الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

تَعَالَى أَنْ يَنْتَسِبَ الْمَرْءُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يَدَّعِيَ ابْنًا لَيْسَ ابْنَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا ادَّعَاهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ (١)، وَالْكُفْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ لَهُ تَأْوِيلاَنِ ذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِل، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَالإِْحْسَانِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ أَبِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُفْرُ الَّذِي يُخْرِجُ عَنْ مِلَّةِ الإِْسْلاَمِ (٢) .

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لِمَنْ يَنْفِي نَسَبَ ابْنِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ كَذِبَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأَْوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَسَبٌ، اسْتِلْحَاقٌ ف ٢) .

_________

(١) حديث أبي هريرة: " لا ترغبوا عن آبائكم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٥٤) ومسلم (١ / ٨٠) .

(٢) شرح صحيح مسلم ١ / ٢٤٩، ٢٥١.

(٣) حديث: " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم. . . " أخرجه أبو داود (٦٩٥ - ٦٩٦) من حديث أبي هريرة، وأشار ابن حجر إلى إعلاله بجهالة أحد رواته، كذا في الفتح (١٢ / ٥٤) .

الْكَذِبُ فِي الْبَيْعِ وَالْغِشُّ فِيهِ:

١٣ - مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الْمُعْتَادَةِ فِي الأَْسْوَاقِ الْكَذِبُ فِي الْمُرَابَحَةِ وَإِخْفَاءُ الْعَيْبِ فَمَنْ قَال: اشْتَرَيْتُ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ وَأَرْبَحُ فِيهَا كَذَا، وَكَانَ كَاذِبًا فَهُوَ فَاسِقٌ، وَعَلَى مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْتَرِيَ بِكَذِبِهِ، فَإِنْ سَكَتَ مُرَاعَاةً لِقَلْبِ الْبَائِعِ كَانَ شَرِيكًا لَهُ فِي الإِْثْمِ وَعَصَى بِسُكُوتِهِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (غِشٌّ ف ٥) .

غِشُّ الْوَالِي رَعِيَّتَهُ وَكَذِبُهُ عَلَيْهِمْ:

١٤ - غِشُّ الْوَالِي رَعِيَّتَهُ وَكَذِبُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَمَنْ قَلَّدَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَرْعَاهُ عَلَيْهِمْ وَنَصَبَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَحَ لَهُمْ وَأَلاَّ يَغُشَّهُمْ، وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا مَعَهُمْ، وَإِلاَّ اسْتَحَقَّ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الأَْلِيمِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال ﷺ: ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ (١)، وَعَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ قَال: " إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةً يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (٢) .

_________

(١) حديث أبي هريرة: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم. . . " أخرجه مسلم (١ / ١٠٢ - ١٠٣) .

(٢) حديث معقل بن يسار: " لا يسترعي الله عبدًا رعية. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٢٧)، ومسلم (١ / ١٢٥) واللفظ لمسلم.

وَعَنْهُ ﵁ " سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلاَّ لَمْ يَدْخُل مَعَهُمُ الْجَنَّةَ (١)، قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِذَا خَانَ الأَْمِيرُ فِيمَا أُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْصَحْ فِيمَا قَلَّدَهُ إِمَّا بِتَضْيِيعِهِ تَعْرِيفَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ دِينِهِمْ، وَأَخْذِهِمْ بِهِ، وَإِمَّا بِالْقِيَامِ بِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ شَرَائِعِهِمْ وَالذَّبِّ عَنْهَا لِكُل مُتَصَدٍّ بِإِدْخَال دَاخِلَةٍ فِيهَا، أَوْ تَحْرِيفٍ لِمَعَانِيهَا أَوْ إِهْمَال حُدُودِهِمْ، أَوْ تَضْيِيعِ حُقُوقِهِمْ، أَوْ تَرْكِ حِمَايَةِ حَوْزَتِهِمْ وَمُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِمْ أَوْ تَرْكِ سِيرَةِ الْعَدْل فِيهِمْ فَقَدْ غَشَّهُمْ، وَقَدْ نَبَّهَ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ الْمُبْعِدَةِ عَنِ الْجَنَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢) .

التَّحَدُّثُ بِكُل مَا سَمِعَ:

١٥ - نَهَى الشَّارِعُ أَنْ يُحَدِّثَ الْمَرْءُ بِكُل مَا سَمِعَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُل مَا سَمِعَ (٣)، قَال النَّوَوِيُّ:

_________

(١) حديث: " ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم. . . " أخرجه مسلم (١ / ١٢٦) .

(٢) شرح صحيح مسلم ١ / ٣٤٩.

(٣) حديث: " كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع " أخرجه مسلم (١ / ١٠) .

وَالآْثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَفِي هَذَا الزَّجْرُ عَنِ التَّحَدُّثِ بِكُل مَا سَمِعَ الإِْنْسَانُ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ فِي الْعَادَةِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَإِذَا حَدَّثَ بِكُل مَا سَمِعَ فَقَدْ كَذَبَ لإِخْبَارِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ، وَمَذْهَبُ أَهْل الْحَقِّ أَنَّ الْكَذِبَ: الإِْخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَمُّدُ، لَكِنَّ التَّعَمُّدَ شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ إِثْمًا (١) .

الاِسْتِغْنَاءُ عَنِ الْكَذِبِ بِالْمَعَارِيضِ:

١٦ - نُقِل عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ، قَال عُمَرُ ﵁: أَمَا فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي الرَّجُل عَنِ الْكَذِبِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ إِذَا اضْطُرَّ الإِْنْسَانُ إِلَى الْكَذِبِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَضَرُورَةٌ فَلاَ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ وَلاَ التَّصْرِيحُ جَمِيعًا، وَلَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَهْوَنُ.

وَمِثَال التَّعْرِيضِ: مَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ ﵁ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا أَتَى بِهِ الْعُمَّال إِلَى أَهْلِهِمْ؟ وَمَا كَانَ قَدْ أَتَاهَا بِشَيْءٍ، فَقَال: كَانَ عِنْدِي ضَاغِطٌ، قَالَتْ: كُنْتَ أَمِينًا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ

_________

(١) شرح صحيح مسلم ١ / ٦٠.

﵁، فَبَعَثَ عُمَرُ مَعَكَ ضَاغِطًا. وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيْنَ نِسَائِهَا، وَاشْتَكَتْ عُمَرَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ دَعَا مُعَاذًا وَقَال: بَعَثْتُ مَعَكَ ضَاغِطًا؟ قَال: لَمْ أَجِدْ مَا أَعْتَذِرُ بِهِ إِلَيْهَا إِلاَّ ذَلِكَ، فَضَحِكَ عُمَرُ ﵁ وَأَعْطَاهُ شَيْئًا، فَقَال: أَرْضِهَا بِهِ،

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (ضَاغِطًا) يَعْنِي رَقِيبًا، وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ ﷾.

وَكَانَ النَّخَعِيُّ لاَ يَقُول لاِبْنَتِهِ: أَشْتَرِي لَكِ سُكَّرًا، بَل يَقُول: أَرَأَيْتِ لَوِ اشْتَرَيْتُ لَكِ سُكَّرًا؟ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لاَ يَتَّفِقُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ إِذَا طَلَبَهُ مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الدَّارِ قَال لِلْجَارِيَةِ: قَوْلِي لَهُ: اطْلُبْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلاَ تَقُولِي: لَيْسَ هُنَا كَيْ لاَ يَكُونَ كَذِبًا.

وَهَذَا كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ فَلاَ؛ لأَِنَّ هَذَا تَفْهِيمٌ لِلْكَذِبِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ كَذِبًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ قَال: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَخَرَجْتُ وَعَلَيَّ ثَوْبٌ، فَجَعَل النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا كَسَاكَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَكُنْتُ أَقُول: جَزَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرًا، فَقَال لِي أَبِي: يَا بُنَيَّ اتَّقِ الْكَذِبَ وَمَا أَشْبَهَهُ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَقْرِيرًا لَهُمْ عَلَى ظَنٍّ

كَاذِبٍ لأَِجْل غَرَضِ الْمُفَاخَرَةِ، وَهَذَا غَرَضٌ بَاطِلٌ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ.

وَتُبَاحُ الْمَعَارِيضُ لِغَرَضٍ خَفِيفٍ كَتَطْيِيبِ قَلْبِ الْغَيْرِ بِالْمُزَاحِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَال: أَتَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال لَهَا ﷺ: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ عَجُوزٌ، فَبَكَتْ فَقَال: إِنَّكِ لَسْتِ بِعَجُوزٍ يَوْمِئِذٍ (١) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ (٢)، وَقَال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِنَّ امْرَأَةً يُقَال لَهَا أُمُّ أَيْمَنَ جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يَدْعُوكَ، قَال: وَمَنْ هُوَ؟ أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ، فَقَال: بَلَى، إِنَّ بِعَيْنِهِ بَيَاضًا، فَقَالَتْ: لاَ وَاللَّهِ، فَقَال ﷺ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَبِعَيْنِهِ بَيَاضٌ (٣) وَأَرَادَ بِهِ الْبَيَاضَ الْمُحِيطَ بِالْحَدَقَةِ.

وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَحْمَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مَا أَصْنَعُ

_________

(١) حديث: " لا يدخل الجنة عجوز. . . " قال العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٣ / ١٢٥ بهامش الإحياء): أخرجه الترمذي في الشمائل مرسلًا، وأسنده ابن الجوزي في الوفاء من حديث أنس بسند ضعيف.

(٢) سورة الواقعة / ٣٥ - ٣٦.

(٣) حديث زيد بن أسلم: " ما من أحد إلا وبعينه بياض. . . " عزاه العراقي في تخريج الإحياء (٣ / ١٢٦ - بهامش الإحياء) إلى كتاب الفكاهة والمزاح للزبير بن بكار، وإلى ابن أبي الدنيا من حديث عبدة بن سهم الفهري.

بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَهَل تَلِدُ الإِْبِل إِلاَّ النُّوقُ؟ (١)، وَكَانَ يَمْزَحُ بِهِ (٢) .

كِرَاء

انْظُرْ: إِجَارَة

_________

(١) حديث أنس بن مالك: " أن رجلًا استحمل رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٣٥٧) وقال: حديث حسن صحيح.

(٢) إحياء علوم الدين ٩ / ١٥٧٤ - ١٥٩٣.

كِرَاءُ الْعَقِبِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْكِرَاءُ - بِالْمَدِّ - الأُْجْرَةُ، وَهُوَ فِي الأَْصْل مَصْدَرٌ مِنْ كَارَيْتُهُ مِنْ بَابِ قَاتَل، وَالْفَاعِل مُكَارٍ عَلَى النَّقْصِ، وَالْجَمْعُ مُكَارُونَ، وَمُكَارِينَ، مِثْل: قَاضُونَ وَقَاضِينَ، وَأَكْرَيْتُهُ الدَّارَ وَغَيْرَهَا إِكْرَاءً فَاكْتَرَاهُ بِمَعْنَى آجَرْتُهُ فَاسْتَأْجَرَ، وَالْكَرِيُّ عَلَى فَعِيلٍ مُكْرِي الدَّوَابِّ (١) . وَالْعُقْبُ فِي الأَْصْل مَجِيءُ الشَّيْءِ بِعَقِبِ الشَّيْءِ الآْخَرِ أَيْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي اللَّيْل وَالنَّهَارِ: الْمُتَعَاقِبَانِ، أَيْ يَأْتِي كُلٌّ مِنْهُمَا عَقِبَ صَاحِبِهِ، وَالْعُقْبَةُ: النَّوْبَةُ وَالْجَمْعُ عُقَبٌ، مِثْل غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ وَتَعَاقَبُوا عَلَى الرَّاحِلَةِ رَكِبَ كُل وَاحِدٍ عُقْبَةً (٢) .

وَكِرَاءُ الْعَقِبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يُؤَجِّرَ دَابَّةً لِرَجُلَيْنِ لِيَرْكَبَ هَذَا أَيَّامًا وَذَا أَيَّامًا أُخَرَ، أَوْ لِيَرْكَبَ هَذَا مَسَافَةً مَعْلُومَةً مِنَ الطَّرِيقِ وَذَا

_________

(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط.

مَسَافَةً مَعْلُومَةً أُخْرَى، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الإِْجَارَةُ بِهَذَا الاِسْمِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْقُبُ صَاحِبَهُ وَيَرْكَبُ مَوْضِعَهُ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ كِرَاءُ الْعَقِبِ وَلَهُ صُورَتَانِ:

الأُْولَى: أَنْ يُؤَجِّرَ دَابَّتَهُ لِرَجُلَيْنِ لِيَرْكَبَ هَذَا أَيَّامًا وَذَا أَيَّامًا مَعْلُومَةً بِالتَّنَاوُبِ، أَوْ لِيَرْكَبَ أَحَدُهُمَا مَسَافَةً مَعْلُومَةً كَنِصْفِ الطَّرِيقِ أَوْ رُبُعِهِ مَثَلًا وَيَرْكَبَ الآْخَرُ مَسَافَةً مَعْلُومَةً أُخْرَى مَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عَادَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ عَادَةٌ مَضْبُوطَةٌ بِزَمَانٍ أَوْ مَسَافَةٍ اتُّبِعَتْ.

وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا شَخْصًا لِيَرْكَبَهَا بَعْضَ الطَّرِيقِ مَضْبُوطًا - كَمَا سَبَقَ - بِزَمَانٍ أَوْ مَسَافَةٍ مَعْلُومَتَيْنِ وَيَرْكَبَ الْمُؤَجِّرُ الْبَعْضَ الآْخَرَ تَنَاوُبًا مَعَ عَدَمِ شَرْطِ الْبُدَاءَةِ بِالْمُؤَجِّرِ - كَمَا هُوَ نَصُّ الشَّافِعِيَّةِ - سَوَاءٌ أَشَرَطَاهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَمْ أَطْلَقَا أَوْ قَالاَ لِيَرْكَبْ أَحَدُنَا، وَسَوَاءٌ وَرَدَتِ الإِْجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ أَمْ فِي الذِّمَّةِ، لِثُبُوتِ الاِسْتِحْقَاقِ حَالًا، وَالتَّأْخِيرُ الْوَاقِعُ مِنْ ضَرُورَةِ الْقِسْمَةِ (٢) .

أَمَّا إِذَا اشْتَرَطَا - فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ - أَنْ

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٩٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٣٩، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥١٩.

(٢) فتح القدير ٢ / ١٢٧، جواهر الإكليل ٢ / ١٩٤، مغني المحتاج ٢ / ٣٣٩، المغني لابن قدامة ٥ / ٥١٩.

يَرْكَبَهَا الْمُؤَجِّرُ أَوَّلًا فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ؛ لِتَأْخِيرِ حَقِّ الْمُكْتَرِي وَتَعَلُّقِ الإِْجَارَةِ بِالْمُسْتَقْبَل.

وَإِنْ اسْتَأْجَرَا دَابَّةً عَلَى أَنْ يَرْكَبَ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الطَّرِيقِ وَيَرْكَبَ الثَّانِي الْبَعْضَ الآْخَرَ دُونَ تَحْدِيدِ هَذَا الْبَعْضِ فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ عَادَةٌ مَضْبُوطَةٌ بِزَمَانٍ مِثْل أَنْ يَرْكَبَ هَذَا لَيْلًا وَيَمْشِيَ نَهَارًا، أَوْ يَرْكَبَ الآْخَرُ نَهَارًا وَيَمْشِيَ لَيْلًا، أَوْ بِمَسَافَةٍ مِثْل أَنْ يَرْكَبَ أَحَدُهُمَا بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ وَيَرْكَبَ الآْخَرُ بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ أُخْرَى اتُّبِعَتْ هَذِهِ الْعَادَةُ فَيَقْتَسِمَانِ الرُّكُوبَ بِالتَّرَاضِي عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ أَوِ الْمُبَيَّنِ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الاِبْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.

وَالزَّمَانُ الْمَحْسُوبُ فِي الْمُنَاوَبَةِ زَمَنُ السَّيْرِ دُونَ زَمَنِ النُّزُول حَتَّى لَوْ نَزَل أَحَدُهُمَا لِلاِسْتِرَاحَةِ أَوْ لِعَلَفِ الدَّابَّةِ لَمْ يُحْسَبْ زَمَنُ النُّزُول؛ لأَِنَّ نَفْسَ الزَّمَانِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ (١) .

وَلَوِ اسْتَأْجَرَ اثْنَانِ دَابَّةً لاَ تَحْمِلُهُمَا مَعًا حُمِل الاِسْتِئْجَارُ عَلَى التَّعَاقُبِ وَيَقْتَسِمَانِ بِالزَّمَانِ أَوِ الْمَسَافَةِ فَإِنْ تَنَازَعَا فِي الْبُدَاءَةِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.

وَإِنْ كَانَتْ تَحْمِلُهُمَا مَعًا رَكِبَاهَا جَمِيعًا.

وَلَوِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا بَعْضَ الطَّرِيقِ مُتَوَالِيًا صَحَّ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ، أَوِ اسْتَأْجَرَ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٣٩، المغني لابن قدامة ٥ / ٥١٩.