الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (١) .

وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنِ الشَّيْخِ بَدْرِ الدِّينِ الزَّرْكَشِيِّ أَنَّهُ قَال: اغْتَرَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَرَأَى جَوَازَ مُطَالَعَةِ التَّوْرَاةِ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيفَ فِي الْمَعْنَى فَقَطْ قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا، وَالاِشْتِغَال بِنَظَرِهَا وَكِتَابَتِهَا لاَ يَجُوزُ بِالإِْجْمَاعِ، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ ﵁ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّوْرَاةِ (٢) . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَوْلاَ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ مَا غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ.

وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةً لِلْحَدِيثِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ قَال: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ لاَ لِلتَّحْرِيمِ، ثُمَّ قَال: وَالأَْوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَيَصِيرُ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الإِْيمَانِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِخِلاَفِ الرَّاسِخِ فَيَجُوزُ لَهُ، وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ الاِحْتِيَاجِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ نَقْل الأَْئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَإِلْزَامُهُمُ الْيَهُودَ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا يَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ كِتَابِهِمْ، وَلَوْلاَ اعْتِقَادُهُمْ جَوَازَ النَّظَرِ فِيهِ لَمَا فَعَلُوهُ وَتَوَارَدُوا عَلَيْهِ، وَغَضَبُ الرَّسُول ﷺ

_________

(١) الآداب الشرعية ٢ / ١٠٧، والآية من سورة العنكبوت / ٥١.

(٢) حديث: " غضب النبي ﷺ حين رأى مع عمر صحيفة. . . ". تقدم في نفس الفقرة.

لاَ يَدُل عَلَى التَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ يَغْضَبُ مِنْ فِعْل الْمَكْرُوهِ، وَمِنْ فِعْل مَا هُوَ خِلاَفُ الأَْوْلَى إِذَا صَدَرَ مِمَّنْ لاَ يَلِيقُ مِنْهُ ذَلِكَ، كَغَضَبِهِ مِنْ تَطْوِيل مُعَاذٍ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْقِرَاءَةِ، وَقَدْ يَغْضَبُ مِمَّنْ يَقَعُ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي فَهْمِ الأَْمْرِ الْوَاضِحِ مِثْل الَّذِي سَأَل عَنْ لُقَطَةِ الإِْبِل (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْل الْبِدَعِ، وَلاَ فِي الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَلاَ رِوَايَتُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إِفْسَادِ الْعَقَائِدِ (٢) .

وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: تَحْرُمُ قِرَاءَةُ كُتُبِ الرَّقَائِقِ وَالْمَغَازِي الْمَوْضُوعَةِ كَفُتُوحِ الشَّامِ وَقَصَصِ الأَْنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِهِمُ الْمَنْسُوبَةِ لِلْوَاقِدِيِّ، وَقَال أَيْضًا: ذَكَرَ الإِْمَامُ الشَّعْرَاوِيُّ فِي الْمُغْنِي مَا نَصُّهُ: وَيُحَذَّرُ مِنْ مُطَالَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لِلْغَزَالِيِّ، وَمِنْ كِتَابِ قُوتِ الْقُلُوبِ لأَِبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَمِنْ تَفْسِيرِ مَكِّيٍّ، وَمِنْ كَلاَمِ ابْنِ مَيْسَرَةَ الْحَنْبَلِيِّ، وَمِنْ كَلاَمِ مُنْذَرِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيِّ، وَمِنْ مُطَالَعَةِ كُتُبِ أَبِي حَيَّانَ، أَوْ كُتُبِ إِخْوَانِ الصَّفَا، أَوْ كَلاَمِ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّامِ، أَوْ كِتَابِ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ لاِبْنِ قَسِيٍّ، أَوْ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ

_________

(١) فتح الباري ١٣ / ٥٢٥ - ٥٢٦.

(٢) كشف القناع ١ / ٤٣٤.

أَوْ كَلاَمِ الْمُفِيدِ بْنِ رَشِيدِيٍّ، أَوْ كُتُبِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ، أَوْ تَائِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ وَفَا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (١) .

بَيْعُ الْكُتُبِ:

٢١ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ كُتُبِ الأَْدَبِ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ غَيْرُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ كُتُبِ الْعِلْمِ (٢) .

وَكَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ، قَال ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَدْ أَجَازَ غَيْرُ الإِْمَامِ مَالِكٍ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ، قَال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: بِيعَتْ كُتُبُ ابْنِ وَهْبٍ بِثَلَثِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَصْحَابُنَا مُتَوَافِرُونَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، وَكَانَ أَبِي وَصِيَّهُ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ بَيْعُ كُتُبِ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ وَالتَّنْجِيمِ وَالشَّعْبَذَةِ وَالْفَلْسَفَةِ، بَل يَجِبُ إِتْلاَفُهَا لِتَحْرِيمِ الاِشْتِغَال بِهِ (٤) .

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ وَشِرَاءَهَا لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِل عَنْ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ فَقَال: لاَ بَأْسَ يَأْخُذُونَ أُجُورَ أَيْدِيهِمْ؛ وَلأَِنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ فَهُوَ كَسَائِرِ

_________

(١) حاشية القليوبي ٢ / ٧٧.

(٢) المهذب ١ / ٢٦٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٨، وكشاف القناع ٣ / ١٥٥.

(٣) المدونة ٤ / ٤٢١، ومنح الجليل ٣ / ٧٧٢.

(٤) مغني المحتاج ٢ / ١٢.

الأَْمْوَال، وَقَال ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَكْحُولٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ بِبَيْعِ الْمَصَاحِفِ بَأْسًا، وَسُئِل عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ بَيْعِ الْمَصَاحِفِ وَالتِّجَارَةِ فِيهَا فَقَالاَ: لاَ نَرَى أَنْ يَجْعَلَهُ مُتَّجَرًا، وَلَكِنْ مَا عَمِلْتَ بِذَلِكَ فَلاَ بَأْسَ (١) . وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمَصَاحِفِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ الْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَعِكْرِمَةُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ عَلَى الْجِلْدِ وَالْوَرَقِ، وَبَيْعُ ذَلِكَ مُبَاحٌ (٢) .

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ وَلَوْ فِي دَيْنٍ، قَال أَحْمَدُ: لاَ نَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمُصْحَفِ رُخْصَةً؛ لأَِنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ، وَفِي بَيْعِهِ ابْتِذَالٌ لَهُ وَتَرْكٌ لِتَعْظِيمِهِ.

لَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ أَجَازُوا شِرَاءَ الْمُصْحَفِ؛ لأَِنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ لَهُ كَشِرَاءِ الأَْسِيرِ، كَمَا أَجَازُوا شِرَاءَ كُتُبِ الزَّنْدَقَةِ لإِتْلاَفِهَا؛ لأَِنَّ فِي الْكُتُبِ مَالِيَّةَ الْوَرَقِ وَتَعُودُ وَرَقًا مُنْتَفَعًا بِهِ بِالْمُعَالَجَةِ (٣) .

_________

(١) المهذب ١ / ٢٦٩، والمجموع ٩ / ٢٤٠ ط. المطيعي، والمدونة ٤ / ٤١٨، والفتاوى الهندية ٤ / ٣.

(٢) المغني ٤ / ٢٩١. وشرح منتهى الإرادات: ٢ / ١٤٣.

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٥٥.

٢٢ - وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْكَافِرِ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: مُنِعَ بَيْعُ مُصْحَفٍ وَجُزْئِهِ وَكُتُبِ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ، وَعِلْمٍ شَرْعِيٍّ لِكَافِرٍ، وَيَشْمَل الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ نَحْوَ النَّحْوِ مِنْ آلاَتِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ لاِشْتِمَالِهِ عَلَى الآْيَاتِ وَالأَْحَادِيثِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (١) .

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: يُمْنَعُ بَيْعُ كُتُبِ الْعِلْمِ لَهُمْ مُطْلَقًا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ الَّذِي يَشْتَرِي مَا ذُكِرَ يُعَظِّمُهُ؛ لأَِنَّ مُجَرَّدَ تَمَلُّكِهِ لَهُ إِهَانَةٌ، وَيُمْنَعُ أَيْضًا، بَيْعُ التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل لَهُمْ؛ لأَِنَّهَا مُبَدَّلَةٌ، فَفِيهِ إِعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى ضَلاَلِهِمْ.

وَيُجْبَرُ الْكَافِرُ عَلَى إِخْرَاجِ مَا بِيعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ وَلاَ يَتَمَلَّكُهُ بِسَلَمٍ وَلاَ بِهِبَةٍ وَلاَ وَصِيَّةٍ، وَلاَ كُتُبَ حَدِيثٍ وَلاَ آثَارَ سَلَفٍ وَلاَ كُتُبَ فِقْهٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْهَانَةِ لَهَا، قَال الأَْذْرَعِيُّ: وَالْمُرَادُ بِآثَارِ السَّلَفِ حِكَايَاتُ الصَّالِحِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْهَانَةِ وَالاِسْتِهْزَاءِ بِهِمْ، قَال السُّبْكِيُّ:

وَالأَْحْسَنُ أَنْ يُقَال: كُتُبُ عِلْمٍ وَإِنْ خَلَتْ

_________

(١) منح الجليل ٢ / ٤٦٩.

(٢) الدسوقي ٣ / ٧.

عَنِ الآْثَارِ تَعْظِيمًا لِلْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَتَعْلِيلُهُ يُفِيدُ جَوَازَ تَمَلُّكِهِ كُتُبَ عُلُومٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ.

وَيَنْبَغِي مَنْعُهُ مِنْ تَمَلُّكِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالشَّرْعِ كَكُتُبِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، قَال شَيْخُنَا: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، أَيْ بَل الظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَهُوَ كَذَلِكَ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُصْحَفًا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لأَِنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ، فَمُنِعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً كَسَائِرِ مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ (٢) .

رَهْنُ الْكُتُبِ:

٢٣ - رَهْنُ كُتُبِ الْحَدِيثِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: يَبْطُل الرَّهْنُ، وَالْقَوْل الثَّانِي: يَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَى تَرْكِهِ فِي يَدِ مُسْلِمٍ، وَقَال أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الإِْفْصَاحِ: يَصِحُّ الرَّهْنُ قَوْلًا وَاحِدًا وَيُجْبَرُ عَلَى تَرْكِهِ فِي يَدِ مُسْلِمٍ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ رَهْنُ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ لِكَافِرٍ بِشَرْطِ جَعْلِهَا بِيَدِ مُسْلِمٍ عَدْلٍ لأَِمْنِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ (٣) .

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٨.

(٢) المغني ٤ / ٢٩٢.

(٣) المهذب ١ / ٣١٦، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٥٣، وكشاف القناع ٣ / ٣٣٠.

٢٤ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ، فَأَجَازَ رَهْنَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.

وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَيْنِ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ.

إِحْدَاهُمَا: لاَ يَصِحُّ رَهْنُهُ، وَذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيْعِهِ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ رَهْنُهُ وَعَلَّلَهَا بِقَوْلِهِ: إِذَا رَهَنَ مُصْحَفًا لاَ يَقْرَأُ فِيهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ رَهْنِهِ (١) .

رَهْنُ الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ:

٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ شَرَطَ أَنْ لاَ يُعَارَ الْكِتَابُ الْمَوْقُوفُ إِلاَّ بِرَهْنٍ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَلاَ يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ؛ لأَِنَّ الْكُتُبَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلاَ يُقَال لَهَا: عَارِيَّةٌ أَيْضًا، بَل الآْخِذُ لَهَا إِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْوَقْفِ اسْتَحَقَّ الاِنْتِفَاعَ وَيَدُهُ عَلَيْهَا يَدُ أَمَانَةٍ فَشَرْطُ أَخْذِ الرَّهْنِ عَلَيْهَا فَاسِدٌ، وَإِنْ أَعْطَى يَكُونُ رَهْنًا فَاسِدًا وَيَكُونُ فِي يَدِ خَازِنِ الْكُتُبِ أَمَانَةً، هَذَا إِنْ أُرِيدَ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنْ أُرِيدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً، وَأَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً

_________

(١) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٤ / ٢٣٧، والمدونة ٥ / ٣١٨، والمهذب ١ / ٣١٦، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٥٣، وكشاف القناع ٣ / ٣٢٧، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٨٠، والآداب الشرعية ٢ / ١٧٦.

فَيَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لأَِنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُ الْوَاقِفِ فَالأَْقْرَبُ الْحَمْل عَلَى اللُّغَوِيِّ تَصْحِيحًا لِكَلاَمِهِ، وَفِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ يَقُول الْوَاقِفُ: لاَ تُخْرِجْ إِلاَّ بِتَذْكِرَةٍ فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنَّ تَجْوِيزَ الْوَاقِفِ الاِنْتِفَاعَ مَشْرُوطٌ بِذَلِكَ، وَلاَ نَقُول: إِنَّهَا تَبْقَى رَهْنًا، بَل لَهُ أَخْذُهَا فَيُطَالِبُهُ الْخَازِنُ بِرَدِّ الْكِتَابِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلاَ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الرَّهْنِ وَلاَ بَيْعُهُ، وَلاَ بَدَل الْكِتَابِ الْمَوْقُوفِ بِتَلَفِهِ إِنْ لَمْ يُفَرِّطْ (١) .

إِعَارَةُ الْكُتُبِ وَاسْتِعَارَتُهَا:

٢٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ إِعَارَةِ الْكُتُبِ وَاسْتِعَارَتِهَا (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ إِعَارَةِ الْمُصْحَفِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَذَلِكَ لِمَنْ دَخَل عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلاَةِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعَلِّمُهُ وَهُوَ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، وَقَال بَعْضُهُمْ: الْوُجُوبُ مُسَلَّمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُعِيرُهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمَالِكِ فَلاَ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَجِبُ إِعَارَةُ الْمُصْحَفِ لِمُحْتَاجٍ لِقِرَاءَةٍ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٧، والحطاب ٦ / ٣٦، وحاشية الجمل ٣ / ٢٧٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٦، وكشاف القناع ٣ / ٣٢٧.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ٥٠٧، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٢، ومغني المحتاج ٢ / ٢٦٤، وأسنى المطالب ٢ / ٣٢٤، وكشاف القناع ٤ / ٦٣ - ٦٤.

يَكُنْ مَالِكُهُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ (١) .

وَفِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ: إِنْ طَلَبَ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ لِيَقْرَأَ فِيهِ لَمْ يَجِبْ بَذْلُهُ، وَقِيل: يَجِبُ، وَقِيل: عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (٢) .

وَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ بِوُجُوبِ إِعَارَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ إِذَا كَتَبَ صَاحِبُهَا اسْمَ مَنْ سَمِعَهُ لِيَكْتُبَ نُسْخَةَ السَّمَاعِ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لاَ تَجِبُ عَيْنًا، بَل هِيَ أَوِ النَّقْل إِذَا كَانَ النَّاقِل ثِقَةً (٣) .

وَخَرَّجَ أَبُو عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وُجُوبَ إِعَارَةِ الْكُتُبِ لِلْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا مِنَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَأَهْل الْفَتْوَى.

وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَنْبَغِي لِمَنْ مَلَكَ كِتَابًا أَنْ لاَ يَبْخَل بِإِعَارَتِهِ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ (٤) .

إِصْلاَحُ الْخَطَأِ فِي الْكِتَابِ الْمُسْتَعَارِ:

٢٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنِ اسْتَعَارَ كِتَابًا فَوَجَدَ بِهِ خَطَأً أَصْلَحَهُ إِنْ عَلِمَ رِضَا صَاحِبِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ يَكْرَهُ إِصْلاَحَهُ يَنْبَغِي أَنْ لاَ يُصْلِحَهُ، وَإِلاَّ فَإِنْ أَصْلَحَهُ جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِلاَّ فِي الْقُرْآنِ؛

_________

(١) حاشية الرملي على هامش أسنى المطالب ٣ / ٣٢٤، ومطالب أولي النهى ٣ / ٧٢٥، وكشاف القناع ٤ / ٦٣ - ٦٤.

(٢) الآداب الشرعية ٢ / ١٧٦.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢٦٤، وحاشية الرملي على هامش أسنى المطالب ٢ / ٣٢٤.

(٤) مطالب أولي النهى ٣ / ٧٢٥، وكشاف القناع ٤ / ٦٤.

لأَِنَّ إِصْلاَحَهُ وَاجِبٌ بِخَطٍّ مُنَاسِبٍ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اسْتَعَارَ كِتَابًا لِيَقْرَأَ فِيهِ فَوَجَدَ فِيهِ خَطَأً لاَ يُصْلِحُهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قُرْآنًا فَيَجِبُ كَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، وَتَقْيِيدُهُ بِالإِْصْلاَحِ يُعْلِمُ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى نَقْصِ قِيمَتِهِ لِرَدَاءَةِ خَطٍّ وَنَحْوِهِ امْتَنَعَ؛ لأَِنَّهُ إِفْسَادٌ لِمَالِيَّتِهِ لاَ إِصْلاَحٌ.

قَال الْجَمَل: وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَهُ لِمَنْ يُصْلِحُهُ حَيْثُ كَانَ خَطُّهُ مُنَاسِبًا لِلْمُصْحَفِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِجَابَةُ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، وَلَمْ تَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ فِي سُؤَالِهِ.

أَمَّا الْكِتَابُ الْمَوْقُوفُ فَيُصْلَحُ جَزْمًا، خُصُوصًا مَا كَانَ خَطَأً مَحْضًا لاَ يَحْتَمِل التَّأْوِيل، وَهَذَا إِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ دُونَ مَا ظَنِّهِ، وَمَتَى تَرَدَّدَ فِي عَيْنِ لَفْظٍ أَوْ فِي الْحُكْمِ لاَ يُصْلِحُ شَيْئًا وَمَا اعْتِيدَ مِنْ كِتَابَةِ (لَعَلَّهُ كَذَا) إِنَّمَا يَجُوزُ فِي مِلْكِ الْكَاتِبِ.

وَلاَ يَكْتُبُ حَوَاشِيَ بِهَامِشِ الْكِتَابِ وَإِنِ احْتِيجَ إِلَيْهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ تَغْيِيرِ الْكِتَابِ مِنْ أَصْلِهِ، وَلاَ نَظَرَ لِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ بِفِعْلِهِ (٢) .

إِجَارَةُ الْكُتُبِ:

٢٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٧، والفتاوى الهندية ٤ / ٣٦٤.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٦٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٤٥٩ - ٤٦٠.