍ يُسْتَعْمَل فِي الطَّلاَقِ وَغَيْرِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ، وَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَخَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِل الطَّلاَقَ وَغَيْرَهُ، وَإِذَا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الأَْلْفَاظُ الطَّلاَقَ وَغَيْرَهُ فَقَدِ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهَا عِنْدَ السَّامِعِ فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ الْمُرَادِ.
وَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ نَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَقَعْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَال: مَا أَرَدْتُ بِهِ الطَّلاَقَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَل يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؟ هُنَاكَ تَفْصِيلٌ:
فَإِنْ كَانَتِ الْحَال حَال الرِّضَا وَابْتَدَأَ الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْحَال حَال مُذَاكَرَةِ الطَّلاَقِ
_________
(١) المصادر السابقة.
وَسُؤَالِهِ أَوْ حَالَةَ الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ فَالْكِنَايَاتُ أَقْسَامٌ ثَلاَثَةٌ:
الأَْوَّل: مَا كَانَ بِأَحَدِ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَاخْتَارِي، وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، فَهَذِهِ لاَ يَدِينُ فِيهَا، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ فِي حَالَتَيِ الْمُذَاكَرَةِ وَالْغَضَبِ، وَلاَ يُعْتَدُّ قَضَاءً بِإِنْكَارِهِ النِّيَّةَ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ بِأَحَدِ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الْخَمْسَةِ: وَهِيَ: خَلِيَّةٌ، وَبَرِيئَةٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَحَرَامٌ، فَهَذِهِ يَدِينُ فِيهَا فِي حَالَةِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، وَلاَ يَدِينُ فِي حَالَةِ ذِكْرِ الطَّلاَقِ، وَيَلْزَمُهُ الطَّلاَقُ قَضَاءً.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ بَقِيَّةُ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَيَدِينُ فِيهَا جَمِيعًا فِي كُل الأَْحْوَال (١) .
١١ - وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الْكِنَايَةَ فِي الطَّلاَقِ إِلَى نَوْعَيْنِ:
كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَكِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ.
وَأَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَهُمْ هِيَ:
بَتَّةٌ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ.
وَيَلْزَمُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا الثَّلاَثُ مُطْلَقًا، دَخَل بِهَا أَمْ لاَ، لأَِنَّ الْبَتَّ الْقَطْعُ، وَقَطْعُ الْعِصْمَةِ شَامِلٌ لِلثَّلاَثِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُل، وَالْحَبْل عِبَارَةٌ عَنِ الْعِصْمَةِ وَهُوَ إِذَا رَمَى الْعِصْمَةَ عَلَى كَتِفِهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ مُطْلَقًا.
وَالْبَيْنُونَةُ بَعْدَ الدُّخُول بِغَيْرِ عِوَضٍ إِنَّمَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٥ - ١٠٩.
تَكُونُ ثَلاَثًا، فَاعْتُبِرَ لَفْظُ بَائِنَةٌ، وَأُلْغِيَ لَفْظُ وَاحِدَةٌ.
وَمِنَ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ.
وَيَلْزَمُهُ فِي قَوْلِهِ: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ الثَّلاَثُ مُطْلَقًا، دَخَل بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُل مَا لَمْ يَنْوِ أَقَل مِنَ الثَّلاَثِ، فَإِنْ نَوَى الأَْقَل لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ.
وَهُنَاكَ عِنْدَهُمْ أَلْفَاظٌ تُشْبِهُ الْوَاحِدَةَ الْبَائِنَةَ. وَهِيَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَوَهَبْتُكِ لأَِهْلِكِ، أَوْ رَدَدْتُكِ، أَوْ لاَ عِصْمَةَ لِي عَلَيْكِ، وَأَنْتِ حَرَامٌ، أَوْ خَلِيَّةٌ لأَِهْلِكِ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ خَالِصَةٌ، أَوْ بَائِنَةٌ، أَوْ أَنَا بَائِنٌ مِنْكِ، أَوْ خَلِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ، أَوْ خَالِصٌ، فَيَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ فِي الْمَدْخُول بِهَا، وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا إِنْ لَمْ يَنْوِ أَقَل، فَإِنْ نَوَى الأَْقَل لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ وَحَلَفَ إِنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا: أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلاَّ الأَْقَل، لاَ إِنْ لَمْ يُرِدْهُ.
أَمَّا الأَْلْفَاظُ التَّالِيَةُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ، أَوْ وَجْهِي عَلَى وَجْهِكِ حَرَامٌ - وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ مِنْ وَعَلَى - وَقَوْلُهُ: لاَ نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ، أَوْ لاَ مِلْكَ لِي عَلَيْكِ، أَوْ لاَ سَبِيل لِي عَلَيْكِ، فَيَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ فِي الْمَدْخُول بِهَا فَقَطْ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الصِّيَغَ الثَّلاَثَ الأَْخِيرَةَ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْعِتَابَ، فَإِنْ قَصَدَ الْعِتَابَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، فَالْعِتَابُ قَرِينَةٌ وَبِسَاطٌ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ الطَّلاَقَ.