الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ (إِنْ)؛ لأَِنَّ (إِنْ) صَرِيحَةٌ فِي الشَّرْطِ فَلاَ تَطْلُقُ إِلاَّ عِنْدَ وُصُول الْكِتَابِ إِلَيْهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ (إِذَا) فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي وَقْتِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ، فَذَهَبَ الدَّرْدِيرُ وَالدُّسُوقِيُّ وَالْخَرَشِيُّ إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ فِي الْحَال مِثْل قَوْلِهِ لَهَا فِي كِتَابِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ (إِذَا) لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ فَيَنْجُزُ الطَّلاَقُ كَمَنْ أَجَّل الطَّلاَقَ بِمُسْتَقْبَلٍ.
وَنَقَل الدُّسُوقِيُّ عَنْ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيِّ أَنَّهُ إِذَا كَتَبَ: إِذَا وَصَل لَكَ كِتَابِي فَفِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْوُصُول خِلاَفٌ، وَقَوَّى الْقَوْل بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْوُصُول، لِتَضَمُّنِ (إِذَا) مَعْنَى الشَّرْطِ (١) .
وَاعْتَبَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ فِي مِنَحِ الْجَلِيل أَنَّ عَدَمَ التَّنْجِيزِ وَتَوَقُّفَ وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى وُصُول الْكِتَابِ ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ (٢) .
مَحْوُ مَا فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنِ انْمَحَى مَا فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْوُصُول أَوِ انْطَمَسَ مَا فِيهِ لِعَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ قِرَاءَةُ مَا فِيهِ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ وَإِنْ وَصَل الْكِتَابُ؛ لأَِنَّ الشَّرْطَ وُصُول
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٣٨٤، والخرشي ٤ / ٤٩.
(٢) منح الجليل ٢ / ٢٣٨.
الْكِتَابِ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِيهِ الْكِتَابَةُ (١) .
وَإِنْ ذَهَبَ مَوْضِعُ الطَّلاَقِ فَقَطْ وَانْمَحَقَ وَوَصَل بَاقِيهِ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا جَمِيعُ الْكِتَابِ وَلاَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ مِنْهُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ مَحَا ذِكْرَ الطَّلاَقِ مِنْهُ وَأَنْفَذَ الْكِتَابَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ كَلاَمٌ يُسَمَّى كِتَابًا وَرِسَالَةً وَقَعَ الطَّلاَقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ وُصُول الْكِتَابِ إِلَيْهَا (٣) .
وَإِنِ انْمَحَى مَا فِي الْكِتَابِ سِوَى مَا فِيهِ ذِكْرُ الطَّلاَقِ، أَوْ تَخَرَّقَ بَعْضُ مَا فِيهِ الْكِتَابَةُ سِوَى مَا فِيهِ ذِكْرُ الطَّلاَقِ، وَمِثْل ذَلِكَ: مَا لَوْ ذَهَبَتْ سَوَابِقُهُ وَلَوَاحِقُهُ كَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَبَقِيَتْ مَقَاصِدُهُ، وَوَصَل الْكِتَابُ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ لِوُصُول الْمَقْصُودِ، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا مَحَا مَا سِوَى كِتَابَةِ الطَّلاَقِ وَأَنْفَذَهُ فَوَصَل إِلَيْهَا لاَ يَقَعُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّسَالَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ لاَ تَكُونُ كِتَابًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٥، والمغني ٧ / ٢٤١.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٨٥، والمغني ٧ / ٢٤١.
(٣) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٩.
(٤) مغني المحتاج ٣ / ٢٨٥، وأسنى المطالب ٣ / ٢٧٨، والمغني ٧ / ٢٤١.
ثُمَّ قَال: وَفِيهِ نَظَرٌ (١) .
٨ - وَلِلْمَذَاهِبِ فُرُوعٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِالْكِتَابِ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: كَتَبَ فِي قِرْطَاسٍ: إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ نَسَخَهُ فِي كِتَابٍ آخَرَ، أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِنَسْخِهِ وَلَمْ يُمْلِهِ عَلَيْهِ، فَأَتَاهَا الْكِتَابَانِ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ قَضَاءً، إِنْ أَقَرَّ أَنَّهُمَا كِتَابَاهُ أَوْ بَرْهَنَتْ، وَفِي الدِّيَانَةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ بِأَيِّهِمَا أَتَاهَا وَيَبْطُل الآْخَرُ.
وَلَوِ اسْتَكْتَبَ مِنْ آخَرَ كِتَابًا بِطَلاَقِهَا وَقَرَأَهُ عَلَى الزَّوْجِ، فَأَخَذَهُ الزَّوْجُ وَخَتَمَهُ وَعَنْوَنَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهَا، فَأَتَاهَا وَقَعَ إِنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ كِتَابُهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَال لِلرَّجُل ابْعَثْ بِهِ إِلَيْهَا، أَوْ قَال لَهُ: اكْتُبْ نُسْخَةً وَابْعَثْ بِهَا إِلَيْهَا.
وَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ كِتَابُهُ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ، لَكِنَّهُ وَصَفَ الأَْمْرَ عَلَى وَجْهِهِ لاَ تَطْلُقُ قَضَاءً وَلاَ دِيَانَةً. وَكَذَا كُل كِتَابٍ لَمْ يَكْتُبْهُ بِخَطِّهِ وَلَمْ يُمْلِهِ بِنَفْسِهِ لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ مَا لَمْ يُقِرَّ أَنَّهُ كِتَابُهُ (٢) .
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى زَيْنَبَ ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى امْرَأَةً تُدْعَى عَائِشَةَ، فَبَلَغَ
_________
(١) فتح القدير ٣ / ٤٠٤ نشر دار إحياء التراث.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٢٩.
زَيْنَبَ فَخَافَ مِنْهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهَا: كُل امْرَأَةٍ لِي غَيْرِكِ وَغَيْرِ عَائِشَةَ طَالِقٌ، ثُمَّ مَحَا قَوْلَهُ: وَغَيْرِ عَائِشَةَ، وَبَعَثَ الْكِتَابَ إِلَى زَيْنَبَ لَمْ تَطْلُقْ عَائِشَةُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى كِتَابَةِ مَا مَحَاهُ؛ لِئَلاَّ يَظْهَرَ الْحَال، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِطَلاَقِ عَائِشَةَ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ كَتَبَ إِلَى امْرَأَتِهِ بِطَلاَقِهَا ثُمَّ أَنْكَرَ الْكِتَابَ وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ الطَّلاَقَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهَا: أَمَّا بَعْدُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِنْ كَانَ مَوْصُولًا بِكِتَابَتِهِ لاَ تَطْلُقُ، وَإِنْ كَتَبَ الطَّلاَقَ ثُمَّ فَتَرَ فَتْرَةً، ثُمَّ كَتَبَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ؛ لأَِنَّ الْمَكْتُوبَ إِلَى الْغَائِبِ كَالْمَلْفُوظِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لِلْخَاصِّيِّ وَالْخُلاَصَةِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ كَتَبَ: إِذَا بَلَغَكِ نِصْفُ كِتَابِي هَذَا، فَبَلَغَهَا كُلُّهُ طَلُقَتْ، فَإِنِ ادَّعَتْ وُصُول كِتَابِهِ بِالطَّلاَقِ، فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ خَطُّهُ لَمْ تُسْمَعْ إِلاَّ بِرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ بِكِتَابِهِ وَحِفْظِهِ عِنْدَهُ لِوَقْتِ الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ كَتَبَ: إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢ / ٤٢٩.
(٢) فتح القدير ٣ / ٤٠٤ نشر دار إحياء التراث.
وَهِيَ قَارِئَةٌ، فَقَرَأَتْهُ طُلِّقَتْ لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ تَقْتَضِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاطُ اللَّفْظِ بِهِ إِذِ الْقِرَاءَةُ تُعْطِي ذَلِكَ، لَكِنْ نَقَل الإِْمَامُ الاِتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ طَالَعَتِ الْكِتَابَ وَفَهِمَتْ مَا فِيهِ طَلُقَتْ وَإِنْ لَمْ تَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِيَ: اشْتِرَاطُ قِرَاءَةِ جَمِيعِ الْكِتَابِ، وَالظَّاهِرُ الاِكْتِفَاءُ بِقِرَاءَةِ الْمَقَاصِدِ كَمَا بَحَثَهُ الأَْذْرَعِيُّ فَحُكْمُ قِرَاءَةِ بَعْضِ الْكِتَابِ كَوُصُول بَعْضِهِ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا الْكِتَابُ فَلاَ تَطْلُقُ فِي الأَْصَحِّ لِعَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَعَ إِمْكَانِهَا الْقِرَاءَةَ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهَا تَطْلُقُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِطْلاَعُهَا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَقَدْ وُجِدَ، وَإِذَا كَانَتْ لاَ تَعْرِفُ الْقِرَاءَةَ، وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَقُرِئَ عَلَيْهَا طَلُقَتْ؛ لأَِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي حَقِّ الأُْمِّيِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى الاِطِّلاَعِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ وُجِدَ بِخِلاَفِ الْقَارِئَةِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الزَّوْجُ حَالَهَا فَإِنَّهَا لاَ تَطْلُقُ عَلَى الأَْقْرَبِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
وَلَوْ عَلَّقَ بِوُصُول الْكِتَابِ، ثُمَّ عَلَّقَ بِوُصُول الطَّلاَقِ، وَوَصَل، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَتَبَ لِزَوْجَتِهِ: إِذَا أَتَاكِ
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٨٥.
طَلاَقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهَا: إِذَا أَتَاكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَتَاهَا الْكِتَابُ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ لِوُجُودِ الصِّفَتَيْنِ فِي مَجِيءِ الْكِتَابِ، فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ إِذَا أَتَاكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ بِذَلِكَ الطَّلاَقِ الَّذِي عَلَّقْتُهُ دِينَ، وَهَل يُقْبَل فِي الْحُكْمِ؟ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١) .
وَإِذَا كَتَبَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اسْتَمَدَّ (أَيْ أَخَذَ الْمِدَادَ مِنَ الدَّوَاةِ بِالْقَلَمِ) فَكَتَبَ: إِذَا أَتَاكِ كِتَابِي، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ، وَكَانَ فِي حَال كِتَابَتِهِ لِلطَّلاَقِ مُرِيدًا لِلشَّرْطِ لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ فِي الْحَال؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّلاَقَ فِي الْحَال، بَل نَوَاهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَ نَوَى الطَّلاَقَ فِي الْحَال غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ طَلُقَتْ لِلْحَال، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقُلْنَا: إِنَّ الْمُطْلَقَ يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ اسْتِمْدَادًا لِحَاجَةٍ أَوْ عَادَةٍ، لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ قَبْل وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّفَسُ أَوْ شَيْءٌ يُسْكِتُهُ فَسَكَتَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِشَرْطٍ تَعَلَّقَ بِهِ فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى.
وَإِنِ اسْتَمَدَّ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلاَ عَادَةٍ وَقَعَ الطَّلاَقُ، كَمَا لَوْ سَكَتَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ شَرْطًا.
وَإِنْ قَال: إِنَّنِي كَتَبْتُهُ مُرِيدًا لِلشَّرْطِ فَقِيَاسُ قَوْل أَصْحَابِنَا أَنَّهَا لاَ تَطْلُقُ قَبْل الشَّرْطِ، إِلاَّ
_________
(١) المغني ٧ / ٢٤١.
أَنَّهُ يَدِينُ وَهَل يُقْبَل فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (١) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ الشَّهَادَةَ لإِثْبَاتِ كِتَابِ الطَّلاَقِ، جَاءَ فِي الْمُغْنِي: وَلاَ يَثْبُتُ الْكِتَابُ بِالطَّلاَقِ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ، قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ فِي امْرَأَةٍ أَتَاهَا كِتَابُ زَوْجِهَا بِخَطِّهِ وَخَاتَمِهِ بِالطَّلاَقِ: لاَ تَتَزَوَّجُ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهَا شُهُودٌ عُدُولٌ، قِيل لَهُ: فَإِنْ شَهِدَ حَامِل الْكِتَابِ؟ قَال: لاَ، إِلاَّ شَاهِدَانِ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْل حَامِل الْكِتَابِ وَحْدَهُ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ الْكُتُبَ الْمُثْبِتَةَ لِلْحُقُوقِ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِشَاهِدَيْنِ كَكِتَابِ الْقَاضِي، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّ الْكِتَابَ يَثْبُتُ عِنْدَهَا بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ لأَِنَّ أَثَرَهُ فِي حَقِّهَا فِي الْعِدَّةِ وَجَوَازِ التَّزْوِيجِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا.
وَهَذَا مَعْنًى يُخْتَصُّ بِهِ، لاَ يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ عَلَى الْغَيْرِ، فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِسَمَاعِهَا لِلشَّهَادَةِ.
وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا خَطُّ فُلاَنٍ لَمْ يُقْبَل؛ لأَِنَّ الْخَطَّ يُشَبَّهُ بِهِ وَيُزَوَّرُ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْهُ الْحَاكِمُ، وَلَوِ اكْتُفِيَ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ لاَكْتُفِيَ بِمَعْرِفَتِهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ حَتَّى يُشَاهِدَاهُ
_________
(١) المغني ٧ / ٢٤٠.
يَكْتُبُهُ، ثُمَّ لاَ يَغِيبُ عَنْهُمَا حَتَّى يُؤَدِّيَا الشَّهَادَةَ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ فَهَذَا أَوْلَى، وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُ الْكِتَابِ لاَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ، وَإِنَّمَا يَسْتَنِيبُ فِيهَا، وَقَدْ يَسْتَنِيبُ فِيهَا مَنْ يَعْرِفُهَا، بَل مَتَى أَتَاهَا بِكِتَابٍ وَقَرَأَهُ عَلَيْهَا وَقَال: هَذَا كِتَابِي كَانَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ (١) .
الْكِتَابُ الَّذِي يُعْتَبَرُ إِيجَابًا أَوْ قَبُولًا فِي الْعُقُودِ:
٩ - جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ وَشُرُوحِهَا فِي بَابِ الْبَيْعِ: الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ، وَكَذَا الإِْرْسَال، حَتَّى اعْتُبِرَ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، فَصُورَةُ الْكِتَابِ بِأَنْ يَكْتُبَ: أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ بِعْتُ عَبْدِي مِنْكَ بِكَذَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْكِتَابُ وَفَهِمَ مَا فِيهِ قَال: قَبِلْتُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ انْعَقَدَ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْدٌ ف ١٣) .
رَدُّ جَوَابِ الْكِتَابِ:
١٠ - رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: إِنِّي لأَرَى لِرَدِّ جَوَابِ الْكِتَابِ عَلَيَّ حَقًّا كَمَا أَرَى رَدَّ جَوَابِ السَّلاَمِ، قَال
_________
(١) المغني ٧ / ٢٤١، ٢٤٢.
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٦١ - ٤٦٢ نشر دار إحياء التراث العربي.
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي مَوْقُوفًا، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ الْقَوْل بِهِ اسْتِحْبَابًا، وَيَتَوَجَّهُ فِي الْوُجُوبِ مَا فِي الْمُكَافَأَةِ عَلَى الْهَدِيَّةِ وَرَدِّ جَوَابِ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
أَمَّا إِنْ أَفْضَى تَرْكُ ذَلِكَ إِلَى سُوءِ ظَنٍّ وَإِيقَاعِ عَدَاوَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَوَجَّهَ الْوُجُوبُ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ رَدِّ جَوَابِ مَا قَصَدَهُ الْكَاتِبُ، وَإِلاَّ كَانَ الرَّدُّ كَعَدَمِهِ شَرْعًا وَعُرْفًا.
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: إِذَا وَرَدَ عَلَى إِنْسَانٍ كِتَابُ التَّحِيَّةِ أَوْ نَحْوُهَا يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ الْجَوَابَ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَ مِنَ الْغَائِبِ كَالسَّلاَمِ مِنَ الْحَاضِرِ (١) .
كَيْفِيَّةُ الْبَدْءِ فِي الْكِتَابِ:
١١ - يُسْتَحَبُّ ابْتِدَاءُ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اقْتِدَاءً بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي أَشْرَفُهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ لِمَا قَالَهُ الْعَلاَّمَةُ أَبُو بَكْرٍ التُّونِسِيُّ مِنْ إِجْمَاعِ عُلَمَاءِ كُل مِلَّةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ افْتَتَحَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَيَشْهَدُ لَهُ خَبَرُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَاتِحَةُ كُل كِتَابٍ (٢)، وَعَمَلًا بِخَبَرِ: كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ
_________
(١) الآداب الشرعية ١ / ٣٨٥، والقرطبي ١٣ / ١٩٣.
(٢) حديث: " بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب ". أورده النفراوي في الفواكه الدواني (١ / ٢) ولم يعزه إلى أي مصدر ولم نهتد إلى من أخرجه.
فَهُوَ أَقْطَعُ (١)، أَيْ قَلِيل الْبَرَكَةِ أَوْ مَقْطُوعُهَا (٢) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ (٣): اتَّفَقُوا عَلَى كَتْبِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّل الْكُتُبِ وَالرَّسَائِل وَعَلَى خَتْمِهَا؛ لأَِنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الرِّيبَةِ، وَعَلَى هَذَا جَرَى الرَّسْمُ، وَبِهِ جَاءَ الأَْثَرُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا كِتَابٍ لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا فَهُوَ أَغْلَفُ.
وَبَعْدَ الْبَسْمَلَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُرْسَل إِلَى الْغَيْرِ يُكْتَبُ إِلَى فُلاَنٍ، وَلاَ يُكْتَبُ لِفُلاَنٍ، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: قَال أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لأَِبِي جَعْفَرٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَال: نَكْتُبُ: إِلَى أَبِي فُلاَنٍ وَلاَ نَكْتُبُ: لأَِبِي فُلاَنٍ، قَال: لَيْسَ لَهُ مَعْنًى إِذَا كَتَبَ لأَِبِي فُلاَنٍ، وَقَال الْمَرْوَزِيُّ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَكْتُبُ عِنْوَانَ الْكِتَابِ: إِلَى أَبِي فُلاَنٍ وَقَال: هُوَ أَصْوَبُ مِنْ أَنْ يُكْتَبَ لأَِبِي فُلاَنٍ (٤) .
قَال أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَّا ابْتِدَاءُ الإِْنْسَانِ بِنَفْسِهِ
_________
(١) حديث: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع ". أخرجه السبكي في طبقات الشافعية (١ / ١٢) من حديث أبي هريرة، وذكر الخطيب في تاريخ بغداد (٥ / ٧٧) تضعيف أحد رواته.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٦٥، ١ / ٢.
(٣) القرطبي ١٣ / ١٩٣ وما بعدها.
(٤) الآداب الشرعية ١ / ٣٨٦، ٣٨٧.