الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
التَّارِكُ لِلْوَفَاءِ بِهَا، وَالْعَائِدُ فِيهَا نَهْيٌ عَنْهُ: فَاعِل الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، قَال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فَالْمُظَاهِرُ مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَانِعٌ لَهَا مِنْهُ، فَالْعَوْدُ فِعْلُهُ (١)، أَيْ فِعْل الْوَطْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِظِهَارِهِ.
وَبِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ، فَلاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَهُوَ فِعْل مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ كَسَائِرِ الأَْيْمَانِ وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالْوَطْءِ، لأَِنَّهَا يَمِينٌ تَقْتَضِي تَرْكَ الْوَطْءِ، فَلاَ تَجِبُ كَفَّارَتُهَا إِلاَّ بِهِ كَالإِْيلاَءِ (٢) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الثَّالِثِ: بِأَنَّهُ لَمَّا ظَاهَرَ فَقَدْ قَصَدَ التَّحْرِيمَ، فَإِنْ وَصَل ذَلِكَ بِالطَّلاَقِ، فَقَدْ تَمَّمَ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَكَتَ عَنِ الطَّلاَقِ، فَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنَ التَّحْرِيمِ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (٣) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الرَّابِعِ: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ .
وَهَذِهِ الآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ إِعَادَةُ مَا فَعَلُوهُ، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالتَّكْرَارِ، لأَِنَّ الْعَوْدَ فِي الشَّيْءِ إِعَادَتُهُ (٤) .
_________
(١) المغني ٧ / ٣٥٣.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٤.
(٣) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٧، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٦.
(٤) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٩، المغني ٧ / ٣٥٣.
وَقَالُوا إِنَّ الَّذِي يُعْقَل مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ فِي الْعَوْدِ إِلَى الشَّيْءِ، إِنَّمَا هُوَ فِعْل مِثْلِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، كَمَا أَنَّ الْعَوْدَ فِي الْقَوْل عِبَارَةٌ عَنْ تَكْرَارِهِ، قَال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أَيْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْقَوْل الأَْوَّل فَيُكَرِّرُونَهُ.
وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ عَوْدَهُمْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ، هُوَ إِتْيَانُهُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِمِثْل مَا نُهُوا عَنْهُ، وَمَا فَعَلُوهُ أَوَّل مَرَّةٍ (١) .
شُرُوطُ الْكَفَّارَةِ
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لِلْكَفَّارَةِ شُرُوطًا عَامَّةً وَأُخْرَى خَاصَّةً تَتَعَلَّقُ بِكُل سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهَا:
أَوَّلًا: الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ فِي الْكَفَّارَاتِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْكَفَّارَاتِ عُمُومًا شُرُوطٌ، مِنْهَا:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: النِّيَّةُ:
٦٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْكَفَّارَةِ لِصِحَّتِهَا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ لاَ يَنْوِي عَنْ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا جَازَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٦.
عَنْهُمَا، وَكَذَا إِذَا صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا جَازَ، لأَِنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى نِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُمَا رَقَبَةً وَاحِدَةً أَوْ صَامَ شَهْرَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَل ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لأَِنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ غَيْرُ مُفِيدٍ فَتَلْغُو وَفِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ مُفِيدٌ، وَقَال زُفَرُ لاَ يَجْزِيهِ عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْفَصْلَيْنِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ عَنْ كَفَّارَتَيْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ فِطْرٍ فِي رَمَضَانَ وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَمْ يُجْزِهِ.
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً عَنْ كَفَّارَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَامَ عَنْهُمَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى يَصُومَ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَهْرَيْنِ، وَقَدْ قِيل: إِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيهِ.
وَلَوْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ إِحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةً أُخْرَى، وَلَوْ عَيَّنَ الْكَفَّارَةَ عَنْ إِحْدَاهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ الْكَفَّارَةَ عَنِ الأُْخْرَى، وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَأَعْتَقَ عَنْهُنَّ ثَلاَثَ رِقَابٍ، وَصَامَ شَهْرَيْنِ، لَمْ يُجْزِهِ الْعِتْقُ وَلاَ الصِّيَامُ، لأَِنَّهُ إِنَّمَا صَامَ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْهُنَّ بِالإِْطْعَامِ جَازَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُنَّ مِائَتَيْ
_________
(١) الهداية وشروحها ٤ / ١٠٩.
مِسْكِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَرَّقَ بِخِلاَفِ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ، لأَِنَّ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ لاَ يُفَرَّقُ وَالإِْطْعَامُ يُفَرَّقُ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْكَفَّارَةِ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ أَوِ الصَّوْمَ أَوِ الإِْطْعَامَ عَنِ الْكَفَّارَةِ لأَِنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ يَجِبُ تَطْهِيرًا كَالزَّكَاةِ، وَالأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهَا بِأَنْ تُقَيَّدَ بِظِهَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ فِي زَكَاةِ الْمَال تَعْيِينُ الْمَال الْمُزَكَّى بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ بَل تَكْفِي نِيَّةُ أَصْلِهَا، فَلَوْ أَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ وَكَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ قَتْلٍ وَظِهَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً وَقَعَتْ عَنْ إِحْدَاهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْيِينُهَا فِي النِّيَّةِ كَالصَّلاَةِ لأَِنَّهَا فِي مُعْظَمِ خِصَالِهَا نَازِعَةٌ إِلَى الْغَرَامَاتِ فَاكْتُفِيَ فِيهَا بِأَصْل النِّيَّةِ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُجْزِئُ إِطْعَامٌ وَعِتْقٌ وَصَوْمٌ إِلاَّ بِنِيَّةٍ، بِأَنْ يَنْوِيَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٣)، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيل الطُّهْرَةِ فَافْتَقَرَ إِلَى النِّيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَنَوَى عَنْ كَفَّارَتَيْنِ أَجْزَأَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا
_________
(١) تفسير القرطبي ١٧ / ٢٨٥.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٣٥٩.
(٣) حديث: " إنما الأعمال بالنيات ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩) ومسلم (٣ / ١٥١٥) من حديث عمر بن الخطاب.
سَوَاءٌ عَلِمَهُ أَوْ جَهِلَهُ، لأَِنَّ النِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ لَهَا، وَلأَِنَّهُ نَوَى عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلاَ مُزَاحِمَ لَهَا فَوَجَبَ تَعْلِيقُ النِّيَّةِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِهَا فَلَوْ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْ أَرْبَعٍ فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ إِحْدَاهُنَّ وَحَلَّتْ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَأَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَخْرُجُ بِقُرْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ، فَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ مِنْ ثَلاَثِ نِسْوَةٍ فَأَعْتَقَ عَنْ ظِهَارِ إِحْدَاهُنَّ وَصَامَ عَنْ ظِهَارِ أُخْرَى لِعَدَمِ مَنْ يُعْتِقُهُ وَمَرِضَ فَأَطْعَمَ ظِهَارَ أُخْرَى أَجْزَأَهُ لِمَا تَقَدَّمَ وَحَل لَهُ الْجَمِيعُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ وَلاَ تَعْيِينٍ، لأَِنَّ التَّكْفِيرَ حَصَل عَنِ الثَّلاَثِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَاتُ مِنْ أَجْنَاسٍ كَظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَجِمَاعٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَيَمِينٍ لَمْ يَجِبْ تَعْيِينُ السَّبَبِ أَيْضًا، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ فَلَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أَدَائِهَا إِلَى تَعْيِينِ سَبَبِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ ظِهَارٍ بِأَنْ قَال لِكُل مِنْ زَوْجَتَيْهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ فَقَال: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ أَوْ أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ هَذِهِ الزَّوْجَةِ الأُْخْرَى، أَوْ قَال: أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَهَذَا عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْل. أَجْزَأَهُ، أَوْ قَال أَعْتَقْتُ هَذَا عَنْ
إِحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ وَأَعْتَقْتُ هَذَا عَنِ الْكَفَّارَةِ الأُْخْرَى مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ أَجْزَأَهُ لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ أَعْتَقَهُمَا أَيِ الْعَبْدَيْنِ عَنِ الْكَفَّارَتَيْنِ مَعًا أَوْ قَال أَعْتَقْتُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَنْهُمَا أَيِ الْكَفَّارَتَيْنِ جَمِيعًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (١) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: الْقُدْرَةُ:
٦٨ - يُشْتَرَطُ قُدْرَةُ الْمُكَفِّرِ عَلَى التَّكْفِيرِ، لأَِنَّ إِيجَابَ الْفِعْل عَلَى غَيْرِ الْقَادِرِ مُمْتَنِعٌ.
فَإِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً فَلاَ يُجْزِئُهُ الاِنْتِقَال مِنْ خَصْلَةٍ إِلَى مَا بَعْدَهَا حَتَّى يَعْجِزَ عَنِ الأُْولَى، فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً مَثَلًا لاَ يُجْزِئُهُ الاِنْتِقَال عَنِ الْعِتْقِ إِلَى الصِّيَامِ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ الصِّيَامَ لاَ يُمْكِنُهُ الاِنْتِقَال إِلَى الإِْطْعَامِ وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْمُكَفِّرُ فِيهِ قَادِرًا أَوْ عَاجِزًا عَنِ التَّكْفِيرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الأَْقْوَال إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُعْتَبَرَ لِلْقُدْرَةِ وَالْيَسَارَ هُوَ وَقْتُ الأَْدَاءِ، قَالُوا: لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ لَهَا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا فَاعْتُبِرَ حَال أَدَائِهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ وَقْتُ الْوُجُوبِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ، فَكَانَ الاِعْتِبَارُ بِحَالَةِ
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ٣٨٨، ٣٨٩.
الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ (١) .
ثَانِيًا: شُرُوطُ الْكَفَّارَاتِ الْخَاصَّةِ
تَخْتَلِفُ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِاخْتِلاَفِ أَسْبَابِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ:
شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
٦٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل وَالاِنْعِقَادَ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْيَمِينِ فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، لأَِنَّ الْقَلَمَ - أَيِ التَّكْلِيفَ - مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ (٢) .
كَمَا لاَ كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ لَغَا فِي يَمِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (٣) وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ الْقَصْدُ.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الإِْسْلاَمِ، وَالاِخْتِيَارِ، وَالْعَمْدِ، هَل تُعْتَبَرُ شُرُوطًا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَمْ لاَ؟ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَيْمَانٌ ف ٥١ - ٥٤)
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٩٧، ٩٨، والكافي لابن عبد البر ١ / ٤٥٤، ومغني المحتاج ٣ / ٣٦٥، وكشاف القناع (٥ / ٣٧٦) .
(٢) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٥٥٨) والحاكم (٢ / ٥٩) من حديث عائشة، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) سورة المائدة / ٨٩.
شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
٧٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُظَاهِرِ، لأَِنَّ عَبَّارَةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَغْوٌ فَلاَ تَكُونُ مُوجِبَةً لَهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَعَلَى الْمُكْرَهِ وَغَيْرِ الْعَامِدِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (ظِهَارٌ ف ١٦، ٢١)
شُرُوطُ وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْقَتْل الْخَطَأِ
مِنَ الشُّرُوطِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مَا يَلِي:
أ - الإِْسْلاَمُ
٧١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الإِْسْلاَمِ فِي الْقَاتِل لإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَاتِل، لأَِنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ فُرُوعِهَا (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٧، والمغني ٨ / ٩٣، ٩٤.
ب - الْبُلُوغُ وَالْعَقْل:
٧٢ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْل فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَاتِل، فَتَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عِنْدَهُمْ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ فَتَجِبُ فِي مَالِهِمَا، فَيُعْتِقُ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا مِنْ مَالِهِمَا وَلاَ يَصُومُ بِحَالٍ، وَإِنْ صَامَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ أَجْزَأَهُ.
وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَيْ جَعَل الشَّيْءَ سَبَبًا، فَالشَّارِعُ جَعَل الْقَتْل سَبَبًا لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَالصَّوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَمْ يَجْعَل ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ، فَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِلصَّوْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَل.
وَقَالُوا: إِنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ لَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لأَِنَّ سَبَبَهَا قَوْلٌ وَالْقَوْل غَيْرُ مُعْتَبَرٍ مِنْهُمَا، بِخِلاَفِ كَفَّارَةِ الْقَتْل فَإِنَّ سَبَبَهَا فِعْلٌ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنَ الْجَمِيعِ (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل، فَلاَ كَفَّارَةَ عَلَى الْقَاتِل الصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا وَلأَِنَّ الْقَتْل مَعْدُومٌ مِنْهُمَا حَقِيقَةً (٢) .
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٧، والكافي لابن قدامة ٤ / ١٤٣.
(٢) البناية على الهداية ١٠ / ١٨، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٩٣.
ج - الاِخْتِيَارُ:
٧٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ هَذَا الشَّرْطِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَاتِل أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، وَأَنَّهَا لاَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِل الْمُكْرَهِ لأَِنَّهُ مَسْلُوبُ الإِْرَادَةِ (١)، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢)، فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى نَفْيِ الإِْثْمِ عَنِ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ، وَنَفْيُ الإِْثْمِ يُوجِبُ نَفْيَ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهَا شُرِعَتْ لِمَحْوِهِ.
الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الاِخْتِيَارُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُكْرَهِ لأَِنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْل، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ عِبَادَةٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا (٣) .
د - الْحُرِّيَّةُ فِي الْقَاتِل:
٧٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ اشْتِرَاطَ حُرِّيَّةِ الْقَاتِل لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ لأَِنَّ الْعَبْدَ
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) والحاكم (٢ / ١٩٨) من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٠٧، ١٠٨.