الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
وَإِنَّ الظِّهَارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهَا الْكَفَّارَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْجَبَتْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى (١) .
وَإِنَّ الظِّهَارَ هَاهُنَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا وَتَمْحُو إِثْمَهَا، فَلاَ يَبْقَى لَهَا حُكْمٌ (٢) .
الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ النِّسْوَةِ اللاَّئِي ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيُّ وَالْحَكَمُ وَالثَّوْرِيُّ (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ أَنَّهَا أَفَادَتْ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ اللَّوَاتِي ظَاهَرَ مِنْهُنَّ، لأَِنَّهَا تَقْتَضِي كَوْنَ الظِّهَارِ عِلَّةً لإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا وُجِدَ الظِّهَارُ وُجِدَتْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ اللَّوَاتِي ظَاهَرَ مِنْهُنَّ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْ هَذِهِ، فَلَزِمَهُ كَفَّارَةٌ
_________
(١) المغني ٧ / ٣٥٧.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٧.
(٣) المبسوط ٥ / ٢٦٦، وروضة الطالبين ٨ / ٢٧٥، وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٦٠، والمغني ٧ / ٣٥٧.
بِسَبَبِ هَذَا الظِّهَارِ، وَظَاهَرَ أَيْضًا مِنَ الثَّانِيَةِ، فَالظِّهَارُ الثَّانِي لاَ بُدَّ وَأَنْ يُوجِبَ كَفَّارَةً أُخْرَى وَهَكَذَا (١) .
وَقَالُوا إِنَّ الظِّهَارَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا يَرْتَفِعُ بِالْكَفَّارَةِ، فَإِذَا أَضَافَهُ إِلَى مَحَالٍّ مُخْتَلِفَةٍ، يَثْبُتُ فِي كُل مَحِلٍّ حُرْمَةٌ لاَ تَرْتَفِعُ إِلاَّ بِالْكَفَّارَةِ كَالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلاَثِ لَمَّا كَانَتْ تُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً تَرْتَفِعُ بِزَوْجٍ آخَرَ، فَإِذَا أَوْجَبَهَا فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، تَثْبُتُ فِي حَقِّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُرْمَةٌ لاَ تَرْتَفِعُ إِلاَّ بِزَوْجٍ (٢) .
وَإِنَّ الظِّهَارَ وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَتَنَاوَل كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِيَالِهَا، فَصَارَ مُظَاهِرًا مِنْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَالظِّهَارُ لاَ يَرْتَفِعُ إِلاَّ بِالْكَفَّارَةِ، فَإِذَا تَعَدَّدَ التَّحْرِيمُ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ (٣) .
وَإِنَّهُ وَجَبَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ فِي حَقِّ كُل امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُل وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا بِهِ (٤) .
ج - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ
٦٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى
_________
(١) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٦٠.
(٢) المبسوط ٥ / ٢٢٦.
(٣) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٤، ٢٣٥.
(٤) المغني ٧ / ٣٥٧.
مَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ، كَأَنْ قَال لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَاتٍ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ.
وَبِهِ قَال عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْحَكَمُ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيُّ، وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ (١) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الأَْرْبَعِ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَإِنْ لَمْ يُوَالِهَا كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ لِوُجُودِ لَفْظِ الظِّهَارِ الصَّرِيحِ، فَإِنْ أَمْسَكَهُنَّ زَمَنًا يَسَعُ طَلاَقَهُنَّ فَعَائِدٌ مِنْهُنَّ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ لِوُجُودِ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ فِي حَقِّ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
وَإِنْ وَالاَهَا صَارَ بِظِهَارِ الثَّانِيَةِ عَائِدًا فِي الأُْولَى، وَبِظِهَارِ الثَّالِثَةِ عَائِدًا فِي الثَّانِيَةِ وَبِظِهَارِ الرَّابِعَةِ عَائِدًا فِي الثَّالِثَةِ، فَإِنْ فَارَقَ الرَّابِعَةَ عَقِبَ ظِهَارِهَا فَعَلَيْهِ ثَلاَثُ كَفَّارَاتٍ، وَإِلاَّ فَأَرْبَعٌ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُتَكَرِّرَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ
_________
(١) المبسوط ٥ / ٢٢٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٥، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٨، والمغني ٧ / ٣٥٧، ٣٥٨، وروضة الطالبين ٨ / ٢٧٥.
(٢) روضة الطالبين ٨ / ٢٧٥.
مُتَفَرِّقَةٍ فَكَانَ لِكُل وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ كَفَّرَ ثُمَّ ظَاهَرَ.
وَأَنَّهَا أَيْمَانٌ لاَ يَحْنَثُ فِي إِحْدَاهَا بِالْحِنْثِ فِي الأُْخْرَى، فَلاَ تُكَفِّرُهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَالأَْصْل.
وَأَنَّ الظِّهَارَ مَعْنًى يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْمَحَال الْمُخْتَلِفَةِ كَالْقَتْل (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
قَال أَبُو بَكْرٍ: هُوَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا، وَقَال: هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَرَبِيعَةَ وَقَبِيصَةَ (&# x٦٦٢ ;) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهَا كَالْحَدِّ (٣) .
د - تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ
٦٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ، وَعَدَمِ تَعَدُّدِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ
_________
(١) المغني ٧ / ٣٥٨.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٨.
(٣) المغني ٧ / ٣٥٨.
وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالنَّخَعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُذَيْنَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ (١)
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
فَهَذِهِ الآْيَةُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ لأَِنَّهَا أَفَادَتْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ قَبْل الْعَوْدِ، فَإِذَا جَامَعَ قَبْل التَّكْفِيرِ فَقَدْ فَاتَتْ صِفَةُ الْقَبْلِيَّةُ، فَيَبْقَى أَصْل الْوُجُوبِ، وَلأَِنَّهُ لاَ دَلاَلَةَ فِيهَا عَلَى أَنَّ تَرْكَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، يُوجِبُ كَفَّارَةً أُخْرَى (٢) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ فَقَال: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، فَقَال لَهُ الرَّسُول ﷺ: فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تُكَفِّرَ عَنْكَ (٣) .
_________
(١) المبسوط ٥ / ٢٢٥، وفتح القدير ٤ / ٩٤، وبداية المجتهد ٢ / ٩٨، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٨٣، وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٦٠، والمغني ٧ / ٣٨٣.
(٢) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٦٠.
(٣) حديث: " أن رجلا ظاهر من زوجته. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٦٦٦) والترمذي (٣ / ٤٩٣) من حديث ابن عباس، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح.
فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي عَدَمِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ أَمَرَهُ بِاعْتِزَال زَوْجَتِهِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْرَارِ التَّكْفِيرِ لِجِمَاعِهِ زَوْجَتِهِ قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ تَكْفِيرًا وَاحِدًا (١)، إِذْ لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مُتَعَدِّدًا لَبَيَّنَهُ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ.
وَبِهِ قَال عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَابْنُ شِهَابٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ الأُْولَى لِلظِّهَارِ الَّذِي اقْتَرَنَ بِهِ الْعَوْدُ، وَالثَّانِيَةُ وَجَبَتْ لِلْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَدَّدُ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى إِقْدَامِهِ عَلَى الْحَرَامِ (٣) .
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٩٨، والمغني ٧ / ٣٨٤.
(٢) المغني ٧ / ٣٨٣، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٨٣ وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٦٠، وبداية المجتهد ٢ / ٩٨.
(٣) المغني ٧ / ٣٨٣.
وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ
٦٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ دُونَ الْعَوْدِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدٍ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا نَصٌّ فِي مَعْنَى وُجُوبِ تَعَلُّقِ الْكَفَّارَةِ بِالْعَوْدِ، لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِي الآْيَةِ بِأَمْرَيْنِ هُمَا: ظِهَارٌ وَعَوْدٌ، فَلاَ تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا (٢) .
وَبِقِيَاسِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَكَمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ إِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمُخَالَفَةِ أَوْ بِإِرَادَةِ الْمُخَالَفَةِ، فَكَذَلِكَ الأَْمْرُ فِي الظِّهَارِ (٣) .
وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَلاَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٦، وروضة الطالبين ٨ / ٢٧٠، والمغني ٧ / ٣٥١، وبداية المجتهد ٢ / ٩١.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧ / ٣٥٢.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٩١.
يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْحِنْثِ كَسَائِرِ الأَْيْمَانِ، وَالْحِنْثُ فِيهَا هُوَ الْعَوْدُ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ دُونَ الْعَوْدِ
وَبِهِ قَال طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا تُفِيدُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ، لأَِنَّ اللَّهَ ﷿ قَال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وَالْعَوْدُ: هُوَ الْعَوْدُ بِالظِّهَارِ فِي الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ مَعْنَى الآْيَةِ: أَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلاَقَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَنُسِخَ تَحْرِيمُهُ بِالْكَفَّارَةِ (٣) .
وَقَالُوا: إِنَّ الظِّهَارَ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ، وَقَدْ وُجِدَ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ (٤) وَأَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ الْعُلْيَا، فَوَجَبَ أَنْ يُوجِبَهَا بِنَفْسِهِ لاَ بِمَعْنًى زَائِدٍ، تَشْبِيهًا بِكَفَّارَةِ الْقَتْل وَالْفِطْرِ (٥) .
وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِقَوْل الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ،
_________
(١) المغني ٧ / ٣٥٢.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧ / ٣٥١، وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٩.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٩٢.
(٤) المغني ٧ / ٣٥١.
(٥) بداية المجتهد ٢ / ٩١.
وَهَذَا يَحْصُل بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ (١) .
الْعَوْدُ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ
٦٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْعَوْدِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: الْعَهْدُ: هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبِهِ قَال الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ (٢) .
الْقَوْل الثَّانِي: الْعَوْدُ هُوَ الْوَطْءُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِهِ (٣) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: الْعَهْدُ: هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا فِي النِّكَاحِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ مُفَارَقَتَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ (٤) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: الْعَوْدُ: هُوَ تَكْرَارُ لَفْظِ الظِّهَارِ وَإِعَادَتُهُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بُكَيْرُ بْنُ الأَْشَجِّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَهُوَ قَوْل الْفَرَّاءِ (٥) .
_________
(١) المغني لابن قدامة ٧ / ٣٥١.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٧، وبداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧ / ٣٥٣.
(٣) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٨، والمغني ٧ / ٣٥٢، ٣٥٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٧، وبداية المجتهد ٢ / ٩١.
(٤) روضة الطالبين ٨ / ٢٧١، وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٧.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٨١، وبداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧ / ٣٥٣، وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٩.
وَقَدِ اسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الأَْوَّل: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ أَنَّهَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَال: إِذَا عَزَمْتَ عَلَى الْوَطْءِ فَكَفِّرْ قَبْلَهُ (١)، كَمَا قَال ﷾: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ .
وَقَالُوا: إِنَّهُ قَصَدَ بِالظِّهَارِ تَحْرِيمَهَا، فَالْعَزْمُ. عَلَى وَطْئِهَا عَوْدٌ فِيمَا قَصَدَ.
وَإِنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِبَاحَتَهَا فَقَدْ رَجَعَ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمِ، فَكَانَ عَائِدًا (٢) .
وَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الظِّهَارِ هُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِيهِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِإِرَادَتِهِ الْعَوْدَةَ إِلَى مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالظِّهَارِ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعَوْدَةُ إِمَّا الْوَطْءُ نَفْسُهُ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ وَإِرَادَتُهُ (٣) .
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الثَّانِي: بِأَنَّ الْعَوْدَ فِعْلٌ ضِدُّ قَوْلِهِ، وَمِنْهُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ هُوَ الرَّاجِعُ فِي الْمَوْهُوبِ، وَالْعَائِدُ فِي عِدَتِهِ:
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٦.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٣.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٩١.