الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: وَجَّهَ عُمَرُ جَيْشًا، وَرَأَّسَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى: سَارِيَةَ، فَبَيْنَا عُمَرُ ﵁ يَخْطُبُ جَعَل يُنَادِي: يَا سَارِيَةُ: الْجَبَل ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُول الْجَيْشِ فَسَأَلَهُ عُمَرُ، فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هُزِمْنَا فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتًا يُنَادِي: يَا سَارِيَةُ إِلَى الْجَبَل ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَل فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ حَيْثُ كَانَ يَخْطُبُ عُمَرُ وَبَيْنَ مَكَانِ الْجَيْشِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁: " أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى تَفَرَّقَا فَتَفَرَّقَ النُّورُ مَعَهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ: " أَنَّ الرَّجُلَيْنِ هُمَا عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ " (١) .

وَوَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ كَرَامَاتٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال فِي حَنْظَلَةَ ﵁: وَقَدِ اسْتُشْهِدَ فِي أُحُدٍ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ تَغْسِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ فَاسْأَلُوا أَهْلَهُ مَا شَأْنُهُ؟ فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ خَرَجَ لَمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ

_________

(١) حديث أنس: " أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ١٢٥) والرواية التي صرحت باسميهما عزاها ابن حجر إلى أحمد والحاكم.

الْمَلاَئِكَةُ (١) .

وَلاَ تَزَال تَقَعُ الْكَرَامَاتُ لِصُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَِنَّ اللَّهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَدَ أَنْ يَنْصُرَهُمْ وَيُعِينَهُمْ، وَيُؤَيِّدَهُمْ، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأَُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لأَُعِيذَنَّهُ (٢)، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ وَتَأْيِيدِهِ، وَإِعَانَتِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: يُنْزِل نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الآْلاَتِ الَّتِي يَسْتَعِينُ بِهَا (٣)، وَلِذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: " فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي " (٤)، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِلَتُهُ بِاللَّهِ فَلاَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُكْرِمَهُ بِظُهُورِ مَا لاَ يُطِيقُهُ غَيْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ تَكْرِيمًا لَهُ.

وَأَنْكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الإِْسْفَرَايِينِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ حُصُول مَا يَخْرِقُ الْعَادَةَ

_________

(١) حديث: " إن صاحبكم تغسله الملائكة. . ". أخرجه الحاكم (٣ / ٢٠٤ - ٢٠٥) وصححه.

(٢) حديث: " وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤١) من حديث أبي هريرة.

(٣) فتح الباري ١١ / ٣٤١.

(٤) رواية: " فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي " أورده ابن حجر في الفتح (١١ / ٣٤٤) نقلًا عن الطوفي ولم يعزها إلى أي مصدر.

عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ، وَقَالُوا: إِنَّ الْخَوَارِقَ دَلاَلاَتُ صِدْقِ الأَْنْبِيَاءِ، وَدَلِيل النُّبُوَّةِ لاَ يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِ النَّبِيِّ، وَلأَِنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ بِأَيْدِي الأَْوْلِيَاءِ لَكَثُرَتْ بِكَثْرَتِهِمْ، وَلَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهَا كَذَلِكَ (١) .

قَوْل مَنِ ادَّعَى مَا لاَ يُمْكِنُ عَادَةً:

٩ - إِذَا ادَّعَى أَحَدٌ مَا لاَ يُمْكِنُ عَادَةً، وَيُمْكِنُ بِالْكَرَامَةِ فَلاَ يُقْبَل شَرْعًا وَهُوَ لَغْوٌ، كَأَنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَهَنَ دَارِهِ بِالشَّامِ وَأَقْبَضَهُ إِيَّاهَا، وَهُمَا بِمَكَّةَ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُحْكَمُ بِمَا يُمْكِنُ مِنْ كَرَامَاتِ الأَْوْلِيَاءِ، وَكَذَا إِنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فِي الْمَغْرِبِ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لاَ يَلْحَقُهُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ لاَ يُعَوَّل عَلَيْهَا بِالشَّرْعِ، وَإِنْ خَصَّ الشَّارِعُ شَخْصًا بِحُكْمٍ يَبْقَى الْحُكْمُ خَاصًّا بِهِ، وَلاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ بِالْقِيَاسِ، كَقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَحَسْبُهُ (٢)، وَهَذِهِ مَكْرُمَةٌ خَاصَّةٌ بِخُزَيْمَةَ بَعْدَ شَهَادَتِهِ بِشَهَادَتَيْنِ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لأَِنَّهُ كَرَامَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ (٣)

_________

(١) حاشية شيخ الإسلام الشيخ إبراهيم البيجوري المسماة بتحفة المريد على جوهرة التوحيد ص ٨٠ وما بعدها.

(٢) حديث: " من شهد له خزيمة أو شهد عليه. . ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤ / ٨٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٣٢٠): رجاله ثقات.

(٣) تحفة المحتاج ٥ / ١٠٧، ومسلم الثبوت ٢ / ٣٢٧.

كَرَاهَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْكَرَاهَةُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ كَرِهَ، يُقَال: كَرِهَ الشَّيْءَ كَرْهًا وَكَرَاهَةً وَكَرَاهِيَةً فَلاَ أَحَبَّهُ، فَهُوَ كَرِيهٌ وَمَكْرُوهٌ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُقْتَضِي الْكَفَّ عَنِ الْفِعْل اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ (٢) .

أَقْسَامُ الْكَرَاهَةِ:

٢ - قَال الزَّرْكَشِيُّ: قَدْ تَكُونُ الْكَرَاهَةُ شَرْعِيَّةً، وَقَدْ تَكُونُ إِرْشَادِيَّةً أَيْ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَمِنْهُ كَرَاهَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْل التَّمْرِ لِصُهَيْبٍ وَهُوَ أَرْمَدُ (٣)، وَمِنْهُ كَرَاهَةُ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ عَلَى رَأْيٍ (٤) .

وَتَنْقَسِمُ الْكَرَاهَةُ إِلَى كَرَاهَةٍ تَحْرِيمِيَّةٍ، وَكَرَاهَةٍ تَنْزِيهِيَّةٍ.

_________

(١) المفردات، والتعريفات، والمعجم الوسيط.

(٢) جمع الجوامع ١ / ٨٠، وشرح مسلم الثبوت ١ / ٥٨.

(٣) حديث: " كراهة النبي ﷺ أكل التمر لصهيب وهو أرمد ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٣٩) من حديث صهيب، وصحح إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ٢٠٦) .

(٤) البحر المحيط ١ / ٢٩٨.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَدْ يُطْلَقُ الْمَكْرُوهُ عَلَى الْحَرَامِ، كَقَوْل الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْل صَلاَةِ الإِْمَامِ وَلاَ عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا، وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ وَيُسَمِّيهِ مُحَمَّدٌ حَرَامًا ظَنِّيًّا.

وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا وَهُوَ مَا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، وَيُرَادَفُ خِلاَفَ الأَْوْلَى، وَفِي الْبَحْرِ مِنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلاَةِ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا كُرِهَ تَحْرِيمًا، وَهُوَ الْمَحْمَل عِنْدَ إِطْلاَقِهِمُ الْكَرَاهَةَ، وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّهُ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَاجِبُ يَعْنِي بِالظَّنِّيِّ الثُّبُوتُ.

ثَانِيهِمَا: الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا، وَمَرْجِعُهُ إِلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ " الْكَرَاهَةَ ". . . فَحِينَئِذٍ إِذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيًّا يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، إِلاَّ لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى النَّدْبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيل نَهْيًا، بَل كَانَ لِلتَّرْكِ غَيْرِ الْجَازِمِ فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ (١) .

قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَيُطْلَقُ " الْمَكْرُوهُ " عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ.

أَحَدُهَا: الْحَرَامُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُل

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٨٩.

ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (١) أَيْ مُحَرَّمًا. وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي بَابِ الآْنِيَةِ: وَأَكْرَهُ آنِيَةَ الْعَاجِ، وَفِي بَابِ السَّلَمِ: وَأَكْرَهُ اشْتِرَاطَ الأَْعْجَفِ وَالْمَشْوِيِّ وَالْمَطْبُوخِ؛ لأَِنَّ الأَْعْجَفَ مَعِيبٌ، وَشَرْطُ الْمَعِيبِ مُفْسِدٌ، قَال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وَهُوَ غَالِبٌ فِي عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٢) فَكَرِهُوا إِطْلاَقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ.

الثَّانِي: مَا نُهِيَ عَنْهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.

الثَّالِثُ: تَرْكُ الأَْوْلَى، كَصَلاَةِ الضُّحَى لِكَثْرَةِ الْفَضْل فِي فِعْلِهَا، حَكَى الإِْمَامُ فِي النِّهَايَةِ: أَنَّ تَرْكَ غُسْل الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ مَعَ أَنَّهُ لاَ نَهْيَ فِيهِ، قَال: وَهَذَا عِنْدِي جَارٍ فِي كُل مَسْنُونٍ صَحَّ الأَْمْرُ بِهِ مَقْصُودًا. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ غُسْل الإِْحْرَامِ مَكْرُوهٌ، وَفَرَّقَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ: أَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَال فِيهِ: مَكْرُوهٌ، وَمَا لاَ، يُقَال فِيهِ خِلاَفُ الأَْوْلَى وَلاَ يُقَال: مَكْرُوهٌ (٣) .

_________

(١) سورة الإسراء / ٣٨.

(٢) سورة النحل / ١١٦.

(٣) البحر المحيط ١ / ٢٩٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٨ وما بعدها، وانظر جواهر الإكليل ١ / ٢٣٣.

الرَّابِعُ: مَا وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ فِي تَحْرِيمِهِ كَلَحْمِ السَّبُعِ وَيَسِيرِ النَّبِيذِ، هَكَذَا عَدَّهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ أَقْسَامِ الْكَرَاهَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا فِي الْفُرُوعِ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِل الاِجْتِهَادِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِي جَوَازِهَا، لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى تَحْرِيمِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حِلِّهِ فَلاَ مَعْنَى لِلْكَرَاهَةِ فِي حَقِّهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي شُبْهَةِ الْخَصْمِ حَزَازَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ، فَلاَ يَصْلُحُ إِطْلاَقُ لَفْظِ الْكَرَاهَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ الْحِل، وَيَتَّجِهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُول: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْل مَنْ يَقُول: كُل مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَالْحِل عِنْدَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (١) .

٣ - وَهَل إِطْلاَقُ الْكَرَاهَةِ عَلَى هَذِهِ الأُْمُورِ مِنَ الْمُشْتَرَكِ أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّنْزِيهِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، وَهَل الْمَكْرُوهُ مِنَ التَّكْلِيفِ أَمْ لاَ وَهَل الْمَكْرُوهُ مِنَ الْقَبِيحِ أَمْ لاَ يُوصَفُ بِقُبْحٍ وَلاَ حُسْنٍ، وَهَل الْمَكْرُوهُ يَدْخُل تَحْتَ الأَْمْرِ الْمُطْلَقِ أَمْ لاَ، وَهَل هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَمْ لاَ وَهَل تَرْكُ الْمَنْدُوبِ يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا أَمْ لاَ؟ .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) البحر المحيط للزركشي ١ / ٢٩٧.

خِلاَفُ الأَْوْلَى:

٤ - قَال الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا النَّوْعُ أَهْمَلَهُ الأُْصُولِيُّونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالإِْبَاحَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ هَل هِيَ مَكْرُوهَةٌ، أَوْ خِلاَفُ الأَْوْلَى كَالنَّفْضِ وَالتَّنْشِيفِ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا؟

قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. . . التَّعَرُّضُ لِلْفَصْل بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَال فِيهِ: مَكْرُوهٌ، وَمَا لاَ فَهُوَ خِلاَفُ الأَْوْلَى وَلاَ يُقَال: مَكْرُوهٌ، وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَكُونَ مُصَرَّحًا بِهِ كَقَوْلِهِ: لاَ تَفْعَلُوا كَذَا، أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ كَذَا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَمَرَ بِمُسْتَحَبٍّ فَإِنَّ تَرْكَهُ لاَ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَإِنْ كَانَ الأَْمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ؛ لأَِنَّا اسْتَفَدْنَاهُ بِاللاَّزِمِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّمَا يُقَال: تَرْكُ الأَْوْلَى إِذَا كَانَ مُنْضَبِطًا كَالضُّحَى وَقِيَامِ اللَّيْل، وَمَا لاَ تَحْدِيدَ لَهُ وَلاَ ضَابِطَ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ لاَ يُسَمَّى تَرْكُهُ مَكْرُوهًا، وَإِلاَّ لَكَانَ الإِْنْسَانُ فِي كُل وَقْتٍ مُلاَبِسًا لِلْمَكْرُوهَاتِ الْكَثِيرَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ يَعُودُ مَرِيضًا وَنَحْوَهُ.

قَال الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ نَقْل هَذِهِ الأَْقْوَال: وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ خِلاَفَ الأَْوْلَى قِسْمٌ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَدَرَجَاتُ الْمَكْرُوهِ تَتَفَاوَتُ كَمَا فِي

السُّنَّةِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ قِسْمًا آخَرَ وَإِلاَّ لَكَانَتِ الأَْحْكَامُ سِتَّةً وَهُوَ خِلاَفُ الْمَعْرُوفِ أَوْ كَانَ خِلاَفُ الأَْوْلَى خَارِجًا عَنِ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (١)، وَهَذَا رَأْيُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَال: إِنَّ مَرْجِعَ كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ خِلاَفُ الأَْوْلَى.

وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ خِلاَفَ الأَْوْلَى مَا لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ نَهْيٍ كَتَرْكِ صَلاَةِ الضُّحَى، بِخِلاَفِ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا، قَال فِي الْبَحْرِ: وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ؛ إِذْ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ عَقِبَ هَذَا الْكَلاَمِ: أَقُول وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ إِذْ لاَ شُبْهَةَ أَنَّ النَّوَافِل مِنَ الطَّاعَاتِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا فِعْلُهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا بِلاَ عَارِضٍ، وَلاَ يُقَال: إِنَّ تَرْكَهَا مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا (٢) .

_________

(١) البحر المحيط ١ / ٣٠٢ وما بعدها.

(٢) انظر رد المحتار على الدر المختار ١ / ٨٤.

كِرْدَار

التَّعْرِيفُ

١ - الْكِرْدَارُ - وَيُسَمَّى بِخُوَارِزْمَ حَقَّ الْقَرَارِ - فَارِسِيٌّ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُبْنَى أَوْ يُغْرَسُ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ لِلْوَقْفِ، وَالأَْرَاضِي الَّتِي حَازَهَا الإِْمَامُ لِبَيْتِ الْمَال وَيَدْفَعُهَا مُزَارَعَةً إِلَى النَّاسِ بِالنِّصْفِ فَيَصِيرُ لَهُمْ فِيهَا بِنَاءٌ وَغَرْسٌ أَوْ كَبْسٌ بِالتُّرَابِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَجُوزُ لِمُسْتَأْجِرِي الأَْرَاضِي الْمُحْتَكَرَةِ لِلْوَقْفِ وَنَحْوِهَا بَيْعُ مَا أَحْدَثُوهُ فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ، أَوْ غَرْسٍ، أَوْ كَبْسٍ بِالتُّرَابِ إِذَا كَانَ الْكِرْدَارُ مَعْلُومًا؛ لأَِنَّ مَا أَحْدَثَهُ فِيهَا مِلْكُهُ، وَلَهُ فِي الأَْرْضِ حَقُّ الْقَرَارِ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ (٢) .

وَأَمَّا الشُّفْعَةُ فِي الْكِرْدَارِ فَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (كَدِكٌ ف ١١) .

_________

(١) متن اللغة مادة (كدر) وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٣٨، وتكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٨ / ١٤٨، وشرح منلا مسكين بحاشية أبي السعود ٣ / ٣٣٧.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٣٨ - ١٣٩، حاشية أبي السعود على شرح الكنز لمنلا مسكين ٣ / ٣٣٧.