الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
الطَّوَافِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي صَلاَةٍ. (١) وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَال: ". . . . طُفْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ فَمَا سَمِعْتُ وَاحِدًا مِنْهُمَا مُتَكَلِّمًا ". (٢)
الْحَلِفُ عَلَى أَنْ يُكَلِّمَ أَوْ لاَ يُكَلِّمَ، وَالنَّذْرُ كَذَلِكَ:
٢٢ - إِذَا حَلَفَ إِنْسَانٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُ فُلاَنًا أَوْ يُكَلِّمُهُ أَوْ قَال: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إِذَا تَكَلَّمْتُ مَعَ فُلاَنٍ أَوْ لَمْ أَتَكَلَّمْ مَعَهُ فَلَهُ حَالاَتٌ.
وَالتَّفْصِيل فِي (أَيْمَانٌ ف ١٣٦ وَمَا بَعْدَهَا، وَنَذْرٌ) .
الْكَلاَمُ عَلَى الطَّعَامِ:
٢٣ - قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مِنْ آدَابِ الأَْكْل أَنْ لاَ يَسْكُتُوا عَلَى الطَّعَامِ بَل يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُبَاسِطَ الإِْخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ عِنْدَ الأَْكْل وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَال إِذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ لِيَحْصُل لَهُمُ الاِنْبِسَاطُ وَيَطُول جُلُوسُهُمْ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلاَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يُسْتَقْذَرُ بَل يَذْكُرُ نَحْوَ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّ مِنْ آدَابِ الأَْكْل - الْكَلاَمَ عَلَى الطَّعَامِ وَلاَ يَسْكُتُ عَنِ الْكَلاَمِ فَإِنَّ السُّكُوتَ الْمَحْضَ مِنْ سِيَرِ الأَْعَاجِمِ، بَل عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِالْمُبَاحِ
_________
(١) أثر ابن عمر ﵄ أخرجه البيهقي (٥ / ٨٥) .
(٢) أثر ابن عمر وابن عباس ﵄ أخرجه البيهقي (٥ / ٨٥) .
وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَمِنْ هَذَا قِيل: الصَّمْتُ عَلَى الطَّعَامِ، مِنْ سِيرَةِ الْجُهَلاَءِ وَاللِّئَامِ، لاَ مِنْ سِيرَةِ الْعُلَمَاءِ الْكِرَامِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ الْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ كَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ عَلَى الطَّعَامِ، وَتَقْلِيل الْكَلاَمِ أَوْلَى.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ لِمَنْ يَأْكُل مَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يُسْتَقْذَرُ أَوْ بِمَا يُضْحِكُهُمْ أَوْ يُخْزِيهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ (١) .
الْكَلاَمُ عِنْدَ الْجِمَاعِ:
٢٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ الْكَلاَمِ عِنْدَ الْجِمَاعِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ الْكَلاَمُ عِنْدَ الْجِمَاعِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَقِيل مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَقِيل تَحْرِيمًا، قَالُوا: يُكْرَهُ الْكَلاَمُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْخَلاَءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ لأَِنَّهُ أَقْوَى فِي إِسَاءَةِ الأَْدَبِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمُجَامِعُ يُكْرَهُ لَهُ التَّكَلُّمُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، فَإِنْ عَطَسَ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوِ الْجِمَاعٍ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَلاَ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَتُكْرَهُ كَثْرَةُ الْكَلاَمِ حَال الْوَطْءِ.
_________
(١) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٤٤، وبريقة محمودية في شرح طريقة محمودية ٤ / ١٠٧، وأسنى المطالب ٣ / ٢٢٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥٠، وكشاف القناع ٥ / ١٧٦ - ١٨٠.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُكْرَهُ الإِْكْثَارُ مِنَ الْكَلاَمِ حَال الْجِمَاعِ لأَِنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلاَمُ حَال الْبَوْل وَحَال الْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ (١) .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهَ عَلَى حَالَيْنِ: عَلَى الْخَلاَءِ وَالرَّجُل يُوَاقِعُ أَهْلَهُ (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لِلرَّجُل أَنْ يُكَلِّمَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ الْوَطْءِ وَلاَ إِشْكَال فِي جَوَازِهِ وَلاَ وَجْهَ لِلْكَرَاهَةِ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَطْءٌ) .
هَجْرُ الْكَلاَمِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا:
٢٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَهْجُرَ زَوْجَتَهُ بِالْكَلاَمِ.
فَقَال الرَّمْلِيُّ: يَحْرُمُ هَجْرُ الزَّوْجَةِ بِالْكَلاَمِ فِيمَا زَادَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ لِكُل أَحَدٍ مِنْهُمَا إِلاَّ إِنْ قَصَدَ بِهِ رَدَّهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَإِصْلاَحَ دِينِهَا لاَ حَظَّ نَفْسِهِ، وَلاَ الأَْمْرَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ، لِجَوَازِ الْهَجْرِ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ كَكَوْنِ الْمَهْجُورِ نَحْوَ فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ وَكَصَلاَحِ دِينِهِ أَوْ دِينِ الْهَاجِرِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ هَجْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى زِيَادَةِ الْفِسْقِ فَيَنْبَغِي امْتِنَاعُهُ عَنِ الْهَجْرِ.
وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: هَجْرُ الزَّوْجَةِ فِي الْكَلاَمِ
_________
(١) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية ٣ / ٢٦٧، وأسنى المطالب ١ / ٤٦، وكشاف القناع ٥ / ١٩٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٥.
(٢) عمدة القاري ١ / ٦٦٥.
(٣) مواهب الجليل ٣ / ٤٠٦، والقوانين الفقهية ص ١٤١.
ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لاَ فَوْقَهَا (١)، لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ مَرْفُوعًا: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ (٢) .
وَيَحْرُمُ الْهِجْرَانُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ إِلاَّ لِبِدْعَةٍ فِي الْمَهْجُورِ أَوْ تَظَاهُرٍ بِفِسْقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ هَجَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَنَهَى الصَّحَابَةَ عَنْ كَلاَمِهِمْ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (٣) .
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (هَجْرٌ، وَنُشُوزٌ) .
مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ كَلاَمِ أَبَوَيْهَا:
٢٦ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ الزَّوْجَةِ مِنْ كَلاَمِ أَبَوَيْهَا (٤) .
قَال فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: وَلاَ يَمْلِكُ الزَّوْجُ مَنْعَهَا مِنْ كَلاَمِ أَبَوَيْهَا، وَلاَ يَمْلِكُ مَنْعَهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا، لأَِنَّهُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ إِلاَّ مَعَ ظَنِّ حُصُول ضَرَرٍ يُعْرَفُ بِقَرَائِنِ الْحَال بِسَبَبِ زِيَارَتِهِمَا (٥) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي زِيَارَةِ الْمَرْأَةِ لأَِبَوَيْهَا وَسَائِرِ أَهْلِهَا يُنْظَرُ فِي (زِيَارَةٌ ف ٨) .
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٣٨٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٨٧.
(٢) حديث: " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ". أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢١) ومسلم (٤ / ١٩٨٤) .
(٣) عمدة القاري ٩ / ٤٩٠.
(٤) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٧٢، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٠.
(٥) كشاف القناع ٥ / ١٩٧.
الْكَلاَمُ مَعَ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ:
٢٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّكَلُّمُ مَعَ الشَّابَّةِ الأَْجْنَبِيَّةِ بِلاَ حَاجَةٍ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ، وَقَالُوا إِنَّ الْمَرْأَةَ الأَْجْنَبِيَّةَ إِذَا سَلَّمَتْ عَلَى الرَّجُل إِنْ كَانَتْ عَجُوزًا رَدَّ الرَّجُل عَلَيْهَا لَفْظًا أَمَّا إِنْ كَانَتْ شَابَّةً يُخْشَى الاِفْتِتَانُ بِهَا أَوْ يُخْشَى افْتِتَانُهَا هِيَ بِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا فَالسَّلاَمُ عَلَيْهَا وَجَوَابُ السَّلاَمِ مِنْهَا حُكْمُهُ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الرَّجُل يَرُدُّ عَلَى سَلاَمِ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ إِنْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَتَرُدُّ هِيَ فِي نَفْسِهَا إِنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِحُرْمَةِ رَدِّهَا عَلَيْهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (سَلاَمٌ ف ١٩) .
الْغِيبَةُ بِالْكَلاَمِ:
٢٨ - الْغِيبَةُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ تَكُونُ بِالْكَلاَمِ، وَتَكُونُ بِغَيْرِهِ كَالإِْشَارَةِ وَالإِْيمَاءِ وَالْغَمْزِ وَالْهَمْزِ وَالْكِتَابَةِ وَالْحَرَكَةِ وَكُل ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (غِيبَةٌ ف ٧، ٨) .
قَطْعُ كَلاَمِ الْغَيْرِ:
٢٩ - يُكْرَهُ قَطْعُ كَلاَمِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
_________
(١) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية ٤ / ١٥٧٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٧٢، ٥ / ٢٣٣، والفواكه الدواني ٢ / ٢٢٤، وشرح الزرقاني ٣ / ١١٠، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٢٩، والمغني ٦ / ٥٥٨ - ٥٦٠.
لِكَلاَمِهِ خُصُوصًا إِذَا كَانَ الْكَلاَمُ الْمَقْطُوعُ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ أَوْ تَكْرَارِ الْفِقْهِ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً (١) .
الْكَلاَمُ أَثْنَاءَ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ:
٣٠ - يُكْرَهُ الْكَلاَمُ أَثْنَاءَ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ وَكَذَا بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ حَتَّى قِيل: التَّكَلُّمُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ يُنْقِصُ الثَّوَابَ وَلاَ يُسْقِطُهُ (٢) .
تَخَلُّل الْكَلاَمِ الأَْجْنَبِيِّ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول:
٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لاَ يَتَخَلَّل الْعَقْدَ كَلاَمٌ أَجْنَبِيٌّ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ فِي الْبَيْعِ الْفَصْل بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول إِلاَّ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْبَيْعِ لِغَيْرِهِ عُرْفًا (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف ١٨ وَمَا بَعْدَهَا) .
مَا يَجِبُ فِي إِذْهَابِ الْكَلاَمِ:
٣٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي إِذْهَابِ الْكَلاَمِ إِنْ بَقِيَ اللِّسَانُ وَذَهَبَتِ الْجِنَايَةُ بِالْكَلاَمِ وَحْدَهُ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً بِإِذْهَابِ
_________
(١) بريقة محمودية شرح طريقة محمدية ٣ / ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٢) بريقة محمودية شرح طريقة محمدية ٣ / ٣٠٠.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٠، والشرح الصغير ٣ / ١٧، ومغني المحتاج ٢ / ٥ - ٦، وكشاف القناع ٣ / ١٤٥ - ١٤٨.
الْكَلاَمِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دِيَاتٌ ف ٥٧ وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ف ٢٢) .
كَلاَمُ الْقَاضِي مَعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ سِرًّا:
٣٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي الْكَلاَمُ مَعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ سِرًّا دُونَ الآْخَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ وَرُبَّمَا أَضْعَفَهُ ذَلِكَ عَنْ إِقَامَةِ حُجَّتِهِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلَقِّنَهُ حُجَّتَهُ، لأَِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِل بَيْنَهُمَا وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَعَلَى الْقَاضِي الْعَدْل بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُل شَيْءٍ مِنَ الْكَلاَمِ، وَاللَّحْظِ، وَاللَّفْظِ، وَالإِْشَارَةِ وَالإِْقْبَال، وَالدُّخُول عَلَيْهِ، وَالإِْنْصَاتِ إِلَيْهِمَا وَالاِسْتِمَاعِ مِنْهُمَا، وَالْقِيَامِ لَهُمَا، وَرَدِّ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِمَا، وَطَلاَقَةِ الْوَجْهِ لَهُمَا، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَسْوِيَةٌ ف ٩ وَقَضَاءٌ ف ٤١) .
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٠.
(٢) فتح القدير ٦ / ٣٧٣، والقوانين الفقهية ص ٣٠٠، وروضة الطالبين ١١ / ١٦١، ومغني المحتاج ٤ / ٤٠٠، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٧٧. المغني لابن قدامة ٩ / ٨٠ - ٨١ - ٨٢.
كَلْبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَلْبُ فِي اللُّغَةِ: كُل سَبُعٍ عَقُورٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَكْلُبٌ وَكِلاَبٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ: أَكَالِبُ، وَالأُْنْثَى كَلْبَةٌ وَجَمْعُهَا كِلاَبٌ. أَيْضًا وَكَلْبَاتٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ النَّبَّاحُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخِنْزِيرُ
٢ - الْخِنْزِيرُ حَيَوَانٌ خَبِيثٌ (٣) وَيَشْتَرِكُ الْخِنْزِيرُ مَعَ الْكَلْبِ فِي نَجَاسَةِ الْعَيْنِ، وَنَجَاسَةِ كُل مَا نَتَجَ عَنْهُمَا وَحُرْمَةِ أَكْل لَحْمِهِمَا وَالاِنْتِفَاعِ بِأَلْبَانِهِمَا وَأَشْعَارِهِمَا وَجُلُودِهِمَا وَلَوْ بَعْدَ الدَّبْغِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَيَفْتَرِقَانِ فِي جَوَازِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلاَ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ بِحَالٍ.
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة (كلب) .
(٢) المفردات للراغب الأصفهاني.
(٣) المصباح المنير.
ب - السَّبُعُ
٣ - السَّبُعُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكَل السَّبُعُ﴾ (١) أَيْ " وَمَا أَكَل مِنْهُ السَّبُعُ.
وَيُجْمَعُ عَلَى سِبَاعٍ، مِثْل رَجُلٍ وَرِجَالٍ وَلاَ جَمْعَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَالسَّبُعُ: كُل مَا لَهُ نَابٌ يَعْدُو بِهِ وَيَفْتَرِسُ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ كُل مُنْتَهِبٍ جَارِحٍ قَاتِلٍ عَادَةً (٣) .
وَالسَّبُعُ أَعَمُّ مِنَ الْكَلْبِ فَكُل كَلْبٍ سَبُعٌ وَلَيْسَ كُل سَبُعٍ كَلْبًا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَلْبِ:
هُنَاكَ أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْكَلْبِ مِنْ حَيْثُ اقْتِنَاؤُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَحِل صَيْدِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَيَرِدُ تَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:
اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ: كَالصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ وُجُوهِ الاِنْتِفَاعِ الَّتِي لَمْ يَنْهَ الشَّارِعُ عَنْهَا (٤) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ زَرْعٍ
_________
(١) سورة المائدة / ٣.
(٢) المصباح المنير.
(٣) الدر المختار ٦ / ٣٠٤.
(٤) ابن عابدين ٥ / ١٣٤، ١٤٧، ٢١٧، وجواهر الإكليل ٢ / ٤، ٣٥، حاشية القليوبي ٢ / ١٥٧، وفتح الباري ٥ / ٧، والشرح الكبير مع المغني ٤ / ١٤.
أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ، وَقَال بَعْضُهُمْ بِجَوَازِهِ (١) .
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَال: مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطٌ (٢) .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطَانِ (٣) .
وَأَمَّا اقْتِنَاؤُهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ عَلَى الأَْصَحِّ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَحْتَمِل الإِْبَاحَةَ (٤) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا زَالَتِ الْحَاجَةُ الَّتِي يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ لَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ زَوَال الْيَدِ عَنِ الْكَلْبِ بِفَرَاغِهَا، وَقَالُوا يَجُوزُ تَرْبِيَةُ الْجِرْوِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ تَعْلِيمُهُ لِذَلِكَ (٥) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - كَمَا فِي الْمُغْنِي - (٦) أَنَّ مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لِصَيْدٍ، ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً، وَهُوَ
_________
(١) كفاية الطالب الرباني ٢ / ٤٤٧.
(٢) حديث أبي هريرة: " من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٥) ومسلم (٣ / ١٢٠٣) واللفظ لمسلم.
(٣) حديث ابن عمر: " من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٠١) .
(٤) الشرح الكبير مع المغني ٤ / ١٤.
(٥) حاشية القليوبي ٢ / ١٥٧، ومغني المحتاج ٢ / ١١.
(٦) الشرح الكبير مع المغني ٤ / ١٤.