الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ كَفَّارَةَ إِفْسَادِ الصَّوْمِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَأَنَّ أَفْضَل خِصَالِهَا الإِْطْعَامُ لِكَثْرَةِ تَعَدِّي نَفْعِهِ.
وَأَمَّا كَفَّارَتَا الظِّهَارِ وَالْقَتْل فَهُمَا مُرَتَّبَتَانِ (١) .
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيعِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِكَفَّارَةِ الصَّوْمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِخِلاَفِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَتَسْتَقِرُّ عِنْدَهُمْ.
وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْعَجْزِ عَنِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ بِدَلِيل أَنَّ الأَْعْرَابِيَّ لَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى لَمَّا دَفَعَ إِلَيْهِ التَّمْرَ (٢) .
أَمَّا كَفَّارَةُ الْقَتْل فَلَيْسَ فِيهَا إِطْعَامٌ بَل هِيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِلآْيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ ابْتِدَاءً وَمُرَتَّبَةٌ انْتِهَاءً فَيَخْتَارُ فِي أَوَّلِهَا
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ١٥٠ - ١٥١، والقوانين الفقهية ص ١٢١، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٤٥ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٩٩، ٥ / ٩٥ - ٩٦، ١١٢، والقوانين الفقهية ١٢٠ - ١٢٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٤٤ - ٤٤٥، ٣ / ٣٦٧، والمغني ٣ / ١٢٩ - ١٣٢.
بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ إِلاَّ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَل وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْل: ﴿وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣) وَمَا عَدَا كَفَّارَةِ الْقَتْل فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتِقَ أَمَةً. أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ (٤) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ إِلاَّ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْل لإِطْلاَقِ النُّصُوصِ فِي غَيْرِ الْقَتْل، وَلاِمْتِنَاعِ جَوَازِ قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيجَابَ زِيَادَةٍ فِي النَّصِّ وَهُوَ
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٤٥٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ١٥٨ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ٣٢٧، والمغني لابن قدامة ٨ / ٧٣٤.
(٢) سورة المائدة / ٨٩.
(٣) سورة النساء / ٩٢.
(٤) حديث: " أعتقها فإنها مؤمنة ". أخرجه مسلم (١ / ٣٨٢) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
يُوجِبُ النَّسْخَ عِنْدَهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ (١) .
كَفَنٌ
.
انْظُرْ: تَكْفِينٌ
كَفِيلٌ
. انْظُرْ: كَفَالَة.
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٢٥، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣١٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٥١، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٠، ١ / ٤٤٤، والمغني ٧ / ٣٥٩، ٣ / ١٢٧، وكشاف القناع ٢ / ٣٢٣، ٥ / ٣٧٩ وما بعدها.
كَلأٌَ
التَّعْرِيفُ:
١ - يُطْلَقُ الْكَلأَُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا:
الْعُشْبُ رَطْبًا كَانَ أَمْ يَابِسًا، وَالْجَمْعُ أَكْلاَءٌ مِثْل سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، يُقَال: مَكَانٌ مُكْلِئٌ: فِيهِ كَلأٌَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْكَاسَانِيُّ: الْكَلأَُ حَشِيشٌ يَنْبُتُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْعَبْدِ (٢) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: هُوَ مَا يَنْبَسِطُ وَيَنْتَشِرُ وَلاَ سَاقَ لَهُ كَالإِْذْخِرِ وَنَحْوِهِ (٣)، وَقَال الدَّرْدِيرُ: الْكَلأَُ: الْعُشْبُ (٤) .
حُكْمُ الاِنْتِفَاعِ بِالْكَلأَِ:
٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَا نَبَتَ مِنَ الْكَلأَِ فِي الأَْمَاكِنِ الْمُبَاحَةِ كَالأَْوْدِيَةِ، وَالْجِبَال وَالأَْرَاضِي الَّتِي لاَ مَالِكَ لَهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَلاَ يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ كَلَئِهَا وَلاَ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، وسبل السلام ٣ / ٨٦.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٨٣.
(٤) الشرح الكبير ٤ / ٧٠ هامش حاشية الدسوقي.
رَعْيِ مَاشِيَتِهِ فِيهَا (١)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ، وَالنَّارِ، وَالْكَلأَِ (٢) .
وَقَال ﵊: ثَلاَثٌ لاَ يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلأَُ وَالنَّارُ (٣) .
وَالْحَدِيثَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ شُرَكَاءُ فِي هَذِهِ الثَّلاَثِ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ فِي الْكَلأَِ النَّابِتِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ لاَ مَالِكَ لَهَا، وَفِي الْجِبَال وَالأَْوْدِيَةِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ أَنْ يَحْمِيَهُ لِنَفْسِهِ، وَيَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ أَخْذِهِ أَوْ رَعْيِ مَاشِيَتِهِ (٤)، أَمَّا النَّابِتُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُحَجَّرَةٍ فَفِي جَوَازِ حِمَاهُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: مَا نَبَتَ - أَيْ مِنَ الْكَلأَِ - فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ بِلاَ إِنْبَاتِ صَاحِبِهَا حُكْمُهُ كَمَا سَبَقَ، أَيْ لاَ يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنَ الأَْخَذِ مِنْهُ وَلاَ رَعْيُ مَاشِيَتِهِ فِيهِ، إِلاَّ أَنَّ لِرَبِّ الأَْرْضِ الْمَنْعَ مِنَ الدُّخُول فِي أَرْضِهِ (٥)، قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُل مِلْكَ غَيْرِهِ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، والمغني ٥ / ٥٨٠، وشرح الزرقاني ٧ / ٧٤.
(٢) حديث: " المسلمون شركاء في ثلاث: الماء. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٥١) من حديث رجل من المهاجرين.
(٣) حديث: " ثلاث لا يمنعن: الماء. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٢٦) من حديث أبي هريرة، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص (٣ / ٦٥) .
(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣، وسبل السلام ٣ / ٨٤ - ٨٦، ونيل الأوطار ٦ / ٤٨ - ٥٠، والمغني ٥ / ٥٨٠، وشرح الزرقاني ٧ / ٧٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٦٨.
(٥) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣.
لاِحْتِشَاشِ الْكَلأَِ فَإِذَا كَانَ يَجِدُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلِصَاحِبِ الأَْرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الدُّخُول وَإِنْ كَانَ لاَ يَجِدُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
يُقَال لِصَاحِبِ الأَْرْضِ: إِمَّا أَنْ تَأْذَنَ لَهُ بِالدُّخُول وَإِمَّا أَنْ تَحُشَّ بِنَفْسِكَ فَتَدْفَعَهُ إِلَيْهِ (١) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا احْتَشَّ مَالِكٌ آخَرُ الْكَلأَ الَّذِي نَبَتَ فِي أَرْضِهِ دُونَ إِنْبَاتٍ كَانَ أَنْبَتَهُ فِي أَرْضِهِ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَخْذُهُ بِوَجْهٍ لِحُصُولِهِ بِكَسْبِهِ (٢) .
وَفِي كِتَابِ الْخَرَاجِ لأَِبِي يُوسُفَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْل قَرْيَةٍ لَهُمْ مُرُوجٌ يَرْعَوْنَ فِيهَا، وَيَحْتَطِبُونَ مِنْهَا، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّهَا لَهُمْ فَهِيَ لَهُمْ عَلَى حَالِهَا، يَتَبَايَعُونَهَا، وَيَتَوَارَثُونَهَا، وَيُحْدِثُونَ فِيهَا مَا يُحْدِثُ الرَّجُل فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْكَلأَ وَلاَ الْمَاءَ، وَلأَِصْحَابِ الْمَوَاشِي أَنْ يَرْعَوْا فِي تِلْكَ الْمُرُوجِ وَيَسْتَقُوا مِنْ تِلْكَ الْمِيَاهِ، وَلَيْسَتِ الآْجَامُ كَالْمُرُوجِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَحْتَطِبَ مِنْ أَجَمَةِ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ بَقَرٍ رَعَى بَقَرَهُ فِي أَجَمَةِ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَضَمِنَ مَا رَعَى وَأَفْسَدَ.
وَالْكَلأَُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُدْفَعُ مُعَامَلَةً. ثُمَّ قَال: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لأَِهْل هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ تَكُونُ لَهُمْ هَذِهِ الْمُرُوجُ، وَفِي مِلْكِهِمْ مَوْضِعُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٣.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٨٣.
مَسْرَحٍ وَمَرْعًى لِدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ غَيْرِ هَذِهِ الْمُرُوجِ، وَكَانُوا مَتَى أَذِنُوا لِلنَّاسِ فِي رَعْيِ هَذِهِ الْمُرُوجِ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ وَبِمَوَاشِيهِمْ وَدَوَابِّهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا كُل مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْعَى أَوْ يَحْتَطِبَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَرْعًى وَمَوْضِعُ احْتِطَابٍ حَوْلَهُمْ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ وَلاَ يَحِل لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الاِحْتِطَابَ وَالرَّعْيَ مِنَ النَّاسِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَمْنَعُ مَالِكُ أَرْضٍ تَرَكَهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا وَلَمْ يُبَوِّرْهَا لِلرَّعْيِ مِنْ رَعْيِ كَلأٍَ لَمْ يَزْرَعْهُ فِيهَا، وَلاَ يَمْنَعُ رَعْيَ كَلأٍَ نَبَتَ فِي أَرْضٍ لَهُ لاَ تَقْبَل الزَّرْعَ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ رَعْيَ مَاشِيَتِهِ مِنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَمَحَل عَدَمِ مَنْعِهِمَا، حَيْثُ لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعٌ لَهُ يَخْشَى أَنْ تُفْسِدَهُ الْمَوَاشِي، فَإِنِ اكْتَنَفَهُ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَلَهُ مَنْعُ كَلأَِ مَرْجِ دَوَابِّهِ مِنْ أَرْضٍ يَمْلِكُهَا.
وَحِمَاهُ الَّذِي بَوَّرَهُ مِنْ أَرْضِهِ لِلْمَرْعَى، لَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ مِنْ رَعْيِ كَلأَِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَبَيْعِهِ، هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فِي الأَْرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ، أَمَّا غَيْرُهَا كَالْفَيَافِي، فَقَال ابْنُ رُشْدٍ: النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ اتِّفَاقًا (٢) .
وَإِنْ سَبَقَ شَخْصٌ إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ كَلأٌَ وَقَصَدَهُ مِنْ بُعْدٍ، فَتَرَكَهُ وَرَعَى مَا حَوْلَهُ فَهَل
_________
(١) كتاب الخراج لأبي يوسف ص ١٠٢ - ١٠٤.
(٢) شرح الزرقاني ٧ / ٧٤.
لَهُ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الرَّعْيِ فِيهِ؟ قَال الْمَالِكِيَّةُ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ.
وَفِي قَوْلٍ: إِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَوْضِعِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
قَال الزُّرْقَانِيُّ: وَهُوَ أَعْدَل الأَْقْوَال وَأَوْلاَهَا بِالصَّوَابِ: لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْمُقَامِ عَلَى الْمَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ مَرْعًى فَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ فِي الْبِئْرِ بَاطِلًا (١) .
مَا يُحْمَى مِنْ مَوَاضِعِ الْكَلأَِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ بِأَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ رَعْيِ مَا حَمَاهُ بِحَيْثُ لاَ يَضُرُّهُمْ، أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ تَكْفِي بَقِيَّتُهُ النَّاسَ، لأَِنَّهُ ﷺ حَمَا النَّقِيعَ لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ (٣) .
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمَنْعُ لِخَبَرِ:
_________
(١) شرح الزرقاني ٧ / ٧٤.
(٢) الرتاج ١ / ٦٩٦ - ٦٩٩، وعمدة القاري ١٢ / ٢١٢ وما بعدها، والزرقاني ٧ / ٦٧، ومغني المحتاج ٢ / ٣٦٨، والمغني ٥ / ٥٨٥ وما بعدها.
(٣) حديث أن رسول الله ﷺ " حمى النقيع. . . ". أخرجه البيهقي في سننه (٦ / ١٤٦) من حديث ابن عمر، وضعفه ابن حجر في فتح الباري (٥ / ٤٥) .
٠٠ لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (١) وَفِي شُرُوطِ الْجَوَازِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِل الْحِمَى تَفْصِيلٌ فِي مُصْطَلَحِ (حِمًى ف ٦ وَمَا بَعْدَهَا) .
رَعْيُ نَبَاتِ الْحَرَمِ:
٤ - يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ رَعْيُ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَكَلَئِهِ لأَِنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تُسَاقُ فِي عَصْرِهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃، وَمَا كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا فِي الْحَرَمِ.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: حَرَمٌ. ف ١٠ - ١٢) .
_________
(١) حديث: " لا حمى إلا لله ورسوله " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٤٤) من حديث الصعب بن جثامة.
كَلاَلَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَلاَلَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْكَلاَل: وَهُوَ التَّعَبُ وَذَهَابُ الْقُوَّةِ مِنَ الإِْعْيَاءِ، أَوْ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الإِْكْلِيل: بِمَعْنَى. الإِْحَاطَةِ: مِنْ تَكَلَّلَهُ أَحَاطَ بِهِ (١) .
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْمِ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْكَلاَلَةِ فَقِيل: الْكَلاَلَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ: مَا عَدَا الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْكَلاَلَةُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ الَّذِي لاَ وَالِدَ لَهُ وَلاَ وَلَدَ، فَالأَْبُ وَالاِبْنُ طَرَفَانِ لِلْمَيِّتِ فَإِذَا ذَهَبَا تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ أَيْ أَطَافُوا بِالْمَيِّتِ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنِ الْكَلاَلَةِ، فَقَال: مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلاَ وَالِدٌ (٢) .
قَال الرَّاغِبُ فَجَعَلَهُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ، وَكِلاَ
_________
(١) لسان العرب، وتفسير البغوي ١ / ٤٠٤، وروح المعاني ٣ / ٢٢٩، والبحر المحيط لابن حيان ٣ / ١٨٨، والمغني ٦ / ١٦٧ - ١٦٨، وتفسير القرطبي في سورة النساء آية / ١٢، ومغني المحتاج ٣ / ١١، والمفردات للراغب الأصفهاني.
(٢) حديث أنه ﷺ " سئل عن الكلالة. . . ". ورد بمعناه عند أبي داود في المراسيل (ص ٢٧٢) من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف.