الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ غَسْل الإِْنَاءِ سَبْعًا وَلاَ تَتْرِيبَ مَعَ الْغَسْل.

وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبُ غَسْل الإِْنَاءِ ثَلاَثًا، وَلَهُمْ قَوْلٌ بِغَسْلِهِ ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا (١) .

وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ تَعَدُّدَ الْغَسْل تَعَبُّدٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، لِطَهَارَةِ الْكَلْبِ. وَقِيل: لِقَذَارَتِهِ، وَقِيل: لِنَجَاسَتِهِ، وَعَلَيْهِمَا فَكَوْنُهُ سَبْعًا، تَعَبُّدًا، وَقِيل: لِتَشْدِيدِ الْمَنْعِ.

وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ كَوْنَ الْمَنْعِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ كَلِبًا، فَيَكُونُ قَدْ دَاخَل مِنْ لُعَابِهِ الْمَاءَ مَا يُشْبِهُ السُّمَّ، قَال: وَيَدُل عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيل تَحْدِيدُهُ بِالسَّبْعِ، لأَِنَّ السَّبْعَ مِنَ الْعَدَدِ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ التَّدَاوِي، لاَ سِيَّمَا فِيمَا يُتَوَقَّى مِنْهُ السُّمُّ، كَقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ (٢)

قَال ابْنُ عَرَفَةَ: وَرُدَّ عَلَيْهِ بِنَقْل الأَْطِبَّاءِ أَنَّ الْكَلْبَ الْكَلِبَ يَمْتَنِعُ عَنْ وُلُوغِ الْمَاءِ.

وَأَجَابَ حَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ، أَنَّهُ يَمْتَنِعُ

_________

(١) مواهب الجليل ١ / ١٣، ١٤، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧، والدسوقي على الدردير ١ / ٨٣ - ٨٤، والمغني ١ / ٥٢ - ٥٤ ط. الرياض، وأسنى المطالب ١ / ٢١.

(٢) حديث: " من تصبح بسبع تمرات. . . ". أخرجه مسلم (٨ / ١٦١٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.

إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ الْكَلْبُ، أَمَّا فِي أَوَائِلِهِ، فَلاَ (١) .

(ر: مُصْطَلَحَ تَتْرِيبٌ ف ٢) .

تَعَدُّدُ الْوُلُوغِ:

١٩ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَتَعَدَّدُ الْغَسْل سَبْعًا بِسَبَبِ وُلُوغِ كَلْبٍ وَاحِدٍ مَرَّاتٍ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ وُلُوغِ كِلاَبٍ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ قَبْل غَسْلِهِ، لِتَدَاخُل مُسَبِّبَاتِ الأَْسْبَابِ الْمُتَّفِقَةِ فِي الْمُسَبَّبِ كَنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَمُوجِبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ (٢) .

وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ وَلَغَ كَلْبَانِ، أَوْ كَلْبٌ وَاحِدٌ مَرَّاتٍ فِي إِنَاءٍ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: الصَّحِيحُ، أَنَّهُ يَكْفِيهِ لِلْجَمِيعِ سَبْعُ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ لِكُل وَلْغَةٍ سَبْعٌ، وَالثَّالِثُ: يَكْفِي لِوَلَغَاتِ الْكَلْبِ الْوَاحِدِ سَبْعٌ، وَيَجِبُ لِكُل كَلْبٍ سَبْعٌ.

وَلاَ تَقُومُ الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ، وَلاَ غَمْسُ الإِْنَاءِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَمُكْثُهُ فِيهِ قَدْرَ سَبْعِ غَسَلاَتٍ مَقَامَ التُّرَابِ عَلَى الأَْصَحِّ (٣) .

قَال الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: وَكَفَتِ السَّبْعُ مَعَ التَّتْرِيبِ فِي إِحْدَاهَا وَإِنْ تَعَدَّدَتِ الْكِلاَبُ (٤) .

_________

(١) مواهب الجليل ١ / ١٧٧.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٤، ومواهب الجليل ١ / ١٧٩.

(٣) شرح صحيح مسلم ٣ / ١٨٥ ط. المطبعة المصرية ومكتبتها.

(٤) أسنى المطالب ١ / ٢١ ط. المكتبة الإسلامية.

وَقَال النَّوَوِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ دَمَهُ أَوْ رَوَثَهُ، فَلَمْ يَزَل عَنْهُ إِلاَّ بِسِتِّ غَسَلاَتٍ، فَهَل يُحْسَبُ ذَلِكَ سِتَّةُ غَسَلاَتٍ، أَمْ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، أَمْ لاَ يُحْسَبُ مِنَ السَّبْعِ؟ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا وَاحِدَةٌ (١) .

مُرُورُ الْكَلْبِ الأَْسْوَدِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي:

٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل بِمُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَطْعِ الصَّلاَةِ بِمُرُورِ شَيْءٍ إِنَّمَا هُوَ نَقْصُ الصَّلاَةِ لِشَغْل قَلْبِ الْمُصَلِّي بِمَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِبْطَال الصَّلاَةِ.

وَنَقَل الْجَمَاعَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ يَقْطَعُهَا إِلاَّ الْكَلْبُ الأَْسْوَدُ الْبَهِيمُ، قَال الأَْثْرَمُ: سُئِل أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ؟ قَال: لاَ يَقْطَعُهَا عِنْدِي شَيْءٌ إِلاَّ الْكَلْبُ الأَْسْوَدُ الْبَهِيمُ (٢) .

وَالْبَهِيمُ الَّذِي لَيْسَ فِي لَوْنِهِ شَيْءٌ سِوَى السَّوَادِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ تُخَالِفَانِ لَوْنَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا عَنْ كَوْنِهِ بَهِيمًا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الأَْسْوَدِ الْبَهِيمِ، مِنْ قَطْعِ الصَّلاَةِ، وَتَحْرِيمِ صَيْدِهِ وَإِبَاحَةِ قَتْلِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ: عَلَيْكُمْ بِالأَْسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي

_________

(١) شرح صحيح مسلم ٣ / ١٨٥.

(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ١٨٢، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، وصحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ٢٢٧.

النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ (١) . وَقَطْعُهُ لِلصَّلاَةِ قَوْل عَائِشَةَ ﵂، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَمَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَأَبِي الأَْحْوَصِ.

وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْل مُؤَخِّرَةِ الرَّحْل (٢) .

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل آخِرَةِ الرَّحْل، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل آخِرَةِ الرَّحْل، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلاَتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الأَْسْوَدُ قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَال الْكَلْبِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الأَْحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الأَْصْفَرِ؟ قَال: يَا ابْنَ أَخِي، سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَال: الْكَلْبُ الأَْسْوَدُ شَيْطَانٌ (٣) .

أَكْل لَحْمِ الْكَلْبِ:

٢١ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ حُرْمَةَ أَكْل لَحْمِ كُل ذِي نَابٍ يَفْتَرِسُ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَهْلِيَّةً

_________

(١) حديث: " عليكم بالأسود البهيم. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٠٠) من حديث جابر بن عبد الله.

(٢) حديث: " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٦٦) .

(٣) حديث أبي ذر: " إذا قام أحدكم يصلي. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٦٥) .

كَالْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ الأَْهْلِيِّ، أَمْ وَحْشِيَّةً كَالأَْسَدِ وَالذِّئْبِ.

اسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ (١) .

وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي أَكْل لَحْمِ الْكَلْبِ قَوْلاَنِ: الْحُرْمَةُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّحْرِيمَ، قَال الْحَطَّابُ وَلَمْ أَرَ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ نَقَل إِبَاحَةَ أَكْل الْكِلاَبِ (٢) .

(وَلِلتَّفْصِيل ر: أَطْعِمَةٌ ف ٢٤) .

هِبَةُ الْكَلْبِ:

٢٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - إِلَى صِحَّةِ هِبَةِ الْكَلْبِ لأَِنَّهَا تَبَرُّعٌ وَأَخَفُّ مِنَ الْبَيْعِ.

وَالأَْصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - بُطْلاَنُ هِبَةِ الْكَلْبِ قِيَاسًا عَلَى بُطْلاَنِ بَيْعِهِ (٣) .

وَقْفُ الْكَلْبِ:

٢٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَدَمَ جَوَازِ وَقْفِ الْكَلْبِ.

_________

(١) حديث أبي هريرة: " كل ذي ناب من السباع. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٣٤) .

(٢) مواهب الجليل ٣ / ٢٣٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ١١٧.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ٢١٢، وروضة الطالبين ٥ / ٢٧٤، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٦.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ وَقْفُ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ أَوِ الَّذِي يَقْبَل التَّعْلِيمَ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَالثَّانِي يَصِحُّ عَلَى رَأْيٍ، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ أَوِ الْقَابِل لِلتَّعْلِيمِ فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ وَقْفُهُ جَزْمًا (١) .

رَهْنُ الْكَلْبِ:

٢٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ رَهْنُ الْكَلْبِ لأَِنَّ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ لاَ يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ يَجُوزُ رَهْنُهُ.

وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُ رَهْنِهِ بِاعْتِبَارِهِ مَالًا (٢) .

(ر: رَهْنٌ ف ٩) .

ضَمَانُ عَقْرِ الْكَلْبِ:

٢ - لِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي ضَمَانِ جِنَايَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَكُل حَيَوَانٍ خَطَرٍ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ ف ١٠٩) .

قَتْل الْكَلْبِ:

٢٦ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ قَتْل كُل كَلْبٍ أَضَرَّ وَمَا عَدَاهُ جَائِزٌ قَتْلُهُ لأَِنَّهُ لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ، وَلاَ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٦١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٦، والخرشي مع حاشية العدوي ٧ / ٧٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٨، والمغني ٥ / ٦٤١.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٢ - ١٤٣، ٦ / ١٣٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٢

اخْتِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْل كِلاَبِ الْمَاشِيَةِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ.

قَال الْحَطَّابِ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل مِنَ الْكِلاَبِ أَسْوَدُ وَلاَ غَيْرُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَقُورًا، مُؤْذِيًا، وَقَالُوا: الأَْمْرُ بِقَتْل الْكِلاَبِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا (١) فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ كَلْبًا مِنْ غَيْرِهِ.

وَاحْتَجُّوا - كَذَلِكَ - بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْكَلْبِ الَّذِي كَانَ يَلْهَثُ عَطَشًا، فَسَقَاهُ الرَّجُل، فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَقَال: قَال ﷺ: فِي كُل كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ (٢) قَالُوا: فَإِذَا كَانَ الأَْجْرُ فِي الإِْحْسَانِ إِلَيْهِ، فَالْوِزْرُ فِي الإِْسَاءَةِ إِلَيْهِ، وَلاَ إِسَاءَةَ إِلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِهِ.

وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﵊: الْكَلْبُ الأَْسْوَدُ شَيْطَانٌ مَا يَدُل عَلَى قَتْلِهِ، لأَِنَّ شَيَاطِينَ الإِْنْسِ وَالْجِنِّ كَثِيرٌ، وَلاَ يَجِبُ قَتْلُهُمْ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَا لاَ يَظْهَرُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلاَ ضَرَرٌ - كَالْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِعَقُورٍ - يُكْرَهُ قَتْلُهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَمُقْتَضَى

_________

(١) حديث: " لا تتخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٩) من حديث ابن عباس.

(٢) حديث: " في كل كبد رطبة أجر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٤٠ - ٤١) ومسلم (٤ / ١٧٦١) من حديث أبي هريرة.

(٣) مواهب الجليل ٣ / ٢٣٦ - ٢٣٧.

كَلاَمِ بَعْضِهِمُ التَّحْرِيمُ.

وَالْمُرَادُ الْكَلْبُ الَّذِي لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ مُبَاحَةً، فَأَمَّا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ بِلاَ شَكٍّ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الأَْسْوَدُ وَغَيْرُهُ.

وَالأَْمْرُ بِقَتْل الْكِلاَبِ مَنْسُوخٌ (١) .

وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ: يَحْرُمُ قَتْل الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ. وَقَاتِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ، وَكَذَلِكَ كُل كَلْبٍ مُبَاحٌ إِمْسَاكُهُ، لأَِنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ، يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ، فَحَرُمَ إِتْلاَفُهُ، كَالشَّاةِ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا، وَلاَ غُرْمَ عَلَى قَاتِلِهِ (٢) .

قَال الرَّحِيبَانِيُّ (٣): لاَ يُبَاحُ قَتْل شَيْءٍ مِنَ الْكِلاَبِ سِوَى الأَْسْوَدِ وَالْعَقُورِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَال: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: بِقَتْل الْكِلاَبِ ثُمَّ قَال: مَا بَالُهُمْ وَبَال الْكِلاَبِ؟ (٤) وَيُبَاحُ قَتْل الْكَلْبِ الْعَقُورِ.

فَكُل مَا آذَى النَّاسَ وَضَرَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يُبَاحُ قَتْلُهُ، لأَِنَّهُ يُؤْذِي بِلاَ نَفْعٍ، أَشْبَهَ الذِّئْبَ، وَمَا لاَ مَضَرَّةَ فِيهِ لاَ يُبَاحُ قَتْلُهُ (٥)، وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: يَجِبُ قَتْلُهُ.

_________

(١) روضة الطالبين ٣ / ١٤٦.

(٢) المغني ٤ / ١٩٠، ١٩١.

(٣) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٤٩.

(٤) حديث عبد الله بن مغفل: " أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣٥) .

(٥) المغني ٤ / ٢٨١ ط. مكتبة الرياض الحديثة.

٢٧ - وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ قَتْل الْكَلْبِ الْعَقُورِ فِي الْحَرَمِ لِلْحَدِيثِ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (١) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ، عَمَلًا بِنَصِّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ (٢) .

دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْكَلْبِ:

٢٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ الْكَلْبِ غَيْرِ الْعَقُورِ وَحِفْظُ حَيَاتِهِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَل بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُل الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَال: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْل الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقَا، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَال: فِي كُل كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ (٣) .

وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَلَى

_________

(١) حديث: " خمس من الدواب. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٤) ومسلم (٢ / ٨٥٧ واللفظ للبخاري) .

(٢) كشاف القناع ٢ / ٤٣٩.

(٣) حديث: " بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش. . . ". سبق تخريجه ف٢٦.

مَنْ مَعَهُ مَاءٌ وَخَافَ - بِاسْتِعْمَالِهِ - مَرَضًا، أَوْ زِيَادَتَهُ، أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ، أَوْ عَطَشَ مُحْتَرَمٍ، مَعَهُ أَيْ مُحَرَّمٌ قَتْلُهُ، آدَمِيًّا كَانَ أَوْ بَهِيمِيًّا، وَمِنْهُ كَلْبُ الصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ، أَيْ فَيَجِبُ سَقْيُهُ، وَلَوْ دَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى التَّيَمُّمِ (١) .

وَقَال النَّوَوِيُّ (٢): كَمَا يَجِبُ بَذْل الْمَال لإِبْقَاءِ الآْدَمِيِّ الْمَعْصُومِ يَجِبُ بَذْلُهُ لإِبْقَاءِ الْبَهِيمَةِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا لِلْغَيْرِ، وَلاَ يَجِبُ الْبَذْل لِلْحَرْبِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ.

وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ كَلْبٌ - غَيْرُ عَقُورٍ - جَائِعٌ، وَشَاةٌ، لَزِمَهُ ذَبْحُ الشَّاةِ لإِطْعَامِ الْكَلْبِ.

كَلْبُ الْمَاءِ

انْظُرْ: أَطْعِمَة.

كُلِّيَّات

انْظُرْ: ضَرُورِيَّات.

_________

(١) مراقي الفلاح ص٦٢، ومواهب الجليل ٣ / ٢٣٧، وكشاف القناع ١ / ١٦٤.

(٢) روضة الطالبين ٣ / ٢٨٨.