الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
نِصْفَ الدَّابَّةِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا صَحَّتِ الإِْجَارَةُ مُشَاعَةً كَبَيْعِ الْمُشَاعِ وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ بِالزَّمَانِ أَوِ الْمَسَافَةِ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الْبُدَاءَةِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ.
وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا وَيَمْشِيَ يَوْمًا جَازَ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَيَمْشِيَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَوْ مَا زَادَ وَنَقَصَ جَازَ كَذَلِكَ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا لَمْ يُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، الْمَاشِي لِدَوَامِ الْمَشْيِ عَلَيْهِ، عَلَى الدَّابَّةِ لِدَوَامِ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا رَكِبَ بَعْدَ شِدَّةِ تَعَبِهِ كَانَ أَثْقَل عَلَى الدَّابَّةِ.
وَإِنْ اكْتَرَى اثْنَانِ جَمَلًا يَرْكَبَانِهِ عُقْبَةً وَعُقْبَةً جَازَ وَيَكُونُ كِرَاؤُهُمَا طُول الطَّرِيقِ وَالاِسْتِيفَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَشَاحَّا قُسِمَ بَيْنَهُمَا لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَاسِخُ مَعْلُومَةٌ أَوْ لأَِحَدِهِمَا اللَّيْل وَلِلآْخَرِ النَّهَارُ، وَإِنْ كَانَ بِذَلِكَ عُرْفٌ رُجِعَ إِلَيْهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْبَادِئِ مِنْهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَحْتَمِل أَنْ لاَ يَصِحَّ كِرَاؤُهُمَا إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رُكُوبٍ مَعْلُومٍ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَجْهُولٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوِ اشْتَرَيَا عَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا مُعَيَّنًا
مِنْهُمَا (١) .
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا الْمَنْعُ، أَيْ مَنْعُ كِرَاءِ الْعَقِبِ بِصُورَتَيْهِ؛ لأَِنَّهَا إِجَارَةُ أَزْمَانٍ مُنْقَطِعَةٍ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ كِرَاءُ الْعَقِبِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي تُؤَجَّرُ الدَّابَّةُ فِيهَا لِرَجُلَيْنِ؛ لاِتِّصَال زَمَنِ الإِْجَارَةِ فِيهَا دُونَ الصُّورَةِ الأُْخْرَى وَهِيَ الَّتِي يَتَعَاقَبُ فِي رُكُوبِ الدَّابَّةِ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ.
وَالثَّالِثُ: تَصِحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ.
قَال الإِْمَامُ الْمُزَنِيُّ: لاَ يَجُوزُ اكْتِرَاءُ الْعُقْبَةِ إِلاَّ مَضْمُونًا، لأَِنَّهُ يَتَأَخَّرُ حَقُّ أَحَدِهِمَا عَنِ الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ أَكْرَاهُ ظَهْرًا فِي مُدَّةٍ تَتَأَخَّرُ عَنِ الْعَقْدِ.
وَلاَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ إِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً (٢) .
وَهَذَا التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَجَاءَ فِي نُصُوصِ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُفِيدُ جَوَازَ كِرَاءِ الْعَقِبِ، فَفِي بَابِ الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الرَّاحِلَةِ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ عُقْبَةً أَيْ مَا يُتَعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي الرُّكُوبِ فَرْسَخًا بِفَرْسَخٍ أَوْ مَنْزِلًا بِمَنْزِلٍ فَلاَ حَجَّ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٣٩، المغني لابن قدامة ٥ / ٥١٩.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٣٩.
الرَّاحِلَةِ إِذْ ذَاكَ فِي جَمِيعِ السَّفَرِ لأَِنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْحَجُّ رَاكِبًا لاَ مَاشِيًا وَالرَّاكِبُ عُقْبَةً لاَ يَرْكَبُ فِي كُل الطَّرِيقِ بَل يَرْكَبُ فِي الْبَعْضِ وَيَمْشِي فِي الْبَعْضِ الآْخَرِ (١) .
وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ كِرَاءَ الْعَقِبِ فِي أَصْلِهِ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ وَلاَ سِيَّمَا الصُّورَةُ الَّتِي يَكْتَرِي فِيهَا الاِثْنَانِ رَاحِلَةً يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْهَا يَرْكَبُ أَحَدُهُمَا مَرْحَلَةً وَالآْخَرُ مَرْحَلَةً أُخْرَى لِنَصِّهِمْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ (٢) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عُقْبَةُ الأَْجِيرِ، قَالُوا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ. أَيْ يَجُوزُ لِلْمُكْرِي اشْتِرَاطُ رُكُوبِ الأَْجِيرِ الْمِيل السَّادِسَ عَلَى الدَّابَّةِ مَعَ الْمُكْتَرِي أَوْ بَدَلَهُ وَيَمْشِيَهُ الْمُكْتَرِي لأَِنَّهُ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ.
وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْجَمَّال أَنَّهُ بَعْدَ كُل خَمْسَةِ أَمْيَالٍ يَرْكَبُ خَدَّامُ الْمُسْتَأْجِرِ الْمِيل السَّادِسَ أَوْ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعُرْفُ أَوْ بِمَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ مَسَافَةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ كِرَاءَ الْعَقِبِ فِي الأَْصْل جَائِزٌ عِنْدَهُمْ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٢٢ وما بعدها، الهداية وشروحها، فتح القدير والعناية ٢ / ١٢٧.
(٢) المصدرين السابقين.
(٣) انظر جواهر الإكليل ٢ / ١٩٤، وحاشية الخرشي ٧ / ٣٨، شرح الزرقاني ٧ / ٤٠، والعُقْبة عند المالكية هي: رأس ستة أميال.
كَرَامَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَرَامَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ كَرُمَ، يُقَال: كَرُمَ الرَّجُل كَرَامَةً: عَزَّ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تُطْلَقُ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ: فَتُطْلَقُ أَوَّلًا: بِمَعْنَى: ظُهُورِ أَمْرٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ عَلَى يَدِ شَخْصٍ ظَاهِرِ الصَّلاَحِ غَيْرِ مُقَارِنٍ لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
وَتُطْلَقُ ثَانِيًا: بِمَعْنَى: الإِْعْزَازِ وَالتَّفْضِيل وَالتَّشْرِيفِ، وَتُطْلَقُ ثَالِثًا: بِمَعْنَى: إِكْرَامِ الضَّيْفِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُعْجِزَةُ:
٢ - الْمُعْجِزَةُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ مَا يَعْجِزُ الْخَصْمُ عِنْدَ التَّحَدِّي.
وَاصْطِلاَحًا: هِيَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ قُصِدَ بِهِ إِظْهَارُ صِدْقِ مَنِ ادَّعَى
_________
(١) لسان العرب.
(٢) التعريفات للجرجاني.
النُّبُوَّةَ مَعَ عَجْزِ الْمُنْكِرِينَ عَنِ الإِْتْيَانِ بِمِثْلِهِ (١) .
وَعَلَى هَذَا فَالْمُعْجِزَةُ أَخَصُّ مِنَ الْكَرَامَةِ.
ب - الإِْرْهَاصُ:
٣ - الإِْرْهَاصُ: مَا يَظْهَرُ مِنَ الْخَوَارِقِ قَبْل ظُهُورِ النَّبِيِّ (٢) .
وَالْكَرَامَةُ أَعَمُّ مِنْهُ.
ج - الاِسْتِدْرَاجُ:
٤ - الاِسْتِدْرَاجُ: مَا يَظْهَرُ مِنْ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ عَلَى يَدِ كَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الاِسْتِدْرَاجِ وَالْكَرَامَةِ الضِّدْيَّةُ مِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَرَامَةِ:
الْكَرَامَةُ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ وَالإِْعْزَازِ:
٥ - الْكَرَامَةُ بِمَعْنَى التَّشْرِيفِ وَالإِْعْزَازِ، مَنْزِلَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ وَفَضَّلَهُمْ بِهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، قَال عَزَّ مَنْ قَائِلٌ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٤)، قَال ابْنُ كَثِيرٍ فِي
_________
(١) القاموس المحيط، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد ص٨٠.
(٢) التعريفات للجرجاني، وحاشية البيجوري على جوهرة التوحيد ص٨٠.
(٣) الإقناع للشربيني ١ / ٦٩١، والتعريفات للجرجاني.
(٤) سورة الإسراء / ٧٠.
تَفْسِيرِ الآْيَةِ: أَيْ: لَقَدْ شَرَّفْنَا ذُرِّيَّةَ آدَمَ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، بِالْعَقْل، وَالْعِلْمِ، وَالنُّطْقِ، وَتَسْخِيرِ مَا فِي الْكَوْنِ لَهُمْ، وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى مَنْ خَلَقْنَا مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْجِنِّ، وَالْبَهَائِمِ وَالْوَحْشِ وَالطَّيْرِ (١)، وَقَدْ حَافَظَ الإِْسْلاَمُ عَلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لِبَنِي آدَمَ جَعَلَهُ مَبْدَأَ الْحُكْمِ، وَأَسَاسَ الْمُعَامَلَةِ، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ مِنَ التَّشْرِيعَاتِ، فَلاَ يَحِل لأَِحَدٍ إِهْدَارُ كَرَامَةِ أَحَدٍ بِالاِعْتِدَاءِ عَلَيْهَا: بِالْقَتْل، قَال تَعَالَى: ﴿مَنْ قَتَل نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَل النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) أَوْ بِهَتْكِ عِرْضِهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٣)، أَوْ بِالسُّخْرِيَةِ مِنْهُ وَالاِسْتِهْزَاءِ بِهِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ﴾ (٤)، وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الأَْعْدَاءِ أَثْنَاءَ الْحَرْبِ، وَبَعْدَ
_________
(١) تفسير ابن كثير في الآية ٧٠ من سورة الإسراء.
(٢) سورة المائدة / ٣٢.
(٣) سورة النور / ٤.
(٤) سورة الحجرات / ١١.
انْتِهَائِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا (١) . (ر: جِهَادٌ ف ٣١) .
إِكْرَامُ الضَّيْفِ:
٦ - رَغَّبَ الإِْسْلاَمُ فِي كَرَامَةِ الضَّيْفِ وَعَدَّهَا مِنْ أَمَارَاتِ صِدْقِ الإِْيمَانِ، فَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ (٢) .
كَرَامَةُ الْعُلَمَاءِ وَكِبَارِ السِّنِّ، وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَأَهْل الْفَضْل:
٧ - حَثَّ الإِْسْلاَمُ عَلَى تَوْقِيرِ الْعُلَمَاءِ وَكِبَارِ السِّنِّ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ، وَأَهْل الْفَضْل، قَال تَعَالَى: ﴿قُل هَل يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ مِنْ إِجْلاَل اللَّهِ تَعَالَى: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِل الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ (٤)، وَقَال ﵊: مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلاَّ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ
_________
(١) حديث: " لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٥٧) من حديث بريدة.
(٢) حديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٣٢) ومسلم (١ / ٦٨) من حديث أبي هريرة.
(٣) سورة الزمر / ٩.
(٤) حديث: " إن من إجلال الله. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ١٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري، وحسنه النووي في رياض الصالحين ص ١٨٤.
مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ (١) .
الْكَرَامَةُ بِمَعْنَى ظُهُورِ أَمْرٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ عَلَى يَدِ غَيْرِ نَبِيٍّ:
٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ إِلَى جَوَازِ ظُهُورِ أَمْرٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ عَلَى يَدِ مُؤْمِنٍ ظَاهِرِ الصَّلاَحِ إِكْرَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُ، وَإِلَى وُقُوعِهَا فِعْلًا، وَيُسَمَّى وَلِيًّا.
وَالْوَلِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ: هُوَ الْعَارِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ حَسَبَ الإِْمْكَانِ، وَالْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَةِ الْمُجْتَنِبُ لِلْمَعَاصِي، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَرْتَكِبُ مَعْصِيَةً بِدُونِ تَوْبَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لاَ يَقَعُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ، لأَِنَّهُ لاَ عِصْمَةَ إِلاَّ لِلأَْنْبِيَاءِ (ر: وِلاَيَةٌ) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِهَا بِأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ عَلَى فَرْضِ وُقُوعِهَا مُحَالٌّ، وَكُل مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُقُوعِهَا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ قَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكَ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، قَال الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: هَذَا دَلِيل جَوَازِ الْكَرَامَةِ
_________
(١) حديث: " ما أكرم شاب شيخًا لسنه. . " أخرجه الترمذي (٤ / ٣٧٢) من حديث أنس بن مالك، وقال: " حديث غريب ".
(٢) سورة آل عمران / ٣٧.
لِلأَْوْلِيَاءِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ زَادَهْ عَلَى تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ: لأَِنَّ حُصُول الرِّزْقِ عِنْدَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لاَ شَكَّ أَنَّهُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ ظَهَرَ عَلَى يَدِ مَنْ لاَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَلَيْسَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ، لأَِنَّ النَّبِيَّ الْمَوْجُودَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هُوَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكَانَ عَالِمًا بِحَالِهِ، وَلَمْ يَشْتَبِهْ أَمْرُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُل لِمَرْيَمَ: ﴿أَنَّى لَكَ هَذَا﴾ وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الآْيَةِ: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (١)، مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهَا عَنْ أَمْرِ تِلْكَ الأَْشْيَاءِ - قِيل: أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ - لَمَّا سَأَلَهَا عَنْ تِلْكَ الأَْشْيَاءِ غَيْرِ الْعَادِيَّةِ، وَذَكَرَتْ لَهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، هُنَالِكَ طَمِعَ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَةِ بِحُصُول الْوَلَدِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْعَاقِرِ الشَّيْخَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَائِسًا مِنَ الْوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وَشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ وَعُقْمِهَا، فَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَا رَآهُ فِي حَقِّ مَرْيَمَ مِنَ الْخَوَارِقِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ لَمْ يَحْصُل لَهُ إِلاَّ بِإِخْبَارِ مَرْيَمَ - لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمَا كَانَتْ رُؤْيَةُ تِلْكَ الْخَوَارِقِ فِي مَرْيَمَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ بِوِلاَدَةِ الْعَاقِرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ - وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ: ثَبَتَ أَنَّ
_________
(١) سورة آل عمران / ٣٨.
تِلْكَ الْخَوَارِقَ مَا كَانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيَّا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلاَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ، لِعَدَمِ وُجُودِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا كَرَامَةٌ لِمَرْيَمَ فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ (١) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى وُقُوعِهَا بِقِصَّةِ أَهْل الْكَهْفِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ (٢)، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِتْيَةً سَبْعَةً مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ خَافُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ مِنْ مَلِكِهِمْ فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَدَخَلُوا غَارًا فَلَبِثُوا فِيهِ بِلاَ طَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ ثَلَثَمِائَةٍ وَتِسْعَ سِنِينَ بِلاَ آفَةٍ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ ظَهَرَ عَلَى يَدِ مَنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ، وَلاَ الرِّسَالَةَ.
وَكَذَلِكَ بِقِصَّةِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: فَقَدْ أَتَى بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْل أَنْ يَرْتَدَّ طَرْفُ سُلَيْمَانَ إِلَيْهِ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ فَرَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ بِلَمْحَةِ طَرْفِ الْعَيْنِ، قَال تَعَالَى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْل أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْل رَبِّي﴾ (٣) .
وَكَذَلِكَ بِمَا وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ مِنْ كَرَامَاتٍ فِي
_________
(١) تفسير البيضاوي وحاشية الشيخ زادة في تفسير الآيات ٣٧، ٣٨، ٣٣ من سورة آل عمران.
(٢) سورة الكهف من الآية ٩ - إلى الآية ٢٢ من السورة.
(٣) سورة النمل / ٤٠.