الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥
فَلَزِمَهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُل (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، وَيُجْزِئُهُمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يُوجِبْ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ كَحَالَةِ الإِْكْرَاهِ (٣) .
تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ:
٤٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانَ الْوَطْءُ الثَّانِي بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَنِ الأَْوَّل (٤) .
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ قَبْل التَّكْفِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٥) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ جِمَاعٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ، فَإِذَا
_________
(١) المغني ٣ / ٣٣٥، المجموع ٧ / ٣٩٥.
(٢) المجموع ٧ / ٣٩٥، والمغني ٣ / ٣٣٦.
(٣) المغني ٣ / ٣٣٦.
(٤) المغني ٣ / ٣٣٦، ٣٣٧.
(٥) بداية المجتهد ١ / ٣١٥، والمغني ٣ / ٣٣٦، والمجموع ٧ / ٤٠٧، ٤٧٢، والمبسوط ٤ / ١١٩.
تَكَرَّرَ قَبْل التَّكْفِيرِ عَنِ الأَْوَّل، لَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً ثَانِيَةً كَالصِّيَامِ.
وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنِ الأَْوَّل، تَتَدَاخَل كَفَّارَتُهُ، كَمَا يَتَدَاخَل حُكْمُ الْمَهْرِ وَالْحَدِّ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ كُل وَطْءٍ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِانْفِرَادِهِ، فَأَوْجَبَهَا كَالْوَطْءِ الأَْوَّل.
وَأَنَّ الإِْحْرَامَ وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ بَاقِيَانِ بِارْتِكَابِ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ بِالْجِمَاعِ الأَْوَّل قَدْ خَرَجَ عَنْهُ (٣) .
أَثَرُ النِّسْيَانِ وَالْجَهْل فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ:
٤٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَمَّنْ جَامَعَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لإِحْرَامِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْجَهْل أَوِ النِّسْيَانِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (٤) .
_________
(١) المغني ٣ / ٣٣٦، والمجموع ٧ / ٤٧٢.
(٢) المجموع ٧ / ٤٠٧، ٤٧٢، والمغني ٣ / ٣٣٦.
(٣) المغني ٣ / ٣٣٦، والمجموع ٧ / ٤٧٢.
(٤) المبسوط ٤ / ١٢١، وبداية المجتهد ١ / ٣١٥، والمغني ٣ / ٣٤٠، والمجموع ٧ / ٤٧٥، ٣٩٥، ٤٧٨.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْوَطْءَ لاَ يَكَادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيَانُ إِلَيْهِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ.
وَأَنَّ الْجِمَاعَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، بِخِلاَفِ مَا دُونَهُ.
وَأَنَّهُ سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَالْفَوَاتِ (١) -.
وَبِعَدِمِ الْقِيَاسِ فِيهِ عَلَى الصَّوْمِ، لأَِنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَحْصُل الْفِطْرُ فِيهِ قَبْل تَمَامِ حَقِيقَةِ الْجِمَاعِ، وَغَيْرُ الْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ لاَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِخُصُوصِ الْجِمَاعِ فَافْتَرَقَا (٢) .
وَأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ، لأَِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الإِْحْرَامِ الرَّفَثُ وَالرَّفَثُ اسْمٌ لِلْجِمَاعِ، وَبِسَبَبِ النِّسْيَانِ لاَ يَنْعَدِمُ عَيْنُ الْجِمَاعِ، وَهَذَا لأَِنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِحَالَةِ مَا يَذْكُرُهُ، وَهُوَ هَيْئَةُ الْمُحْرِمِينَ، فَلاَ يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ كَمَا فِي الصَّلاَةِ إِذَا أَكَل أَوْ شَرِبَ، بِخِلاَفِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِحَالَةِ مَا يَذْكُرُهُ، فَجُعِل النِّسْيَانُ فِيهِ عُذْرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ إِفْسَادِهِ، بِخِلاَفِ الْقِيَاسِ (٣) .
الْقَوْل الثَّانِي: سُقُوطُ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْجَاهِل وَالنَّاسِي.
_________
(١) المغني ٣ / ٣٤٠.
(٢) المغني ٣ / ٣٤١.
(٣) المبسوط ٤ / ١٢١.
وَبِهِ قَال الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْعَمْدِ وَالسَّهْوِ كَالصَّوْمِ (٢) .
مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ بِدُونِ إِحْرَامٍ
٤٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِدُونِ إِحْرَامٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْل تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، كَالشَّامِيِّ يَمُرُّ بِمِيقَاتِ الْمَدِينَةِ، وَسَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إِلَيْهِ وَالإِْحْرَامُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِدُونِ إِحْرَامٍ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِدُونِ إِحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ الدَّمُ مُطْلَقًا، أَيْ وَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَبِهِ قَال زُفَرُ
_________
(١) روضة الطالبين ٣ / ١٤٣، والمجموع ٧ / ٣٩٥، ٤٧٥.
(٢) المجموع ٧ / ٤٧٨.
مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ (٢)، وَلأَِنَّهُ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتِهِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَلأَِنَّ وُجُوبَ الدَّمِ بِجِنَايَتِهِ عَلَى الْمِيقَاتِ بِمُجَاوَزَتِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ، وَجِنَايَتُهُ لاَ تَنْعَدِمُ بِعَوْدِهِ فَلاَ يَسْقُطُ الدَّمُ الَّذِي وَجَبَ (٣) .
الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إِنْ أَحْرَمَ وَتَلَبَّسَ بِنُسُكٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ وَرَجَعَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ سَقَطَ الدَّمُ عَنْهُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى سُقُوطِ الدَّمِ إِذَا لَمْ يَتَلَبَّسْ بِنُسُكٍ بِأَنَّهُ قَطَعَ الْمَسَافَةَ مِنَ الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَأَدَّى الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا بَعْدَهُ فَكَانَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ.
وَبِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا عِنْدَ
_________
(١) بداية المجتهد ١ / ٣١٧، والشرح الصغير ١ / ٢٤، ٢٥، والمغني ٣ / ٢٦٦، والمبسوط ٤ / ١٧٠.
(٢) حديث: " من ترك نسكًا فعليه دم "، أخرجه ابن حزم مرفوعًا كما في التلخيص لابن حجر (٢ / ٢٢٩)، ونقل عنه أن في إسناده جهالة. وورد من قول ابن عباس موقوفًا عليه بلفظ: من نسي نسكًا شيئًا أو تركه فيهرق دمًا. أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٤١٩) .
(٣) المراجع السابقة.
الْمِيقَاتِ لاَ أَنْ يُنْشِئَ الإِْحْرَامَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمِيقَاتِ ثُمَّ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ مُحْرِمًا وَلَمْ يُلَبِّ عِنْدَ الْمِيقَاتِ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ إِذَا عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ وَلَمْ يُلَبِّ لأَِنَّهُ تَدَارَكَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مُحْرِمًا عِنْدَ الْمِيقَاتِ (١) .
وَعَلَّلُوا عَدَمَ سُقُوطِ الدَّمِ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ بِأَنَّ النُّسُكَ تُؤَدَّى بِإِحْرَامٍ نَاقِصٍ (٢) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ إِنْ رَجَعَ قَبْل أَنْ يَتَلَبَّسَ بِأَعْمَال الْحَجِّ وَلَبَّى، فَإِنْ تَلَبَّسَ أَوْ رَجَعَ وَلَمْ يُلَبِّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَاسْتَدَل بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال لِذَلِكَ الرَّجُل: ارْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ وَإِلاَّ فَلاَ حَجَّ لَكَ.
وَلأَِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمِيقَاتِ حَلاَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الْمِيقَاتِ وَالإِْحْرَامِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ بِالْمُجَاوَزَةِ حَتَّى أَحْرَمَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ عَادَ فَإِنْ لَبَّى فَقَدْ أَتَى بِجَمِيعِ مَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ فَلَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِ مَا اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا بِخِلاَفِ مَنْ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمِيقَاتِ، لأَِنَّ مِيقَاتَهُ هُنَاكَ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِ،
_________
(١) المبسوط ٤ / ١٧٠، ١٧١، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٤، ٤٧٥.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) المبسوط ٤ / ١٧٠.
وَقَدْ لَبَّى عِنْدَهُ، فَقَدْ خَرَجَ الْمِيقَاتُ الْمَعْهُودُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِيقَاتًا لِلإِْحْرَامِ فِي حَقِّهِ، فَلِهَذَا لاَ يَضُرُّهُ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَهُ، بِخِلاَفِ مَا نَحْنُ فِيهِ (١) .
وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ غَسَل رَأْسَهُ بِالْخَطْمِيِّ وَالسِّدْرِ:
٤٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ اغْتِسَال الْمُحْرِمِ بِالْمَاءِ وَالاِنْغِمَاسِ فِيهِ لِلنَّصِّ (٢) .
كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي كَرَاهِيَةِ غَسْل الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِهِمَا.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ غَسَل رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِهِمَا أَوْ بِأَيِّهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالثَّوْرِيُّ (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَهُ بَعِيرُهُ اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ - أَوْ قَال: ثَوْبَيْهِ - وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (٤) فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِغَسْلِهِ
_________
(١) المبسوط ٤ / ١٧١.
(٢) المغني ٣ / ٢٩٩.
(٣) المجموع ٧ / ٣٥٥، ٤٦٣، والمغني ٣ / ٢٩٩.
(٤) حديث: " اغسلوه بماء وسدر. . . ". أخرجه البخاري (فتح البخاري ٤ / ٦٤) ومسلم (٢ / ٨٦٥) والسياق للبخاري.
بِالسِّدْرِ مَعَ إِثْبَاتِ حُكْمِ الإِْحْرَامِ فِي حَقِّهِ، وَالْخَطْمِيُّ كَالسِّدْرِ، فَلاَ فِدْيَةَ فِي غَسْل الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ بِهِمَا.
وَقَالُوا إِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، فَلَمْ تَجِبِ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالتُّرَابِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْخَطْمِيَّ مِنَ الطِّيبِ، فَلَهُ رَائِحَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَكِيَّةً، وَهُوَ يَقْتُل الْهَوَامَّ. أَيْضًا فَتَتَكَامَل الْجِنَايَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ (٣) .
شَمُّ الْعُصْفُرِ وَاسْتِعْمَالُهُ
٥٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال الْعُصْفُرِ أَوْ مَا صُبِغَ بِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال الْعُصْفُرِ أَوْ مَا صُبِغَ بِهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَعَقِيل بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ﵃ (٤) .
_________
(١) المغني ٣ / ٣٠٠.
(٢) المبسوط ٤ / ١٢٤، وبداية المجتهد ١ / ٣١٧، والمغني ٤ / ٢٩٩.
(٣) المبسوط ٤ / ١٢٥، وبداية المجتهد ١ / ٣١٧.
(٤) بداية المجتهد ١ / ٢٧٩.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَاكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ سَرَاوِيل، أَوْ خُفٍّ أَوْ قَمِيصٍ (١) .
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يُحْرِمْنَ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ (٢) . فَقَدْ أَبَاحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لاَ فِدْيَةَ فِي لُبْسِهِ (٣) .
وَلأَِنَّهُ قَوْل جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَلأَِنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، فَلَمْ يُكْرَهْ مَا صُبِغَ بِهِ كَالسَّوَادِ وَالْمَصْبُوغِ بِالْمُغْرَةِ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَى الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طِيبٌ بِخِلاَفِ مَسْأَلَتِنَا.
_________
(١) حديث ابن عمر " سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن. . . ". أخرجه الحاكم (١ / ٤٨٧) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) حديث عائشة بنت سعد: " كن أزواج النبي ﷺ يحرمن في المعصفرات ". أخرجه الإمام مالك في المناسك كما في المغني لابن قدامة (٣ / ٣١٨) .
(٣) المغني ٣ / ٣١٨.
الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال الْعُصْفُرِ أَوْ مَا صُبِغَ بِهِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقِسِيِّ الْمُعَصْفَرِ (٢) .
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ، لأَِنَّهُ صَبْغٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ (٣) .
وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِلُبْسِ السَّرَاوِيل عِنْدَ عَدَمِ الإِْزَارِ
٥١ - الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمُصِ وَالْعَمَائِمِ وَالسَّرَاوِيلاَتِ وَالْخِفَافِ وَالْبَرَانِسِ وَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ، لأَِنَّهُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ فِي الإِْحْرَامِ فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ كَالْحَلْقِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيل عِنْدَ عَدَمِ الإِْزَارِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ
_________
(١) المبسوط ٤ / ٧، والمغني ٣ / ٣١٨.
(٢) حديث علي بن أبي طالب: " أن النبي ﷺ نهى عن لبس القسي " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٨) .
(٣) بداية المجتهد ١ / ٢٧٩، والمغني ٣ / ٣١٨.