الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

وَالتَّزْوِيرُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْكَذِبِ الْمُمَوَّهِ.

ب - الاِفْتِرَاءُ:

٣ - الاِفْتِرَاءُ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: الْكَذِبُ وَالاِخْتِلاَقُ، قَال تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (١) أَيِ اخْتَلَقَهُ وَكَذَبَ بِهِ عَلَى اللَّهِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَإِنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَقَعُ عَلَى سَبِيل الإِْفْسَادِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الإِْصْلاَحِ، كَالْكَذِبِ لِلإِْصْلاَحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، أَمَّا الاِفْتِرَاءُ فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الإِْفْسَادِ (ر: افْتِرَاءٌ ف ١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - الأَْصْل فِي الْكَذِبِ أَنَّهُ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٢) .

وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُل لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُل

_________

(١) سورة يونس / ٣٨.

(٢) سورة النحل / ١١٦.

لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا (١) .

وَقَال ﵊: كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ (٢) .

وَإِجْمَاعُ الأُْمَّةِ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ النُّصُوصِ الْمُتَظَاهِرَةِ عَلَى ذَلِكَ (٣) .

٥ - وَقَدْ يَكُونُ الْكَذِبُ مُبَاحًا أَوْ وَاجِبًا، فَالْكَلاَمُ وَسِيلَةٌ إِلَى الْمَقَاصِدِ، وَكُل مَقْصُودٍ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِ الْكَذِبِ يَحْرُمُ الْكَذِبُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ إِلاَّ بِالْكَذِبِ جَازَ الْكَذِبُ فِيهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ تَحْصِيل ذَلِكَ الْقَصْدِ مُبَاحًا كَانَ الْكَذِبُ مُبَاحًا، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا كَانَ الْكَذِبُ وَاجِبًا، كَمَا أَنَّ عِصْمَةَ دَمِ الْمُسْلِمِ وَاجِبَةٌ، فَإِذَا كَانَ فِي الصِّدْقِ سَفْكُ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قَدِ اخْتَفَى مِنْ ظَالِمٍ فَالْكَذِبُ فِيهِ وَاجِبٌ، وَمَحَل الْوُجُوبِ مَا لَمْ يَخْشَ التَّبَيُّنَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ شَدِيدٌ لاَ يُحْتَمَل.

وَإِذَا كَانَ لاَ يَتِمُّ مَقْصُودُ الْحَرْبِ أَوْ إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَوِ اسْتِمَالَةُ قَلْبِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلاَّ

_________

(١) حديث ابن مسعود: " إن الصدق يهدي إلى البر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٠٧) ومسلم (٤ / ٢٠١٢ - ٢٠١٣) واللفظ للبخاري.

(٢) حديث: " كبرت خيانة أن تحدث أخاك. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٥٣ - ٢٥٤) من حديث سفيان بن أسيد الحضرمي، وضعف إسناده النووي في الأذكار ص ٥٨٥.

(٣) إحياء علوم الدين ٩ / ١٥٨٢، والأذكار ص٣٣٥.

بِكَذِبٍ فَالْكَذِبُ فِيهِ مُبَاحٌ، إِلاَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا فَتَحَ بَابَ الْكَذِبِ عَلَى نَفْسِهِ فَيُخْشَى أَنْ يَتَدَاعَى إِلَى مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَإِلَى مَا لاَ يَقْتَصِرُ عَلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ، فَيَكُونُ الْكَذِبُ حَرَامًا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَالَّذِي يَدُل عَلَى هَذَا الاِسْتِثْنَاءِ مَا وَرَدَ عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂: " أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُول خَيْرًا (١)، وَوَرَدَ عَنْهَا: لَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُول النَّاسُ كَذِبٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الْحَرْبِ، وَالإِْصْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثِ الرَّجُل امْرَأَتَهُ وَحَدِيثِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا (٢)، فَهَذِهِ الثَّلاَثُ وَرَدَ فِيهَا صَرِيحُ الاِسْتِثْنَاءِ وَفِي مَعْنَاهَا مَا عَدَاهَا إِذَا ارْتَبَطَ بِهِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.

فَأَمَّا مَا هُوَ صَحِيحٌ لَهُ فَمِثْل أَنْ يَأْخُذَهُ ظَالِمٌ وَيَسْأَلَهُ عَنْ مَالِهِ فَلَهُ أَنْ يُنْكِرَهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ سُلْطَانٌ فَيَسْأَلَهُ عَنْ فَاحِشَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ارْتَكَبَهَا فَلَهُ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ، فَيَقُول: مَا زَنَيْتُ، مَا سَرَقْتُ، وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا،

_________

(١) حديث أم كلثوم: " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٩٩) ومسلم (٤ / ٢٠١١) .

(٢) حديث أم كلثوم: " لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠١١) .

فَمَنْ أَلَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ﷿ (١)، وَذَلِكَ أَنَّ إِظْهَارَ الْفَاحِشَةِ فَاحِشَةٌ أُخْرَى، فَلِلرَّجُل أَنْ يَحْفَظَ دَمَهُ وَمَالَهُ الَّذِي يُؤْخَذُ ظُلْمًا وَعِرْضَهُ بِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا.

وَأَمَّا عِرْضُ غَيْرِهِ فَبِأَنْ يُسْأَل عَنْ سِرِّ أَخِيهِ فَلَهُ أَنْ يُنْكِرَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحَدَّ فِيهِ أَنَّ الْكَذِبَ مَحْذُورٌ، وَلَوْ صَدَقَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَوَلَّدَ مِنْهُ مَحْذُورٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَابَل أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ، وَيَزِنَ بِالْمِيزَانِ الْقِسْطِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمَحْذُورَ الَّذِي يَحْصُل بِالصِّدْقِ أَشَدُّ وَقْعًا فِي الشَّرْعِ مِنَ الْكَذِبِ فَلَهُ أَنْ يَكْذِبَ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ أَهْوَنَ مِنْ مَقْصُودِ الصِّدْقِ فَيَجِبُ الصِّدْقُ، وَقَدْ يَتَقَابَل الأَْمْرَانِ بِحَيْثُ يَتَرَدَّدُ فِيهِمَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ الْمَيْل إِلَى الصِّدْقِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْكَذِبَ يُبَاحُ لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مُهِمَّةٍ، فَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِ الْحَاجَةِ مُهِمَّةً، فَالأَْصْل التَّحْرِيمُ، فَيُرْجَعُ إِلَيْهِ.

وَلأَِجْل غُمُوضِ إِدْرَاكِ مَرَاتِبِ الْمَقَاصِدِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَرِزَ الإِْنْسَانُ مِنَ الْكَذِبِ مَا أَمْكَنَهُ، وَكَذَلِكَ مَهْمَا كَانَتِ الْحَاجَةُ لَهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ أَغْرَاضَهُ وَيَهْجُرَ

_________

(١) حديث: " اجتنبوا هذه القاذورة. . . ". أخرجه الحاكم وصححه (٤ / ٢٤٤) من حديث ابن عمر، ووافقه الذهبي.

الْكَذِبَ، فَأَمَّا إِذَا تَعَلَّقَ الْغَرَضُ بِغَيْرِهِ فَلاَ تَجُوزُ الْمُسَامَحَةُ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَالإِْضْرَارُ بِهِ (١) .

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: لاَ يَجُوزُ الْكَذِبُ فِي شَيْءٍ مُطْلَقًا، وَحَمَلُوا الْكَذِبَ الْمُرَادَ فِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ عَلَى التَّوْرِيَةِ وَالتَّعْرِيضِ، كَمَنْ يَقُول لِلظَّالِمِ: دَعَوْتُ لَكَ أَمْسِ، وَهُوَ يُرِيدُ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَعِدُ امْرَأَتَهُ بِعَطِيَّةِ شَيْءٍ، وَيُرِيدُ إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ.

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَذِبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُل إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لاَ يَسْقُطُ حَقًّا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا أَوْ أَخْذُ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا.

تَغْلِيطُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ:

٦ - الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي لاَ يُقَاوِمُهَا شَيْءٌ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَال سَأُنْزِل مِثْل مَا أَنْزَل اللَّهُ﴾ (٢)، وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

_________

(١) إحياء علوم الدين ٩ / ١٥٨٨، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين لابن علان الشافعي ٤ / ٣٩٨ طبعة البابي الحلبي.، والآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ٢٠ - ٢٢ مكتبة ابن تيمية.

(٢) سورة الأنعام / ٩٣

(٣) سورة الزمر / ٦٠.

﵁: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (١) .

قَال ابْنُ حَجَرٍ: عَدُّ هَذَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ هُوَ مَا صَرَّحُوا بِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، بَل قَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: إِنَّ الْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ، وَقَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ كُفْرٌ يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ وَلاَ رَيْبَ أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي تَحْلِيل حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلاَلٍ كُفْرٌ مَحْضٌ، وَإِنَّمَا الْكَلاَمُ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ (٢) .

قَال النَّوَوِيُّ: وَكَمَا يَحْرُمُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ عَلَى مَنْ عَرَفَ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَضْعُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ حَال رُوَاتِهِ وَوَضْعَهُ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْوَعِيدِ مُنْدَرِجٌ فِي جُمْلَةِ الْكَذَّابِينَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ (٣) .

وَلِهَذَا قَال الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ رِوَايَةَ

_________

(١) حديث: " من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٠٢) ومسلم (١ / ١٠) من حديث أبي هريرة.

(٢) الزواجر ١ / ٩٧.

(٣) حديث: " من حدث عني بحديث يرى أنه كذب. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٩) من حديث المغيرة بن شعبة.

الْحَدِيثِ أَوْ ذِكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ كَذَا، أَوْ فَعَلَهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْجَزْمِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَلاَ يَقُل: قَال أَوْ فَعَل أَوْ أَمَرَ أَوْ نَهَى وَشَبَهَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْجَزْمِ، بَل يَقُول: رُوِيَ عَنْهُ كَذَا أَوْ جَاءَ عَنْهُ كَذَا أَوْ يُرْوَى أَوْ يُذْكَرُ أَوْ يُحْكَى أَوْ يُقَال أَوْ بَلَغَنَا وَمَا أَشْبَهَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١) .

الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ:

٧ - الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ وَتُسَمَّى الْغَمُوسَ وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُهَا الإِْنْسَانُ عَامِدًا عَالِمًا أَنَّ الأَْمْرَ بِخِلاَفِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِيُحِقَّ بِهَا بَاطِلًا أَوْ يُبْطِل حَقًّا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف ١٠٢ - ١١٤) .

شَهَادَةُ الزُّورِ:

٨ - شَهَادَةُ الزُّورِ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْكَذِبِ لِيُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْبَاطِل مِنْ إِتْلاَفِ نَفْسٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ تَحْلِيل حَرَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ حَلاَلٍ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَةُ الزُّورِ ف ١ - ٢) .

الْكَذِبُ فِي الْمُزَاحِ:

٩ - الْكَذِبُ فِي الْمُزَاحِ حَرَامٌ كَالْكَذِبِ فِي

_________

(١) شرح صحيح مسلم ١ / ٥٩.

غَيْرِهِ (١)، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الإِْيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ مِنَ الْمُزَاحَةِ، وَيَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا (٢)، وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنِّي لأَمْزَحُ وَلاَ أَقُول إِلاَّ حَقًّا (٣) .

الْكَذِبُ فِي مُلاَعَبَةِ الصِّبْيَانِ:

١٠ - يَنْبَغِي الْحَذَرُ مِنَ الْكَذِبِ فِي مُلاَعَبَةِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَدْ حَذَّرَ مِنْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُول اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَال أُعْطِيكَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَمَا أَرَدْتَ أَنْ تُعْطِيَهُ؟ قَالَتْ: أُعْطِيَهُ تَمْرًا، فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَمَّا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكَ كِذْبَةٌ (٤)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ قَال لِصَبِيٍّ تَعَال هَاكَ ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهِيَ كِذْبَةٌ (٥) .

_________

(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ١ / ١٨.

(٢) حديث: " لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٢ - ٣٥٣) من حديث أبي هريرة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ٩٢) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه منصور بن أذين ولم أر من ذكره.

(٣) حديث: " إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ١٦) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.

(٤) حديث عبد الله بن عامر: " دعتني أمي يومًا ورسول الله ﷺ قاعد في بيتنا. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٦٥)، وفي إسناده جهالة الراوي عن عبد الله بن عامر، كذا في مختصر السنن للمنذري (٧ / ٢٨١) .

(٥) حديث أبي هريرة: " من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ١٥٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١ / ١٤٢): رواه أحمد من رواية الزهري عن أبي هريرة، ولم يسمعه منه.

الْكَذِبُ فِي الرُّؤْيَا:

١١ - حَذَّرَ الشَّارِعُ مِنَ الْكَذِبِ فِي الرُّؤْيَا وَنَهَى عَنْهُ، فَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَْسْقَعِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يُدْعَى الرَّجُل إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُول عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُل (١)، وَقَال ﵊: مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعْرَتَيْنِ وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا (٢)

قَال الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا اشْتَدَّ فِيهِ الْوَعِيدُ مَعَ أَنَّ الْكَذِبَ فِي الْيَقِظَةِ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ مَفْسَدَةً مِنْهُ؛ إِذْ قَدْ تَكُونُ شَهَادَةً فِي قَتْلٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ أَخْذِ مَالٍ؛ لأَِنَّ الْكَذِبَ فِي الْمَنَامِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ أَشَدُّ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الأَْشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، وَإِنَّمَا كَانَ

_________

(١) حديث: " إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٥٤٠) من حديث واثلة بن الأسقع.

(٢) حديث: " من تحلم كاذبًا كلف يوم القيامة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٤٢٧) والترمذي (٤ / ٥٣٨) من حديث ابن عباس، واللفظ للترمذي.

(٣) سورة هود / ١٨.

الْكَذِبُ فِي الْمَنَامِ كَذِبًا عَلَى اللَّهِ لِحَدِيثِ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ (١)، وَمَا كَانَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَهُوَ مِنْ قِبَل اللَّهِ تَعَالَى (٢) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ: قَال عُلَمَاؤُنَا: إِنْ قِيل مَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَاهُ فَفَسَّرَهَا الْعَابِرُ لَهُ أَيَلْزَمُهُ حُكْمُهَا؟ قُلْنَا: لاَ يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي يُوسُفَ ﵇ عِنْدَمَا قَال لِلسَّاقِي: إِنَّكَ تُرَدُّ عَلَى عَمَلِكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ سَقْيِ الْمَلِكِ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَقَال لِلآْخَرِ وَكَانَ خَبَّازًا: وَأَمَّا أَنْتَ فَتُدْعَى إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَتُصْلَبُ فَتَأْكُل الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِكَ، قَال الْخَبَّازُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، قَال: رَأَيْتَ أَوْ لَمْ تَرَ ﴿قُضِيَ الأَْمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (٣) .

لأَِنَّهُ نَبِيٌّ وَتَعْبِيرُ النَّبِيِّ حُكْمٌ، وَقَدْ قَال: إِنَّهُ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَأَوْجَدَ اللَّهُ مَا أَخْبَرَ كَمَا قَال تَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ (٤) .

مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ:

١٢ - إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا الشَّارِعُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ وَتَغْيِيرِ مَا شَرَعَ اللَّهُ

_________

(١) حديث: " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٣٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري.

(٢) فتح الباري ١٢ / ٣٧٤.

(٣) سورة يوسف / ٤١.

(٤) تفسير القرطبي ٩ / ١٩٣.