الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 16

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُول: مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل (٢) . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الإِْبَاحَةِ، ظَاهِرٌ فِي إِسْقَاطِ الْفِدْيَةِ، لأَِنَّهُ أَمَرَ بِلُبْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فِدْيَةً.

كَمَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَ اللُّبْسِ عِنْدَ فَقْدِ الإِْزَارِ، وَالأَْصْل فِي مُبَاشَرَةِ الْجَائِزَاتِ نَفْيُ الْمُؤَاخَذَةِ، فَدَل هَذَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِاسْتِعْمَال السَّرَاوِيل لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الإِْزَارِ (٣) .

وَقَالُوا: لُبْسُ السَّرَاوِيل مُخْتَصٌّ بِحَالَةِ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ (الإِْزَارِ) فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ عَدِمَ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّ لَهُ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ، وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِالاِتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْقَمِيصِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الرِّدَاءَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ، فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهِ، بِخِلاَفِ الإِْزَارِ فَإِنَّهُ يَجِبُ

_________

(١) المجموع ٧ / ٢٤٩، ٢٦٠، ٤٥١، ٤٥٣، والمغني ١ / ٣٠١، وبداية المجتهد ١ / ٣١٨.

(٢) حديث ابن عباس ﵄: " سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٥٧)، ومسلم (٢ / ٨٣٥) واللفظ للبخاري.

(٣) المغني ٣ / ٣٠١.

لُبْسُهُ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ عَدَل إِلَى السَّرَاوِيل وَلأَِنَّ السَّرَاوِيل لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ، وَيُمْكِنَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ الْقَمِيصَ (لِذَا قُلْنَا) لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِالسَّرَاوِيل لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ (١) .

وَقَالُوا إِنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ مُطْلَقًا عَنْ لُبْسِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَيُحْمَل الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ.

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى لُبْسِ الْقَمِيصِ، فَكَمَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الرِّدَاءَ وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِهِ، فَكَذَا السَّرَاوِيل إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ (٣) .

لُبْسُ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ

٥٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ.

وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعْهُمَا إِذَا لَبِسَهُمَا لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، وَفِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ.

_________

(١) المغني ٣ / ٣٠١، والمجموع ٧ / ٢٦٦.

(٢) المبسوط ٤ / ١٢٨، وبداية المجتهد ١ / ٣١٨.

(٣) المبسوط ٤ / ١٢٦، ١٢٨.

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لِعَدَمِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ

٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعِ الْخُفَّيْنِ عِنْدَ لُبْسِهِمَا لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِعَدَمِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَال عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَل النَّبِيَّ ﷺ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟

فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَال ﷺ: إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ (٢) .

وَهُوَ نَصٌّ فِي وُجُوبِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَطْعِهِمَا، وَالأَْمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَإِذَا

_________

(١) المبسوط ٤ / ١٢٦، ١٢٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٦، وروضة الطالبين ٣ / ١٢٨، والمجموع ٧ / ٤٥٣، ٢٦٥، والمغني ٣ / ٣٠١.

(٢) حديث: ابن عمر: " أن رجلا سأل النبي ﷺ: ما يلبس المحرم من الثياب ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٠١) ومسلم (٢ / ٨٣٤) واللفظ لمسلم.

لَمْ يَقْطَعْهُ فَقَدْ خَالَفَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، كَمَا أَنَّهُ تَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِعَدَمِ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ:

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ علي بن أبي طالب ﵄ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: السَّرَاوِيل لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ (٣) .

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل (٤) .

فَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَالسَّرَاوِيل لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإِْزَارَ، فَدَل هَذَا بِعُمُومِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ

_________

(١) المغني ٣ / ٣٠١، والمجموع ٧ / ٢٦٦.

(٢) المغني ٣ / ٣٠١.

(٣) حديث: ابن عباس: " السراويل لمن لم يجد الإزار. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٥٧) ومسلم (٢ / ٨٣٥) واللفظ لمسلم.

(٤) حديث: جابر بن عبد الله: " من لم يجد نعلين. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٣٦) .

الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْطَعِ الْخُفَّيْنِ، إِذَا لَبِسَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْل عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ، يَلْبَسُهُمَا كَمَا هُمَا.

وَقَالُوا إِنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ السَّرَاوِيل.

وَإِنْ قَطَعَهُ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مُحَرَّمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ كَلُبْسِ الصَّحِيحِ.

وَإِنَّ فِي الْقَطْعِ إِتْلاَفَ الْمَال وَإِضَاعَتَهُ (١)، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال (٢) .

لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ

٥٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِلُبْسِ الْمَقْطُوعِ مَعَ وُجُودِ النَّعْل.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ (٣) .

_________

(١) المغني ٣ / ٣٠١.

(٢) حديث: " نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٠٦) ومسلم (٣ / ١٣١٤) من حديث المغيرة بن شعبة.

(٣) بداية المجتهد ١ / ٢٧٩، ٣١٨، والمغني ٣ / ٣٠٢، ٣٠٣، والمجموع ٧ / ٢٤٩، ٢٥٠، وفتح العزيز مع المجموع ٧ / ٤٥٣، والمغني ٣ / ٣٠٢، ٣٠٣.

وَاسْتَدَلُّوا بِالأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ ﵃، فَقَدْ شَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ فِي إِبَاحَةِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ عَدَمَ النَّعْلَيْنِ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اللُّبْسُ مَعَ وُجُودِهِمَا.

وَقَالُوا: إِنَّهُ مَخِيطٌ لِعُضْوٍ عَلَى قَدْرِهِ، فَوَجَبَتْ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ كَالْقُفَّازَيْنِ، وَلأَِنَّهُ يُتْرِفُهُ بِلُبْسِ الْخُفَّيْنِ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالأَْذَى، فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِلُبْسِ الْمَقْطُوعِ مَعَ وُجُودِ النَّعْل.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبِهِ قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّعْل بِدَلِيل عَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ بِالْقَطْعِ صَارَ فِي مَعْنَى النَّعْلَيْنِ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتُرُ الْكَعْبَ (٣) .

لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ

٥٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الرَّجُل بِلُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ.

وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا لَبِسَتِ الْقُفَّازَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

_________

(١) المجموع ٧ / ٢٥٠، والمغني ٣ / ٣٠٢.

(٢) المبسوط ٤ / ١٢٧، وفتح القدير ٢ / ١٤١ - ١٤٢، والمجموع ٧ / ٢٥٠.

(٣) فتح القدير ٢ / ١٤١ - ١٤٢، والمجموع ٧ / ٢٥٠.

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِلُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ (٢) .

وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَال إِحْرَامِهَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا لَبِسَتْ مَا نُهِيَتْ عَنْ لُبْسِهِ فِي الإِْحْرَامِ، فَلَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ كَالنِّقَابِ (٣) .

وَقَالُوا: إِنَّ الْيَدَ عُضْوٌ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُهُ فِي الصَّلاَةِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهَا سَتْرُهُ فِي الإِْحْرَامِ كَالْوَجْهِ.

وَإِنَّ الرَّجُل لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ تَعَلَّقَ حُكْمُ إِحْرَامِهِ بِغَيْرِهِ، فَمُنِعَ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ، كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمَّا لَزِمَهَا كَشْفُ وَجْهِهَا، يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ حُكْمُ الإِْحْرَامِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَهُوَ الْيَدَانِ.

وَإِنَّ الإِْحْرَامَ تَعَلَّقَ بِيَدِهَا تَعَلُّقَهُ بِوَجْهِهَا،

_________

(١) بداية المجتهد ١ / ٢٨٠، ٣١٨، والمغني ٣ / ٣٢٩، والمجموع ٧ / ٢٦٩، ٤٥٤.

(٢) حديث: ابن عمر: " لا تنتقب المحرمة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٥٢) .

(٣) المغني ٣ / ٣٢٩، ٣٣٠.

لأَِنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا لَبِسَتِ الْقُفَّازَيْنِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعَائِشَةَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَال: إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (٣) .

وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَجِبُ كَشْفُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ هُوَ وَجْهُهَا، وَهَذَا يَدُل عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِتَغْطِيَةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ لأَِنَّهُ خَصَّ الْوَجْهَ بِالْحُكْمِ، فَدَل عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلاَفِهِ.

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُلْبِسُ بَنَاتَهُ الْقُفَّازَيْنِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ.

وَقَالُوا: إِنَّهُ عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُهُ بِغَيْرِ الْمَخِيطِ، فَجَازَ سَتْرُهُ بِهِ كَالرِّجْلَيْنِ (٤) .

تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ

٥٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ

_________

(١) المجموع ٧ / ٤٥٤، ٤٥٥، والمغني ٣ / ٣٢٩.

(٢) المبسوط ٤ / ١٢٨، والمجموع ٧ / ٢٦٩، ٤٥٤، والمغني ٣ / ٣٢٩، وبداية المجتهد ١ / ٢٨٠.

(٣) حديث: " إحرام المرأة في وجهها. . . ". أخرجه الدارقطني (٢ / ٢٩٤)، وأشار البيهقي في السنن (٥ / ٤٧) إلى ترجيح كونه موقوفًا على ابن عمر.

(٤) المجموع ٧ / ٤٥٤، والمبسوط ٤ / ١٢٨، والمغني ٣ / ٣٢٩.

فِي وَجْهِهَا، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا وَتَسْتُرَ شَعْرَهَا، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الرَّجُل الْمُحْرِمَ لاَ يُخَمِّرُ رَأْسَهُ.

وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الرَّجُل الْمُحْرِمِ بِتَخْمِيرِ وَجْهِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَدَمُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِتَخْمِيرِ الْوَجْهِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٍ ﵃ وَالْقَاسِمِ وَطَاوُسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَإِحْرَامُ الرَّجُل فِي رَأْسِهِ (٢) .

وَبِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ آنِفًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الرَّجُل الَّذِي وَقَصَهُ بَعِيرُهُ: خَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ (٣) .

وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵄ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ كَانُوا

_________

(١) المجموع ٧ / ٢٥٠، ٢٥٤، ٢٦٨، ٤٣٩، ٤٤٠، والمغني ٣ / ٣٢٥، وبداية المجتهد ١ / ٢٧٩.

(٢) حديث: " إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه " سبق تخريجه في (ف ٥٥) .

(٣) حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصة بعيره تقدم (ف٤٩)، وتقدم تخريجه.

يُخَمِّرُونَ وُجُوهَهُمْ وَهُمْ حُرُمٌ (١) .

وَبِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَال: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةٍ أُرْجُوَانٍ (٢) .

يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: فَبِهَذَا عَمِل عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ قَوْل غَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمَّيْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا (٣) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ بِتَخْمِيرِ الْوَجْهِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٤) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ - وَهُوَ مُحْرِمٌ - فَوَقَصَتْهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي (٥) .

_________

(١) المجموع ٧ / ٢٦٨.

(٢) أثر عبد الله بن عامر: " رأيت عثمان بن عفان بالعرج. . . ". أخرجه البيهقي (٥ / ٥٤) وصحح إسناده النووي في المجموع (٧ / ٢٦٨) .

(٣) المغني ٣ / ٣٢٥، وانظر المجموع ٧ / ٢٦٨.

(٤) المبسوط ٤ / ١٢٧، ١٢٨، وبداية المجتهد ١ / ٢٧٩، ٣٢٥، والمغني ٣ / ٣٢٥.

(٥) حديث: " اغسلوه بماء وسدر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٦٤) و(مسلم ٢ / ٨٦٦) واللفظ لمسلم.