الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَوَافَقَهُمُ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلاَمُ أَثْنَاءَ الإِْقَامَةِ وَبَيْنَ الإِْقَامَةِ وَالصَّلاَةِ، وَيَبْنِي عَلَى إِقَامَتِهِ، لأَِنَّ الإِْقَامَةَ حَدْرٌ وَهَذَا يُخَالِفُ الْوَارِدَ وَيَقْطَعُ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا (١)

. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِقَامَةٌ ف ١٦) .

الْكَلاَمُ بَعْدَ النِّيَّةِ وَقَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ:

١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْكَلاَمِ بَعْدَ النِّيَّةِ وَقَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْوِي الصَّلاَةَ الَّتِي يَدْخُل فِيهَا بِنِيَّةٍ لاَ يَفْصِل بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّحْرِيمَةِ بِعَمَلٍ (٢) .

وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا قَال الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ التَّكْبِيرُ مِمَّا يَدُل عَلَى كَرَاهَةِ الْكَلاَمِ بَعْدَ النِّيَّةِ وَقَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، هَذَا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لأَِمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَلاَ يُكْرَهُ.

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ: كَرَاهَةَ الْكَلاَمِ حِينَ الإِْقَامَةِ وَحُرْمَتَهُ بَعْدَ إِحْرَامِ الإِْمَامِ، وَلاَ يَخْتَصُّ

_________

(١) مواهب الجليل ١ / ٤٢٧، وحاشية الدسوقي ١ / ١٧٩، والمغني ١ / ٤٢٥، والإنصاف ١ / ٤٢٠، وكشاف القناع ١ / ٢٤١.

(٢) فتح القدير ١ / ٢٣١، والفتاوى الهندية ١ / ٧١ - ٧٢، وعمدة القاري ٢ / ٦٨١.

ذَلِكَ بِالْجُمُعَةِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْكَلاَمُ بَعْدَ النِّيَّةِ وَقَبْل تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ لاَ يَجُوزُ وَيُبْطِل الصَّلاَةَ، وَلَوْ قَال: نَوَيْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ اللَّهُ أَكْبَرُ نَوَيْتُ، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ لأَِنَّ قَوْلَهُ (نَوَيْتُ) بَعْدَ التَّكْبِيرِ كَلاَمٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الصَّلاَةِ وَقَدْ طَرَأَ بَعْدَ انْعِقَادِ الصَّلاَةِ فَأَبْطَلَهَا (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَ النِّيَّةِ وَقَبْل التَّكْبِيرِ صَحَّتْ صَلاَتُهُ لأَِنَّ الْكَلاَمَ لاَ يُنَافِي الْعَزْمَ الْمُتَقَدِّمَ وَلاَ يُنَاقِضُ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ فَتَسْتَمِرُّ إِلَى أَنْ يُوجَدَ مُنَاقِضٌ (٣) .

الْكَلاَمُ فِي الصَّلاَةِ:

١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل بِالْكَلاَمِ (٤) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁ قَال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُل صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاَةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلاَمِ (٥)، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ﵁ قَال:

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٣٨٥.

(٢) حاشية الباجوري ١ / ١٤٩، ومغني المحتاج ١ / ١٤٩، والمجموع ٣ / ٢٨٩.

(٣) كشاف القناع ١ / ٣١٦.

(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٣، والمبسوط ١ / ١٧٠، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٨٩، ومغني المحتاج ١ / ١٩٥، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٢٠ - ٥٣٨، والمغني ٢ / ٤٦،٤٧.

(٥) حديث زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة. . أخرجه مسلم (١ / ٣٨٣) .

٠٠ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَلَمَّا صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي، قَال: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (صَلاَةٌ ف) .

الْكَلاَمُ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ وَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَبَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ:

١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْكَلاَمَ يَحْرُمُ أَثْنَاءَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَيَجِبُ الإِْنْصَاتُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ الإِْمَامُ فِي الْخُطْبَةِ فَلاَ يَجُوزُ الْكَلاَمُ لأَِحَدٍ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ، وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا رَأَيْتَهُ يَتَكَلَّمُ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ فَأَقْرِعْ رَأْسَهُ بِالْعَصَا (٢)، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٣) قَال

_________

(١) حديث معاوية بن الحكم السلمي: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ. . أخرجه مسلم (١ / ٣٨١ - ٣٨٢) .

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، والطحطاوي على مراقي الفلاح ١ / ٢٨١ - ٢٨٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٦، وشرح الزرقاني ٢ / ٦٤، وكفاية الأخيار ١ / ٩٣، والمجموع ٤ / ٥٢٣، والمغني ٢ / ٣٢٣، وكشاف القناع ٢ / ٣٦ - ٣٨.

(٣) سورة الأعراف / ٢٠٤.

أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ وَسُمِّيَتِ الْخُطْبَةُ قُرْآنًا لاِشْتِمَالِهَا عَلَى الْقُرْآنِ الَّذِي يُتْلَى فِيهَا، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ (١) وَاللَّغْوُ الإِْثْمُ.

قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: يَحْرُمُ فِي الْخُطْبَةِ كَلاَمٌ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْبِيحًا وَالأَْكْل وَالشُّرْبُ وَالْكِتَابَةُ، وَيُكْرَهُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَرَدُّ السَّلاَمِ.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لاَ يُكْرَهُ الرَّدُّ لأَِنَّهُ فَرْضٌ (٢) .

وَصَرَّحَ الدَّرْدِيرُ بِحُرْمَةِ رَدِّ السَّلاَمِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ وَنَهْيِ لاَغٍ أَوْ إِشَارَةٍ وَأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ (٣)

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا سَمِعَ الإِْنْسَانُ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَنْهَهُ بِالْكَلاَمِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ وَلَكِنْ يُشِيرُ إِلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى فِيهِ، وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُشِيرَ وَلاَ يَتَكَلَّمَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَكَرِهَ

_________

(١) حديث: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤١٤) ومسلم (٢ / ٥٨٢) .

(٢) فتح القدير ٢ / ٣٧ - ٣٨ نشر دار إحياء التراث العربي.

(٣) الشرح الصغير ١ / ٥١٢ - ٥١٣.

الإِْشَارَةَ طَاوُسٌ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ الْكَلاَمُ، وَالإِْنْصَاتُ سُنَّةٌ (٢)، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَال: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَوْمَأَ النَّاسُ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ فَلَمْ يَفْعَل وَأَعَادَ الْكَلاَمَ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الثَّالِثَةِ: وَيْحَكَ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا قَال: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَال: إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ (٣) . وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ كَلاَمَهُمْ وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ.

وَرَوَى أَنَسٌ ﵁ قَال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاةُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. . . (٤) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَوَرَدَ أَنَّ عُثْمَانَ دَخَل وَعُمَرُ يَخْطُبُ فَقَال عُمَرُ: مَا بَال رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ، فَقَال عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا زِدْتَ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ (٥)، فَدَلَّتِ

_________

(١) المغني ٢ / ٣٢٣.

(٢) المجموع ٤ / ٥٢٣، كفاية الأخيار ١ / ٩٣، والمغني ٢ / ٣٢٠.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ دخل عليه رجل وهو يخطب يوم الجمعة. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣ / ١٤٩) .

(٤) حديث أنس: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤١٢ - ٤١٣) .

(٥) أثر: أن عثمان دخل وعمر يخطب. . أخرجه مسلم (٢ / ٥٨٠) .

الأَْحَادِيثُ عَلَى جَوَازِ الْكَلاَمِ حَال الْخُطْبَةِ.

١٨ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ الْكَلاَمُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَقَبْل الصَّلاَةِ، وَفِيمَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ خِلاَفٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ، هَذَا فِي الْكَلاَمِ الَّذِي لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُهِمٌّ، فَأَمَّا إِذَا رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا تَدِبُّ عَلَى إِنْسَانٍ فَأَنْذَرَهُ فَلاَ يَحْرُمُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ فَإِنَّهُ لاَ يَحْرُمُ قَطْعًا وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الأَْصْحَابُ (١) .

وَوَافَقَ الْحَنَابِلَةُ الشَّافِعِيَّةَ فِي جَوَازِ الْكَلاَمِ قَبْل الْخُطْبَتَيْنِ وَبَعْدَهُمَا وَبَيْنَهُمَا إِذَا سَكَتَ الإِْمَامُ (٢) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا خَرَجَ الإِْمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَكَ النَّاسُ الصَّلاَةَ وَالْكَلاَمَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ بَأْسَ بِالْكَلاَمِ إِذَا خَرَجَ الإِْمَامُ قَبْل أَنْ يَخْطُبَ وَإِذَا نَزَل قَبْل أَنْ يُكَبِّرَ، وَاخْتَلَفَا فِي جُلُوسِهِ إِذَا سَكَتَ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُبَاحُ الْكَلاَمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لأَِنَّ

_________

(١) شرح الزرقاني ٢ / ٦٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٢٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧، والطحطاوي ١ / ٢٨١ - ٢٨٣.

(٢) المجموع ٤ / ٥٢٣، وكفاية الأخيار ١ / ٩٣.

الْكَرَاهَةَ لِلإِْخْلاَل بِفَرْضِ الاِسْتِمَاعِ وَلاَ اسْتِمَاعَ هُنَا (١) .

وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لاَ يُبَاحُ الْكَلاَمُ لإِطْلاَقِ الأَْمْرِ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَحْرُمُ الْكَلاَمُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَيَجُوزُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ (٣) .

الْكَلاَمُ فِي الْمَسَاجِدِ:

١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْكَلاَمِ فِي الْمَسَاجِدِ

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ الْكَلاَمِ فِي الْمَسَاجِدِ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا (٤) .

قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَالْكَلاَمُ الْمُبَاحُ فِيهِ مَكْرُوهٌ يَأْكُل الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُل النَّارُ الْحَطَبَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ، لأَِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لَهُ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَخُوضَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَيُشْتَغَل بِالطَّاعَةِ مِنَ الصَّلاَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ (٥) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْكَلاَمِ الْمُبَاحِ فِي الْمَسْجِدِ، قَال النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ التَّحَدُّثُ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٤٧٠.

(٢) مراقي الفلاح ص ٢٨٢ - ٢٨٣، وفتح القدير ٢ / ٣٧.

(٣) الخرشي ٢ / ٨٨، والشرح الصغير ١ / ٥٠٩.

(٤) فتح القدير ١ / ٣٦٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٣، وكشاف القناع ١ / ٣٢٧، ٢ / ٣٦٩.

(٥) كشاف القناع ١ / ٣٢٧، ٢ / ٣٦٩، وبريقة محمودية في شرح طريقة محمدية ٣ / ٢٦٩ - ٢٧٠.

بِالْحَدِيثِ الْمُبَاحِ فِي الْمَسْجِدِ وَبِأُمُورِ الدُّنْيَا وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُبَاحَاتِ وَإِنْ حَصَل فِيهَا ضَحِكٌ وَنَحْوُهُ مَا دَامَ مُبَاحًا (١) لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ (٢) .

الْكَلاَمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:

٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ إِلَى حُرْمَةِ الْكَلاَمِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ وَالإِْنْصَاتَ لَهُ أَيِ الإِْمْسَاكُ عَنِ الْكَلاَمِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ فِي الصَّلاَةِ أَوْ خَارِجِهَا سَوَاءٌ فُهِمَ الْمَعْنَى أَوْ لاَ (٣)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) .

وَيُكْرَهُ السَّلاَمُ عِنْدَهُمْ تَحْرِيمًا عِنْدَ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ عَلَى الْقَارِئِ جَهْرًا كَانَ أَوْ خُفْيَةً، أَمَّا غَيْرُ الْقَارِئِ فَيُكْرَهُ السَّلاَمُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ جَهْرًا.

قَال الْحَلِيمِيُّ: يُكْرَهُ الْكَلاَمُ عِنْدَ قِرَاءَةِ

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٢ / ١٨٠.

(٢) حديث جابر بن سمرة: " كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٦٣) .

(٣) بريقة محمودية شرح طريقة محمدية ٣ / ٢٦٨.

(٤) سورة الأعراف / ٢٤٠.

الْقُرْآنِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِمُكَالَمَةِ أَحَدٍ، وَاسْتَدَل بِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، وَلأَِنَّ كَلاَمَ اللَّهِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيْهِ كَلاَمُ غَيْرِهِ (١) .

وَيُسَنُّ الاِسْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَرْكُ الْكَلاَمِ وَاللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ لِحُضُورِ الْقِرَاءَةِ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِمَاعٌ ف ٣ وَمَا بَعْدَهَا، وَتِلاَوَةٌ ف ١٧، وَقُرْآنٌ ف ١٦) .

الْكَلاَمُ فِي الطَّوَافِ:

٢١ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ الْكَلاَمِ أَثْنَاءَ الطَّوَافِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لاَ حَاجَةَ فِيهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْكَلاَمِ فِي الطَّوَافِ وَلاَ يَبْطُل بِهِ وَلاَ يُكْرَهُ، لَكِنِ الأَْوْلَى وَالأَْفْضَل تَرْكُ الْكَلاَمِ فِي الطَّوَافِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَلاَمًا فِي خَيْرٍ كَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ تَعْلِيمِ جَاهِلٍ أَوْ جَوَابِ فَتْوَى (٤)، لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ

_________

(١) أثر ابن عمر أنه كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم. . أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ١٨٩) .

(٢) بريقة محمودية ٣ / ٢٦٨، والبرهان في علوم القرآن ١ / ٤٦٤، ٤٧٥، والإتقان ١ / ١٠٩.

(٣) بدائع الصنائع ١ / ١٣١، وشرح اللباب ص ١١٠، ومواهب الجليل ٣ / ٦٨.

(٤) المجموع ٨ / ٤٥ - ٤٦.

تَعَالَى أَحَل لَكُمْ فِيهِ الْكَلاَمَ فَمَنْ يَتَكَلَّمْ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدَعَ الْحَدِيثَ وَالْكَلاَمَ فِي الطَّوَافِ إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاَةٌ فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلاَمِ (٣)، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الطَّوَافُ حَوْل الْبَيْتِ مِثْل الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلاَ يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ بِالْخَيْرِ (٤)، قَال التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمَ الرَّجُل فِي الطَّوَافِ إِلاَّ لِحَاجَةٍ أَوْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنَ الْعِلْمِ (٥) .

وَالْكَلاَمُ الْمُبَاحُ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لاَ بَأْسَ بِهِ، أَمَّا الْكَلاَمُ غَيْرُ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄ " أَقِلُّوا الْكَلاَمَ فِي

_________

(١) حديث: " الطواف بالبيت صلاة. . . ". أخرجه الحاكم (١ / ٤٥٩) من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه البيهقي.

(٢) المغني ٣ / ٣٧٨، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٩٤.

(٣) حديث: " الطواف بالبيت صلاة. . . ". أخرجه النسائي (٥ / ٢٢٢) وصححه ابن حجر في التلخيص (١ / ١٣٠) .

(٤) حديث: " الطواف حول البيت مثل الصلاة. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٢٨٤) .

(٥) سنن الترمذي (٣ / ٢٨٤) .