الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
وَكَتْبُهُ مِنْ فُلاَنٍ إِلَى فُلاَنٍ فَفِيهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْعِنْوَانِ وَصَدْرِ الْكِتَابِ، فَأَكْثَرُهُمْ يَرَى أَنْ يَبْتَدِئَ بِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ هُوَ السُّنَّةُ، كَمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ كَتَبَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ قَال أَبُو جَعْفَرٍ: وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُول لِغِلْمَانِهِ وَوَلَدِهِ: إِذَا كَتَبْتُمْ إِلَى فُلاَنٍ فَلاَ تَبْدَءُوا بِي وَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى الأُْمَرَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ إِلاَّ إِلَى وَالِدٍ أَوْ وَالِدَةٍ، وَإِمَامٍ يَخَافُ عُقُوبَتَهُ (١)، وَقَال الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ فَيَبْدَءُونَ بِأَنْفُسِهِمْ (٢) .
وَفِي الْقُرْطُبِيِّ قَال ابْنُ سِيرِينَ: قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ أَهْل فَارِسَ إِذَا كَتَبُوا بَدَءُوا بِعُظَمَائِهِمْ، فَلاَ يَبْدَأُ الرَّجُل إِلاَّ بِنَفْسِهِ (٣) .
_________
(١) حديث: " إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه. . . ". أخرجه ابن مفلح في الآداب الشرعية (١ / ٣٨٩) ولم يعزه إلى أي مصدر؛ ولم نهتد إلى من أخرجه بتمامه، وقوله: " إذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه " أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٨ / ٩٩) وقال: " فيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو متروك ".
(٢) الآداب الشرعية ١ / ٣٨٨ - ٣٩٠، والقرطبي ١٣ / ١٩٢.
(٣) حديث: " إن أهل فارس إذا كتبوا بدءوا بعظمائهم. . . ". أورده القرطبي في تفسيره (١٣ / ١٩٢) ولم يعزه إلى أي مصدر، ولم نهتد إلى من أخرجه، وأورد ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢ / ٢٩٥) بلفظ: " إن العجم يبدءون بكبارهم إذا كتبوا إليهم فإذا كتب أحدكم إلى أخيه فليبدأ بنفسه " وعزاه إلى العقيلي في الضعفاء، وقال: فيه محمد بن عبد الرحمن القشيري مجهول، وحديثه منكر ولا يتابع عليه.
قَال أَبُو اللَّيْثِ فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ: وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ جَازَ؛ لأَِنَّ الأُْمَّةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ وَفَعَلُوهُ لِمَصْلَحَةٍ رَأَوْا فِي ذَلِكَ، أَوْ نَسْخِ مَا كَانَ مِنْ قَبْل.
فَالأَْحْسَنُ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ ثُمَّ بِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّ الْبِدَايَةَ بِنَفْسِهِ تُعَدُّ مِنْهُ اسْتِخْفَافًا بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى غُلاَمٍ مِنْ غِلْمَانِهِ (١) .
ثَانِيًا: الْكِتَابُ بِمَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَالْعَهْدِ:
١٢ - أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِتَوْثِيقِ الْمُعَامَلاَتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢)، وَقَدْ وَثَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَ وَكَتَبَ وَمِنْ ذَلِكَ: هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لاَ دَاءَ وَلاَ غَائِلَةَ وَلاَ خِبْثَةَ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمِ (٣) .
وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْكِتَابِ فِي الصُّلْحِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ (٤) .
_________
(١) القرطبي ١٣ / ١٩٢ - ١٩٣.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٣) حديث: " كتاب النبي ﷺ: " هذا ما اشترى العداء بن خالد. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٥١١) وحسنه.
(٤) المبسوط ٣٠ / ١٦٨ - ١٦٩، والتبصرة بهامش فتح العلي ١ / ٢٧، والبهجة على التحفة ١ / ١١.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَوْثِيقٌ ف ١٢) .
ثَالِثًا: الْكِتَابُ بِمَعْنَى كُتُبِ الْعِلْمِ:
١٣ - يَأْتِي الْكِتَابُ بِمَعْنَى كُتُبِ الْعِلْمِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ شَرْعِيَّةً أَمْ غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ بِقَوْلِهِ: الْكِتَابُ هُوَ الَّذِي يَشْتَمِل عَلَى الْمَسَائِل سَوَاءٌ كَانَتْ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً مِنْ فَنٍّ أَوْ فُنُونٍ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ (١) .
وَيَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:
الاِسْتِنْجَاءُ بِالْكُتُبِ:
١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِمُحْتَرَمٍ كَالْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى كَكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ؛ لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ وَالاِسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا (٢) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُتُبِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَمَثَّلُوا لَهَا بِكُتُبِ السَّحَرِ وَالْفَلْسَفَةِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل إِذَا عُلِمَ تَبَدُّلُهُمَا.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِهَذِهِ الْكُتُبِ لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ - أَيْ لِشَرَفِهَا -
_________
(١) الكليات للكفوي ٢ / ٣٨٦، وأسنى المطالب ١ / ٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٧، وحاشية الدسوقي ١ / ١١٣، والحطاب ١ / ٢٨٧، ونهاية المحتاج ١ / ١٣٢، وكشاف القناع ١ / ٦٩، والمغني ١ / ١٥٨.
قَال إِبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ: مَحَل كَوْنِ الْحُرُوفِ لَهَا حُرْمَةٌ إِذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً بِالْعَرَبِيِّ، وَإِلاَّ فَلاَ حُرْمَةَ لَهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمَكْتُوبُ بِهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَال عَلِيٌّ الأَجْهُورِيُّ: الْحُرُوفُ لَهَا حُرْمَةٌ سَوَاءٌ كُتِبَتْ بِالْعَرَبِيِّ أَوْ بِغَيْرِهِ (١) .
وَقَال الْحَطَّابُ: لاَ يَجُوزُ الاِسْتِجْمَارُ بِالْمَكْتُوبِ وَلَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ بَاطِلًا كَالسِّحْرِ؛ لأَِنَّ الْحُرْمَةَ لِلْحُرُوفِ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كُتِبَتْ فِي أَثْنَاءِ مَا تَجِبُ إِهَانَتُهُ كَالتَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل بَعْدَ تَحْرِيفِهِمَا، فَيَجُوزُ إِحْرَاقُهَا وَإِتْلاَفُهَا، وَلاَ يَجُوزُ إِهَانَتُهَا؛ لأَِنَّ الاِسْتِنْجَاءَ بِهَذِهِ الْكُتُبِ إِهَانَةٌ لِمَكَانِ مَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً فَإِنَّ حُرْمَةَ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ تُبَدَّل عَلَى وَجْهٍ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُحْتَرَمِ مِنَ الْكُتُبِ كَكُتُبِ الْفَلْسَفَةِ وَكَذَا التَّوْرَاةُ وَالإِْنْجِيل إِذَا عُلِمَ تَبَدُّلُهُمَا وَخُلُوُّهُمَا عَنِ اسْمٍ مُعَظَّمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ (٣) .
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: نَقَلُوا عِنْدَنَا أَنَّ لِلْحُرُوفِ حُرْمَةً وَلَوْ مُقَطَّعَةً، وَذَكَرَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ أَنَّ حُرُوفَ الْهِجَاءِ قُرْآنٌ أُنْزِلَتْ عَلَى هُودٍ ﵇، وَمُفَادُهُ الْحُرْمَةُ بِالْمَكْتُوبِ مُطْلَقًا (٤) .
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ١١٣.
(٢) الحطاب ١ / ٢٨٧.
(٣) نهاية المحتاج ١ / ١٣٢.
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٢٧.
مَسُّ غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ كُتُبَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ:
١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَسِّ غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ كُتُبَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَبِالنِّسْبَةِ لِكُتُبِ التَّفْسِيرِ أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَمَسَّهَا غَيْرُ الْمُتَطَهِّرِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تُسَمَّى مُصْحَفًا عُرْفًا؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لاَ تِلاَوَتُهُ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كُتِبَتْ فِيهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَقَصَدَهَا بِالْمَسِّ كَمَا قَال ابْنُ مَرْزُوقٍ.
وَعَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَنْعِ مَسِّ لَفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَال فِي السِّرَاجِ عَنِ الإِْيضَاحِ: لاَ يَجُوزُ مَسُّ مَوْضِعِ الْقُرْآنِ مِنْهَا، أَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ التَّفْسِيرِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ فِيهَا ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَوْلٌ بِعَدَمِهَا، وَالثَّالِثُ: الْكَرَاهَةُ فِي التَّفْسِيرِ دُونَ غَيْرِهِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْقَوْل الثَّالِثُ هُوَ الأَْظْهَرُ وَالأَْحْوَطُ لِظُهُورِ الْفَرْقِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ فِي التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ لاَ يَجُوزُ الْمَسُّ وَإِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ جَازَ مَسُّهُ.
وَقَال ابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ مَسُّ التَّفَاسِيرِ الَّتِي فِيهَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ (١) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١١٩، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢٥، والشرح الصغير ١ / ١٥١، ومغني المحتاج ١ / ٣٧، وكشاف القناع ١ / ١٣٥.
١٦ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ كَذَلِكَ فِي مَسِّ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ - غَيْرِ الْقُرْآنِ - كَالتَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل وَالزَّبُورِ.
فَأَجَازَ مَسَّهَا لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا.
قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ مَسُّهَا وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُبَدَّلَةٍ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِنْ ظَنَّ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا غَيْرَ مُبَدَّلٍ كُرِهَ مَسُّهُ (١) .
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْحَنَفِيَّةِ، فَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: قَال الشَّيْخُ إِسْمَاعِيل: وَفِي الْمُبْتَغَى. وَلاَ يَجُوزُ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل وَالزَّبُورِ. وَعَلَّل بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ ذَلِكَ بِاشْتِرَاكِ سَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِي وُجُوبِ التَّعْظِيمِ، لَكِنَّهُ قَال: نَعَمْ، يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِمَا لَمْ يُبَدَّل.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسُّ، فَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسِّ، قَال فِي النَّهْرِ: وقَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢)، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْمَنْعِ بِهِ (٣) .
١٧ - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَسِّ
_________
(١) حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ١٢٥، ومغني المحتاج ١ / ٣٧، وكشاف القناع ١ / ١٣٥.
(٢) سورة الواقعة / ٧٩.
(٣) حاشية ابن عابدين مع الدر المختار ١ / ١١٦ - ١١٧.
غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ كُتُبَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالأُْصُول وَالرَّسَائِل الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ.
فَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ أَنْ يَمَسَّهَا وَيَحْمِلَهَا وَلَوْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ، بِدَلِيل: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى هِرَقْل كِتَابًا وَفِيهِ آيَةٌ (١)؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَلَى مِثْل ذَلِكَ اسْمُ مُصْحَفٍ وَلاَ تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ.
وَقَال بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنَّهُ يُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ الأَْحَادِيثِ وَالْفِقْهِ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجِيحُ ابْنِ عَابِدِينَ الْقَوْل بِقَصْرِ الْكَرَاهَةِ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَحْدَهَا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ التَّطَهُّرُ لِحَمْل كُتُبِ الْحَدِيثِ وَمَسِّهَا (٢) .
تَوَسُّدُ الْكُتُبِ وَالاِتِّكَاءُ عَلَيْهَا:
١٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْمُصْحَفَ تَحْتَ رَأْسِهِ إِلاَّ لِلْحِفْظِ أَيْ حِفْظِهِ مِنْ سَارِقٍ
_________
(١) حديث: " أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل كتابًا فيه آية ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٢) من حديث أبي سفيان.
(٢) بدائع الصنائع ١ / ٣٣ - ٣٤، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١ / ١١٨، والخرشي وحاشية العدوي عليه ١ / ١٦٠، وأسنى المطالب ١ / ٦١، والمغني ١ / ١٤٨، وكشاف القناع ١ / ١٣٥.
وَنَحْوِهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَل التَّفْسِيرُ وَالْكُتُبُ الشَّرْعِيَّةُ كَذَلِكَ؟ أَقُول: الظَّاهِرُ نَعَمْ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ تَوَسُّدُ الْقُرْآنِ وَإِنْ خَافَ سَرِقَتَهُ، نَعَمْ، إِنْ خَافَ عَلَى الْمُصْحَفِ مِنْ تَلَفٍ نَحْوِ حَرْقٍ أَوْ تَنَجُّسٍ أَوْ كَافِرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّدَهُ، بَل يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ تَوَسُّدُ كُتُبِ عِلْمٍ مُحْتَرَمٍ إِلاَّ لِخَوْفٍ مِنْ نَحْوِ سَرِقَةٍ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَوَسُّدُهَا (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ تَوَسُّدُ الْمُصْحَفِ وَالْوَزْنُ بِهِ وَالاِتِّكَاءُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ ابْتِذَالٌ لَهُ، قَال فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ: وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ التَّحْرِيمَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَبِذَلِكَ قَال ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي كِتَابِهِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، لَكِنْ جَاءَ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ: وَيُكْرَهُ تَوَسُّدُ الْمُصْحَفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.
أَمَّا كُتُبُ الْعِلْمِ فَقَدْ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ فِيهَا قُرْآنٌ حَرُمَ تَوَسُّدُهَا وَالْوَزْنُ بِهَا وَالاِتِّكَاءُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قُرْآنٌ كُرِهَ ذَلِكَ، أَمَّا إِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَرِقَةً فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَوَسَّدَهَا لِلْحَاجَةِ، قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ نُعَيْمِ بْنِ نَاعِمٍ وَقَدْ سَأَلَهُ: أَيَضَعُ الرَّجُل الْكُتُبَ تَحْتَ رَأْسِهِ؟ قَال: أَيُّ كُتُبٍ؟ قُلْتُ: كُتُبُ الْحَدِيثِ،
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ٦١٩.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٨.
قَال: إِذَا خَافَ أَنْ تُسْرَقَ فَلاَ بَأْسَ، وَأَمَّا أَنْ تُتَّخَذَ وِسَادَةً فَلاَ (١) .
كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْكُتُبِ فَوْقَ بَعْضِهَا:
١٩ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ كَيْفِيَّةَ تَرْتِيبِ الْكُتُبِ مِنْ حَيْثُ الأَْوْلَوِيَّةُ عِنْدَ وَضْعِهَا فَوْقَ بَعْضِهَا. فَقَالُوا: تُوضَعُ كُتُبُ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ كُتُبُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا كَكُتُبِ ابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ شَاهِينَ لأَِفْضَلِيَّتِهِ، لِكَوْنِهِ تَفْسِيرًا لِمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ الرُّؤْيَا، ثُمَّ كُتُبُ الْكَلاَمِ، ثُمَّ كُتُبُ الْفِقْهِ؛ لأَِنَّ مُعْظَمَ أَدِلَّتِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الآْيَاتُ وَالأَْحَادِيثُ، بِخِلاَفِ عِلْمِ الْكَلاَمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالسَّمْعِيَّاتِ مِنْهُ فَقَطْ، ثُمَّ كُتُبُ الأَْخْبَارِ وَالْمَوَاعِظِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ، ثُمَّ الْمُصْحَفُ فَوْقَ الْجَمِيعِ (٢) .
النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْل الْكِتَابِ وَمَا يُشْبِهُهَا:
٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْل الْكِتَابِ، نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ قَوْل عَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلْسِيِّ: نُهِينَا عَنِ النَّظَرِ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل، سَوَاءٌ نَقَلَهَا إِلَيْنَا الْكُفَّارُ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ.
وَسُئِل أَحْمَدُ عَنْ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل وَالزَّبُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَغَضِبَ، وَظَاهِرُهُ الإِْنْكَارُ
_________
(١) كشاف القناع ١ / ١٣٦، والآداب الشرعية ٢ / ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ١ / ١١٩.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي (١)، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى فِي يَدِ عُمَرَ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ غَضِبَ وَقَال: أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ نَصَّ الْحَدِيثِ قَال (٣): نَسَخَ عُمَرُ كِتَابًا مِنَ التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَل يَقْرَأُ وَوَجْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَغَيَّرُ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلاَ تَرَى وَجْهَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَسْأَلُوا أَهْل الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَل لَهُ إِلاَّ أَنْ يَتْبَعَنِي (٤) .
وَقَدْ أَهْدَى رَجُلٌ إِلَى السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا هَدِيَّةً فَقَالَتْ: لاَ حَاجَةَ لِي فِي هَدِيَّتِهِ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَتَتَبَّعُ الْكُتُبَ الأُْوَل، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١١٨، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ١٠٦، ١٠٧، وكشاف القناع ١ / ٤٣٤.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ رأى في يد عمر قطعة من التوراة ". عزاه ابن حجر في الفتح (١٣ / ٥٢٥) إلى أبي يعلى من حديث خالد بن عرفطة وقال: في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف.
(٣) فتح الباري ١٣ / ٥٢٥.
(٤) حديث جابر: نسخ عمر كتابًا من التوراة. أخرجه أحمد (٣ / ٣٣٨) والبزار (١ / ٧٩ - كشف الأستار) واللفظ للبزار، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ١٧٤) وقال: فيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد، ويحيى بن سعيد وغيرهما وذكر طرقًا أخرى له وقال: مجموعها يقتضي أن لها أصلًا.