الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

وَإِنَّمَا يُبَاحُ السُّؤَال فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الْمُهِمَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الضَّرُورَةِ (١) .

وَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَسْأَل لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ سَأَل وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْمَسْأَلَةِ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ خُمُوشٌ فِي وَجْهِهِ (٢) .

وَوَرَدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَال: أَخْبَرَنِي رَجُلاَنِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلاَهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَال: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (٣) مَعْنَاهُ لاَ حَقَّ لَهُمَا فِي السُّؤَال، وَقَال ﷺ: ﴿لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ (٤) يَعْنِي لاَ يَحِل السُّؤَال لِلْقَوِيِّ الْقَادِرِ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَأَل فَأُعْطِيَ حَل لَهُ أَنْ يَتَنَاوَل، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا فَلَوْ

_________

(١) مختصر منهاج القاصدين ص ٣٢٢، وإحياء علوم الدين ٤ / ٢١١ - ٢١٢.

(٢) حديث: " من سأل وهو غني عن المسألة. . . " أورده المنذري في الترغيب والترهيب (١ / ٦٢٤) وقال: رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به.

(٣) حديث: عبيد الله بن عدي بن الخيار: " أن رجلين أخبراه. . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٨٥) وصححه ابن عبد الهادي كما في نصب الراية (٢ / ٤٠١) .

(٤) حديث: " لا تحل الصدقة لغني. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٣) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: حديث حسن.

كَانَ لاَ يَحِل التَّنَاوُل لَمَا قَال ﷺ لَهُمَا ذَلِكَ.

وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١) وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ فَقِيرٌ (٢) هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَيَرَى أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَحِل لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ (٣) .

قَال النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنِ السُّؤَال بِلاَ ضَرُورَةٍ، وَفِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ، وَالثَّانِي يَحِل بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُذِل نَفْسَهُ، وَلاَ يُلِحَّ فِي السُّؤَال، وَلاَ يُؤْذِيَ الْمَسْئُول، وَإِلاَّ حَرُمَ اتِّفَاقًا (٤) .

وَإِذَا كَانَ الْمُحْتَاجُ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ فَيَطُوفَ عَلَى الأَْبْوَابِ وَيَسْأَل، فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ كَانَ آثِمًا عِنْدَ أَهْل الْفِقْهِ؛ لأَِنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَإِنَّ السُّؤَال يُوصِلُهُ إِلَى مَا يُقَوِّمُ بِهِ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْكَسْبِ، وَلاَ ذُل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى ﵇ وَصَاحِبِهِ أَنَّهُمَا ﴿أَتَيَا أَهْل قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ .

وَقَال بَعْضُ الْمُتَقَشِّفَةِ: السُّؤَال مُبَاحٌ لَهُ

_________

(١) سورة التوبة / ٦٠.

(٢) الكسب ص ٩٠ - ٩١.

(٣) بريقة محمودية ٣ / ٢٦٦.

(٤) المرجع نفسه.

بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا؛ لأَِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْعَزِيمَةِ (١) .

وَمَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ حَتَّى عَجَزَ عَنْ طَلَبِ الْقُوتِ، فَفَرْضٌ عَلَى كُل مَنْ عَلِمَ بِهِ أَنْ يُطْعِمَهُ، أَوْ يَدُل عَلَيْهِ مَنْ يُطْعِمُهُ؛ صَوْنًا لَهُ عَنِ الْهَلاَكِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا عَنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ اشْتَرَكُوا فِي الإِْثْمِ، قَال ﵊: مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ (٢) وَإِنْ أَطْعَمَهُ وَاحِدٌ سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ (٣) .

نَفَقَةُ الْقَرِيبِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ:

١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْفَقِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَجِبُ لِلْفَقِيرِ إِلاَّ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.

وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْبَوَيْنِ وَقَالُوا: تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهُمَا إِذَا كَانَا فَقِيرَيْنِ وَإِنْ قَدَرَا عَلَى الْكَسْبِ؛ لأَِنَّهُمَا يَتَضَرَّرَانِ بِالْكَسْبِ، وَالْوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا.

_________

(١) الكسب ص ٩١.

(٢) حديث: " ما آمن بي من بات شبعان. . . " أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١ / ٢٣٢) من حديث أنس بن مالك، وأورده الهيثمي في المجمع (٨ / ١٦٨) وقال: رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن.

(٣) الاختيار ٤ / ١٧٥.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَدَرَ الْقَرِيبُ الْفَقِيرُ عَلَى الْكَسْبِ فَأَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا كَمَا قَال النَّوَوِيُّ: تَجِبُ لأَِصْلٍ دُونَ فَرْعٍ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ) .

إِجْبَارُ الْمُفَلِسِ عَلَى التَّكَسُّبِ:

١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُفَلِسِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِوَفَاءِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)، أَمَرَ بِإِنْظَارِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِاكْتِسَابِهِ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أُصِيبَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (٣) .

وَلأَِنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ لِلْمَال فَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَيْهِ كَقَبُول الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَمَا لاَ تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٦٤، والدسوقي ٢ / ٥٢٢، ومغني المحتاج ٣ / ٤٤٨، وكشاف القناع ٥ / ٤٨١.

(٢) سورة البقرة / ٢٨٠.

(٣) حديث: أبي سعيد: " أن رجلًا أصيب في عهد رسول الله ﷺ. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١١٩١) .

التَّزْوِيجِ لِتَأْخُذَ الْمَهْرَ (١) .

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ إِنْ وَجَبَ الدَّيْنُ بِسَبَبٍ عَصَى بِهِ - كَإِتْلاَفِ مَال الْغَيْرِ عَمْدًا - وَجَبَ عَلَيْهِ الاِكْتِسَابُ، وَأُمِرَ بِهِ، وَلَوْ بِإِيجَارِ نَفْسِهِ، لأَِنَّ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ عَلَى الرَّدِّ (٢) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ، وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَوَّارٍ الْعَنْبَرِيِّ وَإِسْحَاقَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ سُرَّقًا فِي دَيْنِهِ، وَكَانَ سُرَّقٌ رَجُلًا دَخَل الْمَدِينَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَاءَهُ مَالًا، فَدَايَنَهُ النَّاسُ، فَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَالٌ، فَسَمَّاهُ سُرَّقًا، وَبَاعَهُ بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ (٣)، وَالْحُرُّ لاَ يُبَاعُ، ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ وَلأَِنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الأَْعْيَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ وَثُبُوتِ الْغِنَى بِهَا، فَكَذَلِكَ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا، وَلأَِنَّ الإِْجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ إِجْبَارُهُ عَلَيْهَا كَبَيْعِ مَالِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ إِلاَّ مَنْ فِي كَسْبِهِ فَضْلٌ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ يَمُونُهُ (٤) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٦٣، وتبيين الحقائق ٥ / ١٩٩، ومعين الحكام ٢٣٢، والشرح الصغير ٣ / ٣٥٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٣١٩، والمغني ٤ / ٤٩٥.

(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣١٩ - ٣٢٠، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٤.

(٣) حديث: " بيع النبي ﷺ سرقا في دينه. . " أخرجه الحاكم (٢ / ٥٤) وصححه ووافقه الذهبي.

(٤) المغني ٤ / ٤٩٥، ٤٩٦.

وَذَهَبَ اللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى التَّكَسُّبِ إِذَا كَانَ صَانِعًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ التَّكَسُّبَ فِي عَقْدِ الدَّيْنِ (١) .

تَكْلِيفُ الصَّغِيرِ بِالتَّكَسُّبِ:

١٥ - نَدَبَ الإِْسْلاَمُ إِلَى الاِسْتِغْنَاءِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ تَكْلِيفِ الصَّغِيرِ بِالْكَسْبِ، فَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُهَيْل بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُول: لاَ تُكَلِّفُوا الأَْمَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ الْكَسْبَ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا ذَلِكَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا، وَلاَ تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَرَقَ، وَعُفُّوا إِذَا أَعَفَّكُمُ اللَّهُ، وَعَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا (٢) .

وَقَال أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ضِمْنَ تَعْلِيقِهِ عَلَى أَثَرِ عُثْمَانَ ﵁: الصَّغِيرُ إِذَا كُلِّفَ الْكَسْبَ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِالْخَرَاجِ وَهُوَ لاَ يُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا اضْطَرَّهُ إِلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِمَّا لَزِمَهُ مِنَ الْخَرَاجِ بِأَنْ يَسْرِقَ (٣) .

وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الأَْثَرِ الْمَذْكُورِ: هَذَا كَلاَمٌ صَحِيحٌ وَاضِحُ الْمَعْنَى، مُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَالْقَوْل فِي شَرْحِهِ تَكَلُّفٌ (٤) .

_________

(١) الصاوي مع الشرح الصغير ٣ / ٣٥٩، وانظر منح الجليل ٣ / ١٣١ - ١٣٢.

(٢) المنتقى شرح الموطأ للباجي ٧ / ٣٠٦، وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ٤ / ٣٩٦.

(٣) المنتقى ٧ / ٣٠٦.

(٤) الاستذكار لابن عبد البر ٢٧ / ٢٨٨.

التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ:

١٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ كَرَاهَةَ التَّكَسُّبِ بِعَمَل الصِّنَاعَاتِ مِثْل الْخِيَاطَةِ فِي الْمَسْجِدِ (١)، وَلاَ يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَل، مِثْل رَقْعِ ثَوْبِهِ أَوْ خَصْفِ نَعْلِهِ (٢) .

قَال الزَّرْكَشِيُّ نَقْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ: فَأَمَّا مَنْ يَنْسَخُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أَوِ اتَّفَقَ قُعُودُهُ فِيهِ فَخَاطَ ثَوْبًا، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مَقْعَدًا لِلْخِيَاطَةِ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَقَال فِي الرَّوْضَةِ: يُكْرَهُ عَمَل الصَّنَائِعِ مِنْهُ أَيِ الْمُدَاوَمَةُ، أَمَّا مَنْ دَخَل لِصَلاَةٍ أَوِ اعْتِكَافٍ فَخَاطَ ثَوْبَهُ لَمْ يُكْرَهْ (٣) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْكَرَاهَةِ مَا إِذَا كَانَتِ الصِّنَاعَةُ لأَِجْل حِفْظِ الْمَسْجِدِ لاَ لِلتَّكَسُّبِ (٤) فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْخَيَّاطُ إِذَا كَانَ يَخِيطُ فِي الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ، إِلاَّ إِذَا جَلَسَ لِدَفْعِ الصِّبْيَانِ وَصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ، فَحِينَئِذٍ لاَ بَأْسَ بِهِ (٥) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ تَكَسُّبٌ

_________

(١) الحموي على الأشباه والنظائر ٢ / ٦٣٢ ط. باكستان، والحطاب ٦ / ١٣، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص ٣٢٥، وتحفة الراكع والساجد لتقي الدين الجراعي الحنبلي ص ٢٠٩.

(٢) إعلام الساجد ص٣٢٥ - ٣٢٦، وتحفة الراكع والساجد ص٢٠٩.

(٣) إعلام الساجد ص ٣٢٥ - ٣٢٦.

(٤) الحموي على الأشباه ٢ / ٦٣٢.

(٥) الفتاوى الهندية ١ / ١١٠.

بِصَنْعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ غَيْرَ كِتَابَةٍ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعٌ مِنْ تَحْصِيل الْعِلْمِ (١) .

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَل الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةِ آحَادِ النَّاسِ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِهِ، فَلاَ يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ لِمَا يَشْمَل الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْل الْمُثَاقَفَةِ (وَهِيَ الْمُلاَعَبَةُ لإِظْهَارِ الْمَهَارَةِ وَالْحِذْقِ) وَإِصْلاَحِ آلاَتِ الْجِهَادِ مِمَّا لاَ مِهْنَةَ فِي عَمَلِهِ لِلْمَسْجِدِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ (٢) .

وَأَمَّا التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كَرَاهَتَهُ (٣)، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ (٤) .

وَفِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ: جَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا ثَوْبًا عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةً تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهَا، وَقَال الْجُزُولِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَ الشِّرَاءُ، وَاخْتُلِفَ إِذَا رَأَى سِلْعَةً خَارِجَ

_________

(١) مطالب أولي النهى ١ / ١٧٥.

(٢) الحطاب ٦ / ١٣.

(٣) مواهب الجليل ٦ / ١٤، وإعلام الساجد ص ٣٢٤ - ٣٢٥، وتحفة الراكع والساجد ص ٢٠٨.

(٤) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠١) وقال: حديث حسن غريب.

الْمَسْجِدِ هَل يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لاَ؟ قَوْلاَنِ: مِنْ غَيْرِ سِمْسَارٍ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالسِّمْسَارِ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ (١) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكُل عَقْدٍ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ، بَل يَكُونُ مَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ بِدُونِ إِحْضَارِ السِّلْعَةِ (٢) .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْمَسْجِدِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَلاَ يَصِحَّانِ (٣) .

وَقَال ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُقِدَ مِنَ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ لاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ (٤) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمَسْجِدِ لاَ يُكْرَهُ بَل يُبَاحُ (٥)، وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ تَرْخِيصَ بَعْضِ أَهْل الْعِلْمِ فِيهِ (٦) .

الْكَسْبُ الْخَبِيثُ وَمَصِيرُهُ:

١٧ - طَلَبُ الْحَلاَل فَرْضٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ (٧)، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالأَْكْل مِنَ

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ١٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٤٥، والحموي على الأشباه ٢ / ٦٣٣.

(٣) مطالب أولي النهى ١ / ١٧٥.

(٤) تحفة الراكع والساجد ص ٢٠٨، ومواهب الجليل ٦ / ١٤.

(٥) إعلام الساجد ص ٣٢٥.

(٦) إعلام الساجد ص ٣٢٤.

(٧) مختصر منهاج القاصدين ص ٨٦، وانظر إحياء علوم الدين ٢ / ٩٠.

الطَّيِّبَاتِ، فَقَال ﷾: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١)، وَقَال فِي ذَمِّ الْحَرَامِ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ (٢) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآْيَاتِ (٣) .

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَلاَ يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَل مِنْهُ، وَلاَ يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلاَّ كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ (٤)، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلاَّ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ (٥) .

وَالْحَرَامُ كُلُّهُ خَبِيثٌ، لَكِنَّ بَعْضَهُ أَخْبَثُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنَّ الْمَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ حَرَامٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي دَرَجَةِ الْمَغْصُوبِ عَلَى سَبِيل الْقَهْرِ، بَل الْمَغْصُوبُ أَغْلَظُ؛ إِذْ فِيهِ إِيذَاءُ الْغَيْرِ وَتَرْكُ طَرِيقِ الشَّرْعِ فِي الاِكْتِسَابِ،

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٢.

(٢) سورة البقرة / ١٨٨.

(٣) مختصر منهاج القاصدين ٨٧.

(٤) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ١٨٨ ط. المطبعة الأزهرية، وتنبيه الغافلين ٢ / ٥٠١ وحديث: " لا يكسب عبد مالًا من حرام. . . " أخرجه أحمد (١ / ٣٨٧)، وأورده الهيثمي في المجمع (١ / ٥٣) وقال: رواه أحمد، وإسناده بعضهم مستور، وأكثرهم ثقات.

(٥) الزواجر ١ / ١٨٨. وحديث: " لا يربو لحم نبت. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٥١٣) من حديث كعب بن عجرة وقال: حديث حسن.