الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

وَلَيْسَ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ إِلاَّ تَرْكُ طَرِيقِ التَّعَبُّدِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ ظُلْمًا مِنْ فَقِيرٍ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَتِيمٍ أَخْبَثُ وَأَغْلَظُ مِنَ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوِيٍّ أَوْ غَنِيٍّ أَوْ فَاسِقٍ (١) .

وَالْكَسْبُ الْخَبِيثُ هُوَ أَخْذُ مَال الْغَيْرِ لاَ عَلَى وَجْهِ إِذْنِ الشَّرْعِ، فَيَدْخُل فِيهِ الْقِمَارُ وَالْخِدَاعُ وَالْغُصُوبُ وَجَحْدُ الْحُقُوقِ وَمَا لاَ تَطِيبُ نَفْسُ مَالِكِهِ، أَوْ حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَإِنْ طَابَتْ بِهِ نَفْسُ مَالِكِهِ كَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَأَثْمَانِ الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) .

وَالْوَاجِبُ فِي الْكَسْبِ الْخَبِيثِ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ بِرَدِّهِ إِلَى أَرْبَابِهِ إِنْ عَلِمُوا، وَإِلاَّ إِلَى الْفُقَرَاءِ (٣) .

قَال النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ الْغَزَالِيِّ: إِذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ حَرَامٌ، وَأَرَادَ التَّوْبَةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ وَجَبَ صَرْفُهُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى وَكِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَجَبَ دَفْعُهُ إِلَى وَارِثِهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَالِكٍ لاَ يَعْرِفُهُ، وَيَئِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ كَالْقَنَاطِرِ وَالرُّبُطِ وَالْمَسَاجِدِ وَمَصَالِحِ طَرِيقِ

_________

(١) مختصر منهاج القاصدين ص ٨٧ - ٨٨ وانظر إحياء علوم الدين ٢ / ٩٥ ط. الحلبي.

(٢) تفسير القرطبي ٢ / ٣١٧، وانظر الزواجر ١ / ١٨٧ - ١٨٨.

(٣) منحة الخالق على البحر الرائق ٢ / ٢٢١، والطحطاوي على الدر ١ / ٣٩٠، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٧، وكشاف القناع ٤ / ١١٥.

مَكَّةَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، وَإِلاَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فَقِيرٍ أَوْ فُقَرَاءَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ الْقَاضِي إِنْ كَانَ عَفِيفًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَفِيفًا لَمْ يَجُزَ التَّسْلِيمُ إِلَيْهِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ صَارَ الْمُسْلِمُ ضَامِنًا، بَل يَنْبَغِي أَنْ يُحَكِّمَ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْبَلَدِ دَيِّنًا عَالِمًا، فَإِنَّ التَّحَكُّمَ أَوْلَى مِنَ الاِنْفِرَادِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ تَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الصَّرْفُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِذَا دَفَعَهُ إِلَى الْفَقِيرِ لاَ يَكُونُ حَرَامًا عَلَى الْفَقِيرِ، بَل يَكُونُ حَلاَلًا طَيِّبًا، وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا، لأَِنَّ عِيَالَهُ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ فَالْوَصْفُ مَوْجُودٌ فِيهِمْ، بَل هُمْ أَوْلَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَهُ هُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ؛ لأَِنَّهُ أَيْضًا فَقِيرٌ.

قَال النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَل قَوْل الْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي هَذَا الْفَرْعِ ذَكَرَهُ الآْخَرُونَ مِنَ الأَْصْحَابِ، وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ، وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْل الْوَرَعِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِتْلاَفُ هَذَا الْمَال وَرَمْيُهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صَرْفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (١) .

وَمَنْ وَرِثَ مَالًا وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ

_________

(١) المجموع ٩ / ٣٥١، وانظر إحياء علوم الدين ٢ / ١٢٧ - ١٣٣.

مُوَرِّثُهُ: أَمِنْ حَلاَلٍ أَمْ حَرَامٍ؟ وَلَمْ تَكُنْ عَلاَمَةٌ فَهُوَ حَلاَلٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ (١) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ الرَّجُل وَكَسْبُهُ خَبِيثٌ، كَأَنْ كَانَ مِنْ بَيْعِ الْبَاذَقِ أَوِ الظُّلْمِ أَوْ أَخْذِ الرِّشْوَةِ، فَالأَْوْلَى لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَرُدُّوا الْمَال إِلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا أَرْبَابَهُ تَصَدَّقُوا بِهِ؛ لأَِنَّ سَبِيل الْكَسْبِ الْخَبِيثِ التَّصَدُّقُ إِذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِهِ (٢) .

وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: إِنْ عَلِمَ الْمَال الْحَرَامَ بِعَيْنِهِ لاَ يَحِل لَهُ (لِلْوَارِثِ) أَخْذُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ حُكْمًا، وَأَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ بِنِيَّةِ الْخُصَمَاءِ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ وَرِثَ مَالًا، وَعَلِمَ أَنَّ فِيهِ حَرَامًا وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ، أَخْرَجَ الْقَدْرَ الْحَرَامَ بِالاِجْتِهَادِ (٤) .

وَيَمْنَعُ وَالِي الْحِسْبَةِ النَّاسَ مِنَ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَمْنَعُ مِنَ التَّكَسُّبِ بِالْكَهَانَةِ وَاللَّهْوِ، وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الآْخِذَ وَالْمُعْطِيَ (٥) .

وَلِلتَّفْصِيل ر: (حِسْبَةٌ ف ٣٤) .

_________

(١) المجموع ٩ / ٣٥١، وانظر إحياء علوم الدين ١ / ١٢٩.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٧.

(٣) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٤ / ١٩٣.

(٤) المجموع ٩ / ٣٥١.

(٥) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٥٨.

كَسْرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: قَوْلُهُمْ كَسَرَ الشَّيْءَ: إِذَا هَشَّمَهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَجْزَائِهِ، وَالْكَسْرُ مِنَ الْحِسَابِ جُزْءٌ غَيْرُ تَامٍّ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَاحِدِ كَالنِّصْفِ وَالْخُمُسِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الْجُرْجَانِيِّ: الْكَسْرُ فَصْل الْجِسْمِ الصُّلْبِ بِدَفْعِ دَافِعٍ قَوِيٍّ مِنْ غَيْرِ نُفُوذِ جِسْمٍ فِيهِ (٢)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقَطْعُ:

٢ - الْقَطْعُ إِبَانَةُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْجِرْمِ مِنْ بَعْضٍ فَصْلًا (٣) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ فَصْل الْجِسْمِ بِنُفُوذِ جِسْمٍ آخَرَ فِيهِ (٤) . فَالْكَسْرُ أَعَمُّ وَالْقَطْعُ أَخَصُّ.

_________

(١) المعجم الوسيط.

(٢) التعريفات.

(٣) لسان العرب.

(٤) التعريفات.

ب - الْجُرْحُ:

٣ - الْجُرْحُ مِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا: أَثَّرَ فِيهِ بِالسِّلاَحِ (١) .

فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْكَسْرِ.

ج - الشَّجَّةُ:

٤ - الشَّجَّةُ: الْجُرْحُ فِي الْوَجْهِ، وَالرَّأْسِ خَاصَّةً (٢)، وَلاَ يَكُونُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْجِسْمِ.

فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْكَسْرِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَسْرِ:

حُكْمُ كَسْرِ الْعَظْمِ:

٥ - كَسْرُ عَظْمِ مَحْقُونِ الدَّمِ بِالإِْسْلاَمِ أَوِ الذِّمَّةِ أَوِ الْعَهْدِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا مَحْظُورٌ، كَحُرْمَةِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إِجْمَاعًا.

مَا يَجِبُ فِي كَسْرِ عَظْمِ الآْدَمِيِّ:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ فِي كَسْرِ السِّنِّ عَمْدًا، إِذَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقِصَاصِ، وَأُمِنَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَكْسُورِ، أَوِ انْقِلاَعِ السِّنِّ، أَوِ اسْوِدَادِ مَا بَقِيَ مِنْهُ، أَوِ احْمِرَارِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُنَ بِالأُْذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٣)، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنَ الزِّيَادَةِ فَلاَ قَوَدَ، وَيَجِبُ فِيهِ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) لسان العرب.

(٣) سورة المائدة ٥٤.

الأَْرْشُ؛ لأَِنَّ تَوَهُّمَ الزِّيَادَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ (ر: أَرْشٌ، ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهَا مِنَ الْعِظَامِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّهُ لاَ قَوَدَ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ؛ لِعَدَمِ وُثُوقِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهَا (١) . (ر: قِصَاصٌ) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجْرِي فِيهَا الْقَوَدُ كَسَائِرِ جِرَاحَاتِ الْجِسْمِ، إِلاَّ مَا عَظُمَ خَطَرُهُ مِنْهَا، كَعَظْمِ الصَّدْرِ، وَالصُّلْبِ، وَعِظَامِ الْعُنُقِ وَالْفَخِذِ، أَمَّا مَا لاَ خَطَرَ فِي إِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِيهِ فَفِيهِ الْقَوَدُ، كَالزَّنْدَيْنِ، وَالذِّرَاعَيْنِ، وَالْعَضُدَيْنِ، وَالسَّاقَيْنِ، وَنَحْوِهَا (٢) .

دِيَةُ كَسْرِ الْعَظْمِ:

٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَسْرِ الْعَظْمِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ، وَهِيَ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ أَوِ الْمُحَكَّمُ بِشَرْطِهِ (٣) . (ر: حُكُومَةُ عَدْلٍ ف ٤) .

وَاسْتَثْنَوْا مِنْهَا السِّنَّ، فَفِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ لِلنَّصِّ (ر: سِنٌّ. ف ١٠) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: التَّرْقُوَتَيْنِ، وَالزَّنْدَيْنِ، وَالضِّلْعَ، فَفِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ،

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٢٨٥، وحاشية القليوبي ٤ / ٤١١، وابن عابدين ٥ / ٣٥٤، والمغني ٧ / ٧١٠ - ٧١١.

(٢) مواهب الجليل ٦ / ٢٤٨.

(٣) المغني ٨ / ٥٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٤٤، وروض الطالب ٤ / ٥٨، وابن عابدين ٥ / ٣٧٤.

قَالُوا: وَكَانَ مُقْتَضَى الدَّلِيل وُجُوبَ الْحُكُومَةِ فِي الْعِظَامِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ لآِثَارٍ وَرَدَتْ فِي هَذِهِ الأَْعْظُمِ، وَمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيل، فَيَجِبُ فِي الزَّنْدَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ، وَفِي كَسْرِ السَّاقِ بَعِيرَانِ، وَفِي السَّاقَيْنِ أَرْبَعَةٌ، وَفِي الْفَخِذِ بَعِيرَانِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَجِبْ فِي كَسْرِ الْعَظْمِ قِصَاصٌ، وَبَرِئَ وَعَادَ الْعُضْوُ لِهَيْئِهِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ بَرِئَ وَفِيهِ اعْوِجَاجٌ فَفِيهِ الْحُكُومَةُ (١) (ر: دِيَاتٌ ف ٦٣ - ف ٦٨، حُكُومَةُ عَدْلٍ ف ٤) .

كَسْرُ آلاَتِ اللَّهْوِ وَالصُّلْبَانِ وَظُرُوفِ الْخَمْرِ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي كَسْرِ آلاَتِ اللَّهْوِ، وَالصُّلْبَانِ، وَأَوْعِيَةِ الْخَمْرِ.

فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَسَرَ آلَةَ لَهْوٍ صَالِحَةً لِغَيْرِ اللَّهْوِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا صَالِحَةً لِغَيْرِ اللَّهْوِ؛ لأَِنَّهَا أَمْوَالٌ مُتَقَوَّمَةٌ صَالِحَةٌ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهْوِ، فَلَمْ يُنَافِ الضَّمَانَ. فَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ لِغَيْرِ اللَّهْوِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا (٢)

وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ آلاَتِ اللَّهْوِ تُضْمَنُ قِيمَتُهَا مَكْسُورَةً (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الأَْصْنَامُ وَالصُّلْبَانُ وَآلاَتُ

_________

(١) مواهب الجليل ٦ / ٢٤٨.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٣٤ - ١٣٥، بدائع الصنائع ٧ / ١٦٧ - ١٦٨.

(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٦.

الْمَلاَهِي، وَالأَْوَانِي الْمُحَرَّمُ اتِّخَاذُهَا، غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، فَلاَ يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ؛ لأَِنَّ مَنْفَعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ، وَالْمُحَرَّمُ لاَ يُقَابَل بِشَيْءٍ مَعَ وُجُوبِ إِبْطَالِهَا عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ.

وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا لاَ تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ؛ لإِمْكَانِ إِزَالَةِ الْهَيْئَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ الْمَالِيَّةِ، بَل تُفْصَل لِتَعُودَ كَمَا قَبْل التَّأْلِيفِ، لِزَوَال اسْمِهَا وَهَيْئَتِهَا الْمُحَرَّمَةِ بِذَلِكَ، فَلاَ تَكْفِي إِزَالَةُ الأَْوْتَارِ مَعَ بَقَاءِ الْجِلْدِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهَا مُجَاوِرَةٌ لَهَا مُنْفَصِلَةٌ.

وَالثَّانِي لاَ يَجِبُ تَفْصِيل الْجَمِيعِ، بَل بِقَدْرِ مَا يَصْلُحُ لِلاِسْتِعْمَال.

وَقَالُوا إِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ فِي الإِْنْكَارِ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ مَنْ يُرِيدُ إِبْطَالَهُ لِقُوَّتِهِ، أَبْطَلَهُ كَيْفَ تَيَسَّرَ وَلَوْ بِإِحْرَاقٍ تَعَيَّنَ طَرِيقًا، وَإِلاَّ فَبِكَسْرٍ، فَإِنْ أَحْرَقَهَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ غَرِمَ قِيمَتَهَا مَكْسُورَةً بِالْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، لِتَمَوُّل رُضَاضِهَا وَاحْتِرَامِهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ جَاوَزَ الْحَدَّ الْمَشْرُوعَ مَعَ إِمْكَانِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ سِوَى التَّفَاوُتِ بَيْنَ قِيمَتِهَا مَكْسُورَةً بِالْحَدِّ الْمَشْرُوعِ وَقِيمَتِهَا مُنْتَهِيَةً إِلَى الْحَدِّ الَّذِي أَتَى بِهِ

وَمِثْل آلاَتِ اللَّهْوِ فِي الأَْحْكَامِ: أَوَانِي الْخَمْرِ، وَظُرُوفُهَا، إِنْ تَعَذَّرَ إِرَاقَةُ الْخَمْرِ لِضِيقِ رُءُوسِ الأَْوَانِي، وَخَشْيَةِ لُحُوقِ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ إِرَاقَتِهَا، فَيَكْسِرُ الظَّرْفَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ إِرَاقَتُهُ تَأْخُذُ مِنْ وَقْتِهِ زَمَنًا غَيْرَ تَافِهٍ،

تَتَعَطَّل فِيهِ مَصَالِحُهُ إِذَا شُغِل بِكَسْرِهَا، هَذَا لِلآْحَادِ، أَمَّا الْوُلاَةُ، فَلَهُمْ كَسْرُ ظُرُوفِهَا مُطْلَقًا زَجْرًا وَتَأْدِيبًا (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يَجِبُ فِي كَسْرِهَا شَيْءٌ مُطْلَقًا، كَالْمَيْتَةِ، لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَْصْنَامِ (٢)، وَوَرَدَ: أَمَرَنِي رَبِّي ﷿ بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ (٣) وَكَذَا آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَلاَ يَضْمَنُ إِنْ كَسَرَهَا؛ لأَِنَّ اتِّخَاذَهَا مُحَرَّمٌ وَفِي ضَمَانِ أَوَانِي الْخَمْرِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ،

إِحْدَاهُمَا: يَضْمَنُهَا؛ لأَِنَّهُ مَالٌ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ وَيَحِل بَيْعُهُ، فَيَضْمَنُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَمْرٌ؛ لأَِنَّ جَعْل الْخَمْرِ فِيهَا لاَ يَقْتَضِي سُقُوطَ ضَمَانِهَا، كَالْبَيْتِ الَّذِي جُعِل مَخْزَنًا لِلْخَمْرِ، وَالثَّانِي: لاَ يَضْمَنُ (٤)، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَال: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ - وَهِيَ الشَّفْرَةُ - فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَرْسَل بِهَا فَأُرْهِقَتْ ثُمَّ أَعْطَانِيهَا، وَقَال: اغْدُ عَلَيَّ بِهَا فَفَعَلْتُ،

_________

(١) روض الطالب ٢ / ٣٤٤، ونهاية المحتاج ٥ / ١٦٨ - ١٦٩.

(٢) حديث: " إن الله ورسوله حرم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٤) ط. السلفية ومسلم (٣ / ١٢٠٧) .

(٣) حديث: " أمرني ربي ﷿ بمحق المعازف والمزامير " أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥ / ٦٩): فيه علي بن يزيد وهو ضعيف.

(٤) المغني ٥ / ٣٠١ - ٣٠٢.

فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا زُقَاقُ خَمْرٍ قَدْ جُلِبَتْ مِنَ الشَّامِ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي، فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزُّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ وَأَعْطَانِيهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي وَأَنْ يُعَاوِنُونِي، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الأَْسْوَاقَ كُلَّهَا فَلاَ أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إِلاَّ شَقَقْتُهُ فَفَعَلْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إِلاَّ شَقَقْتُهُ (١) .

الْكَسْرُ فِي سِهَامِ الْوَرَثَةِ مِنَ التَّرِكَةِ:

٩ - إِذَا لَمْ تَقْبَل الْقِسْمَةَ سِهَامُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ أَصْل الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا إِلاَّ بِكَسْرٍ، يُصَحَّحُ الْكَسْرُ بِجَعْل السِّهَامِ قَابِلَةً لِلْقِسْمَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ بِدُونِ كَسْرٍ، وَتَصْحِيحُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَضْرِبَ أَصْل الْمَسْأَلَةِ إِنْ عَالَتْ فِي أَقَل عَدَدٍ يُمْكِنُ مَعَهُ أَنْ يَأْخُذَ كُل وَارِثٍ بِقَدْرٍ مِنَ السِّهَامِ بِلاَ كَسْرٍ، وَحَاصِل الضَّرْبِ هُوَ أَصْل الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ التَّصْحِيحِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ وَفْقَ قَوَاعِدَ تُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِرْثٌ ف ٧٢) .

_________

(١) حديث: عبد الله بن عمر: " أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية. . " أخرجه أحمد (٢ / ١٣٢ - ١٣٣) وقال الهيثمي في المجمع (٥ / ٥٤): رواه أحمد بإسنادين، في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة وقد وثقه حمد بن عبد الله ابن عمار الموصلي، وضعفه مكحول، وبقية رجاله ثقات.