الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٥

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الآْيَةِ: أَنَّهَا أَوْجَبَتِ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَامِدِ بِعُمُومِهَا، وَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِيَةِ لاَ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .

فَأَثْبَتَ أَنَّ الْعَائِدَ لَوِ انْتَهَى كَانَ لَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ (١) .

يَقُول النَّوَوِيُّ: وَفِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلاَلَتَانِ:

الأُْولَى: أَنَّ لَفْظَ الصَّيْدِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ، لأَِنَّ الأَْلِفَ وَاللاَّمَ يَدْخُلاَنِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ، وَلَيْسَ فِي الصَّيْدِ مَعْهُودٌ، فَتَعَيَّنَ الْجِنْسُ وَأَنَّ الْجِنْسَ يَتَنَاوَل الْجُمْلَةَ وَالأَْفْرَادَ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ يَعُودُ إِلَى جُمْلَةِ الْجِنْسِ وَآحَادِهِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل مِنَ النَّعَمِ﴾ وَحَقِيقَةُ الْمُمَاثَلَةِ: أَنْ يَفْدِيَ الْوَاحِدَ بِوَاحِدٍ، وَالاِثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، وَالْمِائَةَ بِمِائَةٍ، وَلاَ يَكُونُ الْوَاحِدُ مِنَ النَّعَمِ مَثَلًا لِجَمَاعَةٍ صَيُودٌ (٢) .

_________

(١) المغني ٣ / ٥٢٢، ٥٢٣.

(٢) المجموع ٧ / ٣٢٣.

وَقَالُوا إِنَّ الصَّيْدَ نَفْسٌ تُضْمَنُ بِالْكَفَّارَةِ، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْقَتْل، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ كَقَتْل الآْدَمِيِّ (١) .

وَإِنَّهَا غَرَامَةُ مُتْلِفٍ يَجِبُ بِهِ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةُ، فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الإِْتْلاَفِ، كَمَا فِي الآْدَمِيِّ (٢) .

وَإِنَّهُ لاَ يَصِحُّ قِيَاسُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى غَيْرِهِ، لأَِنَّ جَزَاءَهُ مُقَدَّرٌ بِهِ وَيَخْتَلِفُ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ، وَإِنَّمَا يُقَاسُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ صَيْدَيْنِ مَعًا، حَيْثُ يَجِبُ جَزَاؤُهُمَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَفَرَّقَا (٣) .

قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَلأَِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَل صَيْدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَزِمَهُ جَزَاءَانِ، فَإِذَا تَكَرَّرَ قَتْلُهُمَا مَعًا، وَجَبَ تَكَرُّرُهُ بِقَتْلِهِمَا مُرَتَّبًا كَالْعَبْدَيْنِ وَسَائِرِ الأَْمْوَال (٤) .

الْقَوْل الثَّانِي: يَجِبُ الْجَزَاءُ بِالصَّيْدِ الأَْوَّل دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: إِنْ كَفَّرَ عَنِ الأَْوَّل فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ لِلثَّانِي (٥) .

_________

(١) المجموع ٧ / ٣٢٣.

(٢) المغني ٣ / ٥٢٢، والمجموع ٧ / ٤٣٦.

(٣) المغني ٣ / ٥٢٣.

(٤) المجموع ٧ / ٣٢٣، ٣٢٤.

(٥) المغني ٣ / ٥٢٢.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْل مَا قَتَل﴾ وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذِهِ الآْيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَى لَفْظِ " مَنْ ".

قَالُوا: وَمَا عُلِّقَ عَلَى لَفْظِ " مَنْ " لاَ يَقْتَضِي تَكْرَارًا، كَمَا لَوْ قَال: مَنْ دَخَل الدَّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ مَنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ فَإِذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إِلاَّ دِرْهَمًا بِالدُّخُول الأَْوَّل، وَإِذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهَا لاَ يَقَعُ إِلاَّ طَلْقَةٌ بِالدُّخُول الأَْوَّل، فَلاَ يَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكْرَارِ الْقَتْل، وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى الْعَوْدِ غَيْرَ الاِنْتِقَامِ، إِذْ لَوْ كَانَ تَكَرُّرُ الْجَزَاءِ وَاجِبًا لَرَتَّبَهُ عَلَى الْعَوْدِ مَعَ الاِنْتِقَامِ، فَكَانَ عَدَمُ ذِكْرِهِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَتَكَرُّرِهِ.

صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ:

٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْل صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ جَزَاءَ فِيهِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَالرِّوَايَةُ الأُْولَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١) .

_________

(١) المبسوط ٤ / ١٠٥، والجامع لأحكام القرآن ٦ / ٣٠٦، والمجموع ٧ / ٤٨٠، ٥١٤، والمغني ٣ / ٣٥٤.

وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عِيرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلاَ عَدْلًا (١) .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ، وَبِأَنَّ كُل مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا اسْتَحَقَّ الطَّرْدَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَاسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً، وَلَوْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةً لَذَكَرَهَا لأَِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لاَ يَجُوزُ (٢) .

وَبِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَعْطَى بَعْضَ الصِّبْيَانِ بِالْمَدِينَةِ طَائِرًا، فَطَارَ مِنْ يَدِهِ، فَجَعَل يَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ (٣) - اسْمُ ذَلِكَ الطَّيْرِ وَهُوَ طَيْرٌ صَغِيرٌ مِثْل الْعُصْفُورِ - فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْجَزَاءِ

_________

(١) حديث: " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١١٤٧) من حديث علي بن أبي طالب.

(٢) الجامع لأحكام القرآن ٦ / ٣٠٧.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ أعطى بعض. . . ". أورده السرخسي (المبسوط ٤ / ١٠٥) والذي ورد في صحيح البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٨٢) ومسلم (٣ / ١٦٩٢، ١٦٩٣) أن النبي ﷺ دخل على الصبي وعنده الطير، وزاد النسائي في عمل اليوم والليلة (ص٢٨٦) أنه دخل عليه وقد مات الطير.

بِصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ لِصَيْدِ الْمَدِينَةِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ، لَمَا نَاوَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ. صَبِيًّا (١) . وَقَالُوا: إِنَّ هَذِهِ بُقْعَةٌ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ فَلاَ يَجِبُ بِصَيْدِ حَرَمِهَا جَزَاءٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ، بِخِلاَفِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهُ إِلاَّ مُحْرِمًا (٢) .

الْقَوْل الثَّانِي: وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِقَتْل صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَِهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ (٤) .

وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، فَيَجِبُ فِي قَتْل صَيْدِهِ الْجَزَاءُ كَمَا يَجِبُ فِي قَتْل صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ، لاِسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ (٥) .

تَعَدُّدُ الْجَزَاءِ بِقَتْل الصَّيْدِ وَالأَْكْل مِنْهُ:

٤٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا

_________

(١) المبسوط ٤ / ١٠٥.

(٢) المبسوط ٤ / ١٠٥، والمغني ٣ / ٣٥٤.

(٣) المغني ٣ / ٣٥٤، والمجموع ٧ / ٤٨٠ - ٥١٤.

(٤) حديث: " إن إبراهيم حرم مكة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٩٩١) عن عبد الله بن زيد بن عاصم.

(٥) المغني ٣ / ٣٥٤، المجموع ٧ / ٤٨٠، ٥١٤.

قَتَل صَيْدًا أَوْ ذَبَحَهُ فَأَكَل مِنْهُ أَثِمَ.

وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي الْجَزَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، إِذَا قَتَل صَيْدًا أَوْ ذَبَحَهُ فَأَكَل مِنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يُضْمَنْ ثَانِيًا كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الأَْكْل.

وَبِالْقِيَاسِ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ إِذَا قَتَلَهُ أَوْ أَكَلَهُ.

وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، ثُمَّ أَكَل هَذَا مِنْهُ (٢) .

وَبِأَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَيْتَاتِ، لأَِنَّ الْمَيْتَةَ لاَ تُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ الاِسْتِغْفَارَ (٣) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَلَيْهِ جَزَاءَانِ:

وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ، وَعَطَاءٌ.

وَاسْتَدَلاَّ بِأَنَّ قَتْل هَذَا الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ إِحْرَامِهِ، وَالْقَتْل غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعَيْنِهِ بَل لِلتَّنَاوُل مِنَ الصَّيْدِ، فَإِذَا كَانَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ إِحْرَامِهِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن ٦ / ٣٠٢، والمجموع ٧ / ٣٣٠ - ٥٠٨، والمغني ٣ / ٣١٤، والمبسوط ٤ / ٨٦.

(٢) المجموع ٧ / ٣٣٠.

(٣) المبسوط ٤ / ٨٦، المغني ٣ / ٣١٤.

بِهِ، فَمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِذَلِكَ أَوْلَى (١) .

مَنْشَأُ الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ:

وَيَرْجِعُ سَبَبُ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي اعْتِبَارِ أَكْل الصَّيْدِ تَعَدِّيًا ثَانِيًا عَلَيْهِ سِوَى تَعَدِّي الْقَتْل أَمْ لاَ؟ وَإِذَا كَانَ تَعَدِّيًا فَهَل هُوَ مُسَاوٍ لِلتَّعَدِّي الأَْوَّل أَمْ لاَ؟ (٢) .

وَقَدِ اسْتَدَل كُل فَرِيقٍ بِأَدِلَّةٍ تُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

الْجَزَاءُ فِي إِتْلاَفِ بَيْضِ الصَّيْدِ:

٤١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِ بَيْضِ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا كَسَرَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِيهِ (٣) .

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٤)، وَالْمَالِكِيَّةُ (٥)، وَالشَّافِعِيَّةُ (٦)، وَالْحَنَابِلَةُ (٧) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِنَّ الْجَزَاءَ فِي إِتْلاَفِ الْمُحْرِمِ بَيْضَ الصَّيْدِ هُوَ الْقِيمَةُ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال

_________

(١) المبسوط ٤ / ٨٦، والمجموع ٧ / ٣٣٠، والمغني ٣ / ٣٠٤.

(٢) بداية المجتهد ١ / ٣٠٧.

(٣) بداية المجتهد ١ / ٣٠٨، والمبسوط ٤ / ١٠١، والمجموع ٧ / ٣١٩، المغني ٣ / ٥١٥.

(٤) المبسوط ٤ / ٨٧، ١٠١.

(٥) بداية المجتهد ١ / ٣٠٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٨٤.

(٦) المجموع ٦ / ٣١٧، ٣١٨، ٣٣٢.

(٧) المغني ٣ / ٥١٥، ٥١٦.

فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ ثَمَنُهُ (١)، وَلأَِنَّ الْبَيْضَ لاَ مِثْل لَهُ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ لِكَوْنِهِ مَذَرًا فَلاَ شَيْءَ فِيهِ، إِلاَّ بَيْضَ النَّعَامِ فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً فِي الْجُمْلَةِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْجَزَاءَ الْوَاجِبَ فِي إِتْلاَفِ بَيْضِ الصَّيْدِ هُوَ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ.

الْقَوْل الثَّانِي: لاَ جَزَاءَ فِي إِتْلاَفِ الْمُحْرِمِ بَيْضَ الصَّيْدِ، وَبِهِ قَال الْمُزَنِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَاسْتَدَل بِأَنَّهُ لاَ رُوحَ فِيهِ فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ (٢) .

إِزَالَةُ الشَّعَرِ:

٤٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ إِزَالَةِ الشَّعَرِ قَبْل التَّحَلُّل وَأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ (وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٌ ف ١٥٥) .

مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ، وَإِمَاطَةِ الأَْذَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ

٤٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِلُبْسِ الْمَخِيطِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَإِمَاطَةِ الأَْذَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ

_________

(١) حديث: " أن رسول الله ﷺ قال في بيض النعام يصيبه المحرم: " ثمنه ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٠٣١) من حديث أبي هريرة، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ١٤٧) .

(٢) المجموع ٧ / ٣١٧.

الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ: الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: عَلَيْهِ دَمٌ فَقَطْ.

وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (٢) (وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ إِحْرَامٌ ف ١٥٢ - ١٥٩) .

الْكَفَّارَاتُ الْوَاجِبَةُ بِالْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ:

٤٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْحَجِّ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ .

كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (٣)، وَكَذَلِكَ مَنْ وَطِئَ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْل أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ فِي الْفَرْجِ أَوْ دُونَهُ، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، أَنْزَل أَوْ لَمْ يُنْزِل.

_________

(١) المدونة الكبرى ١ / ٤٢٨، والمجموع ٧ / ٢٤٨، وروضة الطالبين ٣ / ١٣٦، والمغني ٣ / ٤٩٢، ٤٩٣، والجامع لأحكام القرآن ٢ / ٣٨٣.

(٢) المبسوط ٤ / ٧٣، ٧٥، ٧٧، ١٢٢، ١٢٨، والمغني ٣ / ٤٩٣.

(٣) المجموع ٧ / ٢٩٠.

كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِمُبَاشَرَةِ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ مِنَ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَتَكْرَارِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ (١) .

وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْهُ وَفِي تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ بِتَعَدُّدِ الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ وَأَثَرِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْل فِي سُقُوطِهَا.

وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ:

٤٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى الْوَطْءِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ.

وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٢)، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: اهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً. وَلأَِنَّهَا أَحَدُ الْمُتَجَامِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ،

_________

(١) المجموع ٧ / ٢٩١.

(٢) المبسوط ٤ / ١١٨.

(٣) حاشية الدسوقي ٢ / ٧٠، والمغني ٣ / ٣٣٥، ٣٣٦، والمجموع ٧ / ٣٩٥.