الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
يُرِيدُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ، لَمْ يَحْرُمِ اقْتِنَاؤُهُ فِي مُدَّةِ تَرْكِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الزَّرْعِ.
وَلَوْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ، فَأَرَادَ شِرَاءَ غَيْرِهَا فَلَهُ إِمْسَاكُ كَلْبِهَا لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الَّتِي يَشْتَرِيهَا.
وَإِنِ اقْتَنَى كَلْبًا لِصَيْدِ مَنْ لاَ يَصِيدُ بِهِ، احْتَمَل الْجَوَازَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا، وَاحْتَمَل الْمَنْعَ، لأَِنَّهُ اقْتَنَاهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنَ الْكِلاَبِ.
وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ لأَِمْرِهِ ﵊ بِقَتْلِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزِ اقْتِنَاؤُهُ لَمْ يَجُزْ تَعْلِيمُهُ، لأَِنَّ التَّعْلِيمَ إِنَّمَا يَجُوزُ مَعَ جَوَازِ الإِْمْسَاكِ، فَيَكُونُ التَّعْلِيمُ حَرَامًا، وَالْحِل لاَ يُسْتَفَادُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، " وَلأَِنَّهُ عُلِّل بِكَوْنِهِ شَيْطَانًا، وَمَا قَتَلَهُ الشَّيْطَانُ لاَ يُبَاحُ أَكْلُهُ كَالْمُنْخَنِقَةِ (١) .
وَتَجُوزُ تَرْبِيَةُ الْجِرْوِ الصَّغِيرِ لأَِحَدِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ - فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ - عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ قَصَدَهُ لِذَلِكَ، فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجَحْشِ الصَّغِيرِ الَّذِي لاَ نَفْعَ فِيهِ فِي الْحَال لِمَآلِهِ إِلَى الاِنْتِفَاعِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الصَّغِيرَ مَا أَمْكَنَ جَعْل الْكَلْبِ كَذَلِكَ، إِذْ لاَ يَصِيرُ مُعَلَّمًا إِلاَّ بِالتَّعْلِيمِ، وَلاَ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ إِلاَّ بِتَرْبِيَتِهِ وَاقْتِنَائِهِ مُدَّةً يُعَلِّمُهُ فِيهَا (٢) .
_________
(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٤٨ - ٣٤٩.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٤ / ١٤.
الْتِقَاطُ الْكَلْبِ:
٥ - يُبَاحُ الْتِقَاطُ كُل حَيَوَانٍ لاَ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ الْتِقَاطُ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَعَلَى مُلْتَقِطِهِ أَنْ يُعَرِّفَهُ لِمُدَّةِ سَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُهُ صَارَ مِلْكًا لِمُلْتَقِطِهِ (١) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَا لَيْسَ بِمَالٍ: كَكَلْبٍ يُقْتَنَى، فَمَيْل الإِْمَامِ وَالآْخِذِينَ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ عَلَى قَصْدِ الْحِفْظِ أَبَدًا، لأَِنَّ الاِخْتِصَاصَ بِهِ بِعِوَضٍ مُمْتَنِعٌ، وَبِلاَ عِوَضٍ يُخَالِفُ وَضْعَ اللُّقَطَةِ، وَقَال الأَْكْثَرُونَ: يُعَرِّفُهُ سَنَةً، ثُمَّ يَخْتَصُّ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تَلِفَ فَلاَ ضَمَانَ (٢) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ الْتِقَاطُ مَا يَقْوَى عَلَى الاِمْتِنَاعِ بِنَفْسِهِ: لِكِبَرِ جُثَّتِهِ، كَالإِْبِل، أَوْ لِطَيَرَانِهِ، أَوْ لِسُرْعَتِهِ، كَالظِّبَاءِ، أَوْ بِنَابِهِ، كَالْكِلاَبِ وَالْفُهُودِ (٣) .
الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ:
٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِنَجَاسَةٍ يَحِل الاِنْتِفَاعُ بِهَا لِثُبُوتِ الاِخْتِصَاصِ فِيهَا، كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَيْ قَابِلٍ لِلتَّعْلِيمِ بِخِلاَفِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلاَبِهِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا فِي
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ١٦٦.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٤٠٥.
(٣) المغني ٥ / ٧٤٠ ط. الرياض.
صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ أَحَدَهَا بِتَعْيِينِ الْوَارِثِ أَيْ حَسَبَ اخْتِيَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي كَلْبٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ لَغَتْ وَصِيَّتُهُ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلاَبٌ مُنْتَفَعٌ بِهَا، وَوَصَّى بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، فَالأَْصَحُّ نُفُوذُهَا وَإِنْ كَثُرَتِ الْكِلاَبُ الْمُوصَى بِهَا وَقَل الْمَال، لأَِنَّهُ خَيْرٌ مِنْهَا، إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهَا.
وَالثَّانِي وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ، لاَ تَنْفُذُ إِلاَّ فِي ثُلُثِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَالٌ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِ حَتَّى تُضَمَّ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: تُقَوَّمُ بِتَقْدِيرِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا، وَتُضَمُّ إِلَى الْمَال، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي ثُلُثِ الْجَمِيعِ، أَيْ فِي قَدْرِهِ مِنَ الْكِلاَبِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ، لأَِنَّهَا نَقْلٌ لِلْيَدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَتَصِحُّ هِبَتُهُ لِذَلِكَ، وَقَال الْقَاضِي: لاَ تَصِحُّ، لأَِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ، وَالأَْوَّل أَصَحُّ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ لأَِنَّهُ يُؤْخَذُ عِوَضُهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ (٢) .
وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: وَإِنْ وَصَّى بِكَلْبٍ وَلَهُ كِلاَبٌ، فَلِلْوَرَثَةِ إِعْطَاؤُهُ أَيَّ كَلْبٍ شَاءُوا.
وَإِنْ وَصَّى لِزَيْدٍ بِكِلاَبِهِ، وَوَصَّى لآِخَرَ
_________
(١) القليوبي وعميرة ٣ / ١٦٠ - ١٦١.
(٢) المغني لابن قدامة ٤ / ٢٨٠ ط. مطبعة الرياض الحديثة.
بِثُلُثِ مَالِهِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الْمَال، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْكِلاَبِ ثُلُثُهَا، إِنْ لَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ، لأَِنَّ مَا حَصَل لِلْوَرَثَةِ مِنْ ثُلُثَيِ الْمَال قَدْ جَازَتِ الْوَصِيَّةُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ ثُلُثُ الْمَال، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْكِلاَبِ (١) .
سَرِقَةُ الْكَلْبِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ قَطْعَ فِي سَرِقَةِ الْكَلْبِ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا أَوْ لِحِرَاسَةٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِهِ (٢) بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا.
وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ مِنْ جِنْسِهِ مُبَاحُ الأَْصْل وَبِاخْتِلاَفِ الْعُلَمَاءِ فِي مَالِيَّتِهِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً.
وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ - وَلَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ، لأَِنَّ الْقَطْعَ جُعِل لِصِيَانَةِ الأَْمْوَال، وَهَذِهِ الأَْشْيَاءُ لَيْسَتْ بِمَالٍ.
وَهَذَا خِلاَفًا لأَِشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ الْقَائِل بِالْقَطْعِ فِي الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ (٣) .
_________
(١) مطالب أولي النهى ٤ / ٤٩٥.
(٢) حديث " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الكلب ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٩٨) من حديث أبي مسعود الأنصاري. بلفظ: " نهى عن ثمن الكلب ".
(٣) ابن عابدين ٤ / ٩٤ ط. الحلبي، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٠ - ٢٩١، والشرح الصغير ٤ / ٤٧٤، وروضة الطالبين ٥ / ٤٠٥، والقليوبي وعميرة ٤ / ١٩٥، والمهذب ٢ / ٣٥٩، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٢٨٢.
غَصْبُ الْكَلْبِ:
٨ - مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ غَصْبَ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ وَيَجِبُ رَدُّهُ، بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَغْرَمُ إِذْ لاَ قِيمَةَ لَهُ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ رَدُّ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَإِذَا أَتْلَفَهُ لَمْ يَغْرَمْهُ.
(ر: مُصْطَلَحَ غَصْبٌ ف ١٣) .
مَا يُشْتَرَطُ لِحِل صَيْدِ الْكَلْبِ:
٩ - يُشْتَرَطُ لِحِل الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ كَلْبُ الصَّيْدِ مُعَلَّمًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) . وَلِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِل الْكِلاَبَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَال: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُل. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَال: وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا (٢) .
وَيُعْتَبَرُ فِي تَعْلِيمِ الْكَلْبِ شُرُوطٌ إِذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ اسْتَرْسَل، وَإِذَا زَجَرَهُ انْزَجَرَ وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُل.
(وَالتَّفْصِيل: فِي مُصْطَلَحِ صَيْدٌ ف ٣٨ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) سورة المائدة / ٤.
(٢) حديث عدي بن حاتم: " إني أرسل الكلاب المعلمة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٢٩) .
الاِنْتِفَاعُ بِالْكَلْبِ:
١٠ - تَقَدَّمَ جَوَازُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِحَاجَةٍ كَالصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُجُوهِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ الَّتِي لَمْ يَنْهَ الشَّارِعُ عَنْهَا
اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ:
١١ - مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ إِجَارَةَ الْكَلْبِ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْحِرَاسَةِ بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِنْدِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا بَيَّنَ لِذَلِكَ وَقْتًا مَعْلُومًا (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ بَاطِلٌ عَلَى الأَْصَحِّ، وَقِيل يَجُوزُ، كَالْفَهْدِ وَالْبَازِيِّ، وَالشَّبَكَةِ لِلاِصْطِيَادِ، وَالْهِرَّةِ لِدَفْعِ الْفَأْرِ (٢)، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ تَجُوزُ إِجَارَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لأَِنَّهُ حَيَوَانٌ مُحَرَّمٌ بَيْعُهُ لِخَبَثِهِ، فَحَرُمَتْ إِجَارَتُهُ كَالْخِنْزِيرِ (٣) .
(وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي: مُصْطَلَحِ إِجَارَةٌ ف) .
بَيْعُ الْكَلْبِ:
١٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ مُطْلَقًا " لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ " (٤) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٤.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ١٧٨.
(٣) المغني ٤ / ٢٨٠ ط. مطبعة الرياض الحديثة.
(٤) حديث: " نهى عن ثمن الكلب. . . ". سبق تخريجه ف٧.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ مُطْلَقًا لأَِنَّهُ مَالٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً، إِلاَّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهَا أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَحَكَى فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي أَنَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلًا بَيْنَ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَمَنَعُوا بِاتِّفَاقٍ بَيْعَ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ سَابِقًا.
وَأَمَّا الْمَأْذُونُ فِيهِ، فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَهُمْ.
الْمَنْعُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْجَوَازُ. وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعُ (١) .
بَيْعُ جِلْدِ الْكَلْبِ:
١٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لاَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ لأَِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلاَ يُبَاعُ وَلَوْ دُبِغَ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ جُلُودَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ، لِحَدِيثِ إِذَا دُبِغَ الإِْهَابُ فَقَدْ طَهُرَ (٢) فَيَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِ الْكَلْبِ بَعْدَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٢ - ١٤٣، والفواكه الدواني ٢ / ١٣٨، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٣ / ١١، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٣ / ٢٢، والمغني ٤ / ١٨٩.
(٢) حديث: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر ". أخرجه مسلم (١ / ٢٧٧) من حديث ابن عباس.
الدِّبَاغَةِ.
وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ بِطَهَارَةِ جِلْدِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ بِالدَّبْغِ مَا عَدَا الْخِنْزِيرِ لأَِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف ١٢، دِبَاغَةٌ ف ٨، جِلْدٌ ف ١٠ وَمَا بَعْدَهَا) .
الاِسْتِصْبَاحُ بِدُهْنِهِ وَوَدَكِهِ:
١٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِصْبَاحِ بِمَا كَانَ نَجِسًا بِعَيْنِهِ، فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ.
أَمَّا مَا كَانَ مُتَنَجِّسًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِصْبَاحِ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ - مَعَ الْكَرَاهَةِ - فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ وَكَذَلِكَ دُهْنُ الدَّوَابِّ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِالْمُتَنَجِّسِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ ﷺ سُئِل عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَال: إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ (٢) .
أَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِهِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلأَْذْرَعِيِّ
_________
(١) مراقي الفلاح ص٩١، وتبيين الحقائق ١ / ٥١، ورد المحتار ١ / ١٣٧، وبدائع الصنائع ١ / ٨٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٤، والمجموع ١ / ٢٤٥ - ٢٤٦، والمغني ١ / ٧١.
(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن. . . ". أورده ابن عبد البر في التمهيد (٩ / ٤٥) من حديث أبي هريرة، ونقل (٩ / ٣٦) عن البخاري أن هذه الرواية غير محفوظة، وإنما الحديث عن ميمونة ليس فيه ذكر الاستصباح.
وَالزَّرْكَشِيِّ،. وَصَرَّحَ. بِذَلِكَ. الإِْمَامُ. وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَال الرَّمْلِيُّ: وَمَحَل ذَلِكَ فِي غَيْرِ وَدَكٍ نَحْوِ الْكَلْبِ، فَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: مُصْطَلَحَ اسْتِصْبَاحٌ ف ٤) .
نَجَاسَةُ الْكَلْبِ:
١٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَلَكِنْ سُؤْرُهُ وَرُطُوبَاتُهُ نَجِسَةٌ (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ الْكَلْبَ طَاهِرُ الْعَيْنِ لِقَوْلِهِمْ: الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الطَّهَارَةِ. فَكُل حَيٍّ - وَلَوْ كَلْبًا وَخِنْزِيرًا - طَاهِرٌ، وَكَذَا عَرَقُهُ وَدَمْعُهُ وَمُخَاطُهُ وَلُعَابُهُ، وَإِلاَّ مَا خَرَجَ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ بَيْضٍ أَوْ مُخَاطٍ أَوْ دَمْعٍ أَوْ لُعَابٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلاَ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ - فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا، فَهَذَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي مِيتَتُهُ نَجِسَةٌ (٣) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسُ الْعَيْنِ (٤) .
_________
(١) نهاية المحتاج للرملي ٢ / ٣٧٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٤.
(٣) الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب مالك ١ / ٤٣، ٤٤.
(٤) الأم ١ / ٨، والقليوبي وعميرة ١ / ٦٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٥.
حُكْمُ شَعْرِ الْكَلْبِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ:
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَةِ شَعْرِ الْكَلْبِ أَوْ طَهَارَتِهِ سَوَاءٌ أُخِذَ مِنْهُ فِي حَال حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى طَهَارَتِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِلَى نَجَاسَتِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (مُصْطَلَحِ شَعْرٌ وَصُوفٌ وَوَبَرٌ ف ١٩) .
حُكْمُ مُعَضِّ كَلْبِ الصَّيْدِ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ:
١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَجَاسَةِ مُعَضِّ كَلْبِ الصَّيْدِ، مِمَّا يَصِيدُهُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى طَهَارَةِ مُعَضِّ الْكَلْبِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى نَجَاسَتِهِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (صَيْدٌ ف ٤٤) .
تَطْهِيرُ الإِْنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ:
١٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الإِْنَاءِ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ (١) .
_________
(١) حديث: " طهور إناء أحدكم. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٣٤) من حديث أبي هريرة.