الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - الْكَسْبُ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، وَهُوَ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَنَفَقَةِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (١)، قَال النَّبِيُّ ﷺ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ (٢)، فَإِنْ تَرَكَ الاِكْتِسَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَسِعَهُ، وَإِنِ اكْتَسَبَ مَا يَدَّخِرُهُ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فَهُوَ فِي سَعَةٍ (٣)، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْبِسُ لأَِهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ (٤) .

وَقَدْ يَكُونُ الْكَسْبُ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ كَسْبُ مَا زَادَ عَلَى أَقَل الْكِفَايَةِ لِيُوَاسِيَ بِهِ فَقِيرًا أَوْ يَصِل بِهِ قَرِيبًا (٥) .

وَيُبَاحُ كَسْبُ الْحَلاَل لِزِيَادَةِ الْمَال وَالْجَاهِ وَالتَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَال مَعَ سَلاَمَةِ الدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْمُرُوءَةِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ مَفْسَدَةَ فِيهِ إِذَنْ (٦) .

وَأَمَّا الْكَسْبُ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ - وَإِنْ كَانَ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٨، والكسب لمحمد بن الحسن ص ٥٧، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٤١، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٢٧٨.

(٢) حديث: " كفى بالمرء إثمًا أن يحبس. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، والكسب ص ٥٨.

(٤) حديث: " أن النبي ﷺ كان يحبس لأهله قوت سنتهم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٠٢) من حديث عمر بن الخطاب.

(٥) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، والكسب ص ٦٠، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٤٢.

(٦) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٤١، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ١٧٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، والكسب ص ٦٠.

مِنْ حِلٍّ - فَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِحُرْمَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَاظُمِ الْمُفْضِي إِلَى هَلاَكِ صَاحِبِهِ دُنْيَا وَأُخْرَى (١) .

آدَابُ الْكَسْبِ:

٦ - قَال أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كَسْبُهُ طَيِّبًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ:

أَوَّلُهَا: أَنْ لاَ يُؤَخِّرَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى لأَِجْل الْكَسْبِ، وَلاَ يُدْخِل النَّقْصَ فِيهَا.

وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يُؤْذِيَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لأَِجْل الْكَسْبِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْصِدَ بِكَسْبِهِ اسْتِعْفَافًا لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ، وَلاَ يَقْصِدَ بِهِ الْجَمْعَ وَالْكَثْرَةَ.

الرَّابِعُ: أَنْ لاَ يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي الْكَسْبِ جِدًّا.

وَالْخَامِسُ: أَنْ لاَ يَرَى رِزْقَهُ مِنَ الْكَسْبِ، وَيَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْكَسْبُ سَبَبًا (٢) .

كَمَا يَجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ مُكْتَسِبٍ تَحْصِيل عِلْمِ الْكَسْبِ، وَذَلِكَ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الَّتِي لاَ تَنْفَكُّ الْمَكَاسِبُ عَنْهَا، وَهِيَ الْبَيْعُ وَالرِّبَا وَالسَّلَمُ وَالإِْجَارَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ، وَمَهْمَا

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٤٢.

(٢) تنبيه الغافلين ٢ / ٥٠٠ - ٥٠١.

حَصَل عِلْمُ هَذِهِ الْعُقُودِ وَقَفَ الْمُكْتَسِبُ عَلَى مُفْسِدَاتِ الْمُعَامَلَةِ فَيَتَّقِيهَا (١) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْكَسْبِ وَبَيْنَ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الاِشْتِغَال بِالْكَسْبِ وَالتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ تَحْصِيل مَا لاَ بُدَّ لِلْمَرْءِ مِنْهُ:

فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَسْبَ الَّذِي لاَ يُقْصَدُ بِهِ التَّكَاثُرُ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّوَسُّل إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، مِنْ صِلَةِ الإِْخْوَانِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْ وُجُوهِ النَّاسِ، هُوَ أَفْضَل مِنَ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (٢)؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الاِكْتِسَابِ أَعَمُّ، فَإِنَّ مَا اكْتَسَبَهُ الزَّارِعُ تَصِل مَنْفَعَتُهُ إِلَى الْجَمَاعَةِ عَادَةً، وَالَّذِي يَشْتَغِل بِالْعِبَادَةِ إِنَّمَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّهُ بِفِعْلِهِ يُحَصِّل النَّجَاةَ لِنَفْسِهِ وَالثَّوَابَ لِجِسْمِهِ، وَمَا كَانَ أَعَمَّ فَهُوَ أَفْضَل، لِقَوْلِهِ ﷺ: خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ (٣)، وَلِهَذَا كَانَ الاِشْتِغَال بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَفْضَل مِنَ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ؛ لأَِنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ أَعَمُّ، وَلِهَذَا كَانَتِ الإِْمَارَةُ وَالسَّلْطَنَةُ

_________

(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٦٦.

(٢) الكسب ص ٤٨، والمبسوط ٣٠ / ٢٥١، والآداب الشرعية ٣ / ٢٨٠، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٤١، والمدخل لابن الحاج ٤ / ٢٩٩ - ٣٠٠.

(٣) حديث: " خير الناس أنفعهم للناس " أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (٢ / ٢٢٣) من حديث جابر وقواه السخاوي في المقاصد الحسنة ص٣٢٥.

بِالْعَدْل أَفْضَل مِنَ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْعِبَادَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ وَقَوْلِهِ ﵇: الْجِهَادُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي طَلَبِ الْحَلاَل (١)، يَعْنِي طَلَبَ الْحَلاَل لِلإِْنْفَاقِ عَلَى الْعِيَال، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّهُ بِالْكَسْبِ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ مِنَ الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالإِْحْسَانِ إِلَى الأَْقَارِبِ وَالأَْجَانِبِ، وَفِي التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ لاَ يَتَمَكَّنُ إِلاَّ مِنْ أَدَاءِ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ (٢) .

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الأَْصَحِّ أَنَّ التَّفَرُّغَ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَل؛ لأَِنَّ الأَْنْبِيَاءَ وَالرُّسُل ﵈ مَا اشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ فِي عَامَّةِ الأَْوْقَاتِ، وَلاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ اشْتِغَالَهُمْ بِالْعِبَادَةِ فِي عُمُرِهِمْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ اشْتِغَالِهِمْ بِالْكَسْبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ لأَِنْفُسِهِمْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ أَعْلَى مَنَاهِجِ الدِّينِ طَرِيقُ الْمُرْسَلِينَ ﵈، وَكَذَا النَّاسُ فِي الْعَادَةِ إِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ يَحْتَاجُونَ إِلَى دَفْعِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَيَشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَةِ لاَ

_________

(١) حديث: " العبادة عشرة أجزاء " وحديث: " الجهاد عشرة أجزاء. . . " أوردهما السرخسي في المبسوط (٣٠ / ٢٥٢) ولم نعثر عليهما فيما لدينا من مراجع السنن.

(٢) الكسب ص٤٨ - ٤٩، والمبسوط ٣٠ / ٢٥١ - ٢٥٢.

بِالْكَسْبِ، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَتَقَرَّبُونَ إِلَى الْعِبَادِ دُونَ الْمُكْتَسِبِينَ (١) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أَحْوَجَ مِنَ الْفَقْرِ مَكْرُوهٌ، وَمَا أَبْطَرَ مِنَ الْغِنَى مَذْمُومٌ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَفْضِيل الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ؛ لأَِنَّ الْغَنِيَّ مُقْتَدِرٌ، وَالْفَقِيرَ عَاجِزٌ، وَالْقُدْرَةَ أَفْضَل مِنَ الْعَجْزِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ النَّبَاهَةِ.

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى؛ لأَِنَّ الْفَقِيرَ تَارِكٌ، وَالْغَنِيَّ مُلاَبِسٌ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا أَفْضَل مِنْ مُلاَبَسَتِهَا، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ السَّلاَمَةِ (٢) .

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ صِفَةَ الْفَقْرِ أَعْلَى (٣) .

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل التَّوَسُّطِ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْفَقْرِ إِلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى، لِيَصِل إِلَى فَضِيلَةِ الأَْمْرَيْنِ، وَيَسْلَمَ مِنْ مَذَمَّةِ الْحَالَيْنِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى تَفْضِيل الاِعْتِدَال، وَأَنَّ

_________

(١) الكسب ص ٤٨ - ٤٩، والمبسوط للسرخسي ٣٠ / ٢٥١ - ٢٥٢.

(٢) أدب الدنيا والدين للماوردي ٣٥١ - ٣٥٢ تحقيق محمد السواس ط. دار ابن كثير.

(٣) الكسب ص ٥٠، والمبسوط ٣٠ / ٢٥٢.

خِيَارَ الأُْمُورِ أَوْسَاطُهَا (١) .

التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَسْبِ الرِّزْقِ وَبَيْنَ التَّوَكُّل:

٩ - جَاءَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْمَذْهَبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْكَسْبَ بِقَدْرِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ فَرِيضَةٌ (٢) .

وَتَقْصِيرُ الإِْنْسَانِ عَنْ طَلَبِ كِفَايَتِهِ - كَمَا قَال الْمَاوَرْدِيُّ - قَدْ يَكُونُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ: فَيَكُونُ تَارَةً كَسَلًا، وَتَارَةً تَوَكُّلًا، وَتَارَةً زُهْدًا وَتَقَنُّعًا.

فَإِنْ كَانَ تَقْصِيرُهُ لِكَسَلٍ فَقَدْ حُرِمَ ثَرْوَةَ النَّشَاطِ وَمَرَحَ الاِغْتِبَاطِ، فَلَنْ يُعْدَمَ أَنْ يَكُونَ كَلًّا قَصِيًّا أَوْ ضَائِعًا شَقِيًّا.

وَإِنْ كَانَ تَقْصِيرُهُ لِتَوَكُّلٍ فَذَلِكَ عَجْزٌ قَدْ أَعْذَرَ بِهِ نَفْسَهُ، وَتَرْكُ حَزْمٍ قَدْ غَيَّرَ اسْمَهُ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّوَكُّل عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحِيَل وَالتَّسْلِيمِ إِلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ الإِْعْذَارِ (٣)، فَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرَافِقُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ رُفَقَاءَ، فَجَاءَتْ رُفْقَةٌ يُهْرَفُونَ (٤) بِرَجُلٍ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا مِثْل فُلاَنٍ، إِنْ نَزَلْنَا فَصَلاَةٌ وَإِنْ رَكِبْنَا فَقِرَاءَةٌ، وَلاَ يُفْطِرُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَ يَرْحَل لَهُ، وَمَنْ كَانَ يَعْمَل

_________

(١) أدب الدنيا والدين للماوردي ٣٥٢.

(٢) الكسب ص ٤٤، والمبسوط ٣٠ / ٢٥٠.

(٣) أدب الدنيا والدين للماوردي ص٣٤٤ - ٣٤٥ ط. دار ابن كثير.

(٤) أي يمدحونه ويطنبون في الثناء عليه.

لَهُ؟ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ فَقَالُوا: نَحْنُ، فَقَال: كُلُّكُمْ خَيْرٌ مِنْهُ (١) .

وَجَاءَ فِي الْمَبْسُوطِ: قَال قَوْمٌ: إِنَّ الْكَسْبَ يَنْفِي التَّوَكُّل عَلَى اللَّهِ أَوْ يُنْقِصُ مِنْهُ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالتَّوَكُّل قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فَمَا يَتَضَمَّنُ نَفْيَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَكُّل يَكُونُ حَرَامًا، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ يَنْفِي التَّوَكُّل قَوْلُهُ ﷺ: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (٣) .

وَهُوَ قَوْلٌ مَرْدُودٌ (٤) .

أَنْوَاعُ الْكَسْبِ:

١٠ - إِنَّ حَاجَةَ الإِْنْسَانِ لِلْمَادَّةِ لاَزِمَةٌ لاَ يَعْرَى مِنْهَا بَشَرٌ، فَإِذَا عَدِمَ الْمَادَّةَ الَّتِي هِيَ قِوَامُ نَفْسِهِ لَمْ تَدُمْ لَهُ حَيَاةٌ، وَلَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ دُنْيَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَيْهِ لَحِقَهُ مِنَ الْوَهَنِ فِي نَفْسِهِ وَالاِخْتِلاَل فِي دُنْيَاهُ بِقَدْرِ مَا تَعَذَّرَ مِنَ الْمَادَّةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ الْقَائِمَ بِغَيْرِهِ يَكْمُل بِكَمَالِهِ، وَيَخْتَل بِاخْتِلاَلِهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ الْمَوَادُّ مَطْلُوبَةً

_________

(١) حديث أبي قلابة: " أن رسول الله ﷺ كان يرافق بين أصحابه. . . " أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢ / ٣٥٦) مرسلًا.

(٢) سورة المائدة / ٢٣.

(٣) حديث: " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٥٧٣) من حديث عمر بن الخطاب، وقال: حديث حسن صحيح.

(٤) المبسوط ٣٠ / ٢٤٧، وانظر الكسب ص ٣٧ وما بعدها.

لِحَاجَةِ الْكَافَّةِ إِلَيْهَا، أَعْوَزَتْ بِغَيْرِ طَلَبٍ (١) .

ثُمَّ إِنَّهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ جَعَل سَدَّ حَاجَةِ النَّاسِ وَتَوَصُّلَهُمْ إِلَى مَنَافِعِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: بِمَادَّةٍ وَكَسْبٍ.

فَأَمَّا الْمَادَّةُ فَهِيَ حَادِثَةٌ عَنِ اقْتِنَاءِ أُصُولٍ نَامِيَةٍ بِذَوَاتِهَا.

وَأَمَّا الْكَسْبُ فَيَكُونُ بِالأَْفْعَال الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْمَادَّةِ، وَالتَّصَرُّفُ الْمُؤَدِّي إِلَى الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: تَقَلُّبٌ فِي تِجَارَةٍ،

وَالثَّانِي: تَصَرُّفٌ فِي صِنَاعَةٍ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا فَرْعٌ لِوَجْهَيِ الْمَادَّةِ، فَصَارَتْ أَسْبَابُ الْمَوَادِّ الْمَأْلُوفَةِ وَجِهَاتُ الْمَكَاسِبِ الْمَعْرُوفَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: نَمَاءُ زِرَاعَةٍ، وَنِتَاجُ حَيَوَانٍ، وَرِبْحُ تِجَارَةٍ، وَكَسْبُ صِنَاعَةٍ (٢) .

الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الْمُخْتَلِفَةِ:

١١ - قَال السَّرَخْسِيُّ: الْمَكَاسِبُ أَرْبَعَةٌ: الإِْجَارَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالزِّرَاعَةُ وَالصِّنَاعَةُ وَكُل ذَلِكَ فِي الإِْبَاحَةِ سَوَاءٌ (٣) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ أَفْضَل أَنْوَاعِ الْكَسْبِ الْجِهَادُ؛ لأَِنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ حُصُول الْكَسْبِ وَإِعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ عَدُوِّ اللَّهِ (٤) .

_________

(١) أدب الدنيا والدين للماوردي ص٣٣٣ - ٣٣٤.

(٢) أدب الدنيا والدين للماوردي ص٣٣٥ - ٣٣٦، وانظر روضة الطالبين ٣ / ٢٨١.

(٣) المبسوط ٣٠ / ٢٥٨ - ٢٥٩، والكسب ص ٦٣.

(٤) الاختيار ٤ / ١٧١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩.

ثُمَّ اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ التِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ: فَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَفْضَل مِنَ التِّجَارَةِ لأَِنَّهَا أَعَمُّ نَفْعًا، فَبِعَمَل الزِّرَاعَةِ يَحْصُل مَا يُقِيمُ بِهِ الْمَرْءُ صُلْبَهُ، وَيَتَقَوَّى عَلَى الطَّاعَةِ، وَبِالتِّجَارَةِ لاَ يَحْصُل ذَلِكَ وَلَكِنْ يَنْمُو الْمَال، وَقَال ﷺ: خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ (١)، وَالاِشْتِغَال بِمَا يَكُونُ نَفْعُهُ أَعَمُّ يَكُونُ أَفْضَل؛ وَلأَِنَّ الصَّدَقَةَ فِي الزِّرَاعَةِ أَظْهَرُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَل مِمَّا يَكْتَسِبُهُ الزُّرَّاعُ النَّاسُ وَالدَّوَابُّ وَالطُّيُورُ، وَكُل ذَلِكَ صَدَقَةٌ لَهُ (٢)، قَال ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُل مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ (٣) .

وَقَال بَعْضُهُمْ: التِّجَارَةُ أَفْضَل مِنَ الزِّرَاعَةِ (٤) .

وَتَأْتِي الصِّنَاعَةُ بَعْدَ الْجِهَادِ وَالزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ (٥) .

وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: أُصُول الْمَكَاسِبِ: الزِّرَاعَةُ

_________

(١) حديث: " خير الناس أنفعهم للناس " تقدم تخريجه ف٧.

(٢) الكسب ص ٦٤ - ٦٥، والمبسوط ٣٠ / ٢٥٩، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٨.

(٣) حديث: " ما من مسلم يغرس غرسًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣) ومسلم (٣ / ١١٨٩) من حديث أنس بن مالك.

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩، والمبسوط ٣٠ / ٢٥٩، والكسب ص ٦٤.

(٥) الاختيار ٤ / ١٧١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٩.

وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ، وَأَيُّهَا أَطْيَبُ؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ مَذَاهِبَ لِلنَّاسِ: أَشْبَهُهَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ التِّجَارَةَ أَطْيَبُ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَالأَْشْبَهُ عِنْدِي: أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَطْيَبُ؛ لأَِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى التَّوَكُّل.

قَال النَّوَوِيُّ: قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَكَل أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُل مِنْ عَمَل يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُل مِنْ عَمَل يَدِهِ (١)، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ الزِّرَاعَةِ وَالصَّنْعَةِ؛ لِكَوْنِهِمَا مِنْ عَمَل يَدِهِ، لَكِنَّ الزِّرَاعَةَ أَفْضَلُهُمَا لِعُمُومِ النَّفْعِ بِهَا لِلآْدَمِيِّ وَغَيْرِهِ وَعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا (٢) .

سُؤَال الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ:

١٢ - الأَْصْل أَنَّ سُؤَال الْمَال، وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَسْئُول مِنْهُمَا حَرَامٌ (٣)؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ:

أَحَدُهَا: إِظْهَارُ الشَّكْوَى.

وَالثَّانِي: إِذْلاَل نَفْسِهِ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ.

وَالثَّالِثُ: إِيذَاءُ الْمَسْئُول غَالِبًا.

_________

(١) حديث: " ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٠٣) من حديث المقدام بن معد يكرب.

(٢) روضة الطالبين ٣ / ٢٨١.

(٣) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية ٣ / ٢٢٥ ط. الحلبي، وإحياء علوم الدين ٤ / ٢١٠ ط. مطبعة الاستقامة، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة ص ٣٢٢.