الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
ط - الأَْكْل مُتَّكِئًا: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ الأَْكْل مُتَّكِئًا تَكَبُّرًا، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ التَّكَبُّرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَتِهِ، فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ؛ لأَِنَّهُ مِنْ فِعْل الْمُتَكَبِّرِينَ، وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَرْءِ مَانِعٌ لاَ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ الأَْكْل إِلاَّ مُتَّكِئًا فَيُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَبَاحَهُ الْبَعْضُ الآْخَرُ، وَقَدْ نُقِل عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ جَوَازُ الأَْكْل مُتَّكِئًا، بَيْنَمَا يَنْقُل إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا تُكْأَةً، وَلَكِنَّهُ جَعَل عِلَّةَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَعْظُمَ بُطُونُهُمْ (١)، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: إِنِّي لاَ آكُل مُتَّكِئًا (٢) .
ي - لُبْسُ جُلُودِ الْحَيَوَانَاتِ الْكَاسِرَةِ: يَحْرُمُ لُبْسُ جُلُودِ الْحَيَوَانَاتِ الْكَاسِرَةِ كَالنُّمُورِ وَالسِّبَاعِ تَكَبُّرًا (٣)، وَإِذَا حَرُمَ لُبْسُهَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فَرْشُهَا تَكَبُّرًا فِي الْبُيُوتِ الَّتِي يُسْتَقْبَل فِيهَا الضُّيُوفُ، وَلَكِنْ لاَ بَأْسَ أَنْ يُجْعَل مِنْهَا مُصَلًّى أَوْ مِيثَرَةَ السَّرْجِ (٤) .
ك - إِطَالَةُ الثَّوْبِ إِلَى أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ إِطَالَةِ الثَّوْبِ إِلَى أَسْفَل مِنْ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٧، ونيل الأوطار ٩ / ٤٤ - ٤٥.
(٢) حديث: " إني لا آكل متكئًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٥٤٠) من حديث أبي جحيفة.
(٣) حاشية ابن القاسم العاصمي على الروض المربع ١ / ٥١٥ الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ.
(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٣. وفي المصباح: وثُر الشيء - بالضم - وثارةً: لاَنَ وسهل ومنه (مِيْثَرةُ) السرج.
الْكَعْبَيْنِ اخْتِيَالًا وَتَكَبُّرًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١)، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِبَاحَةِ إِطَالَةِ الثَّوْبِ إِلَى أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ لِلْحَاجَةِ، كَمَا إِذَا كَانَ بِسَاقَيْهِ حُمُوشَةٌ (٢) - أَيْ: دِقَّةٌ وَرِقَّةٌ - فَلاَ يُكْرَهُ مَا لَمْ يَقْصِدِ التَّدْلِيسَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِطَالَتِهَا إِلَى أَسْفَل مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ وَلاَ اخْتِيَالٍ وَلاَ حَاجَةٍ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ (٣) .
ل - مَسْحُ الْعَرَقِ وَمَاءِ الْوُضُوءِ بِالْخِرْقَةِ: كَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَحْمِل الشَّخْصُ خِرْقَةً خَاصَّةً لِيَمْسَحَ بِهَا عَرَقَهُ أَوْ يُنَشِّفَ بِهَا مَاءَ الْوُضُوءِ عَنْ أَعْضَائِهِ أَوْ يَتَمَخَّطَ بِهَا، إِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّكَبُّرَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا التَّكَبُّرَ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ (٤) .
عِلاَجُ الْكِبْرِ:
٧ - قَال ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: إِنَّ الْكِبْرَ مِنَ
_________
(١) حديث: " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢٥٤) ومسلم (٣ / ١٦٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) شرح منتهى الإرادات للبهوتي ١ / ١٤٩ طبع. دار الفكر، والروض المربع ١ / ٥١٦.
(٣) المغني لابن قدامة ١ / ٥٨٥ الطبعة الثالثة، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٣، ونيل الأوطار ٢ / ١١٢، وعون الباري لصديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي، طبع. قطر عام ١٤٠٤هـ.
(٤) الهداية شرح بداية المبتدي لعلي المرغيناني ٤ / ٨٣ طبع المكتبة الإسلامية، والفتاوى البزازية ٦ / ٣٦٩، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٣.
الْمُهْلِكَاتِ، وَمُدَاوَاتُهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلَكَ فِي مُعَالَجَتِهِ مَقَامَانِ:
الأَْوَّل: فِي اسْتِئْصَال أَصْلِهِ وَقَطْعِ شَجَرَتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ، وَيَعْرِفَ رَبَّهُ، فَإِنَّهُ إِنْ عَرَفَ نَفْسَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، عَلِمَ أَنَّهُ أَذَل مِنْ كُل ذَلِيلٍ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَصْل وُجُودِهِ بَعْدَ الْعَدَمِ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ خَرَجَتْ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْل، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، فَقَدْ صَارَ شَيْئًا مَذْكُورًا بَعْدَ أَنْ كَانَ جَمَادًا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُحِسُّ وَلاَ يَتَحَرَّكُ، فَقَدِ ابْتَدَأَ بِمَوْتِهِ قَبْل حَيَاتِهِ، وَبِضَعْفِهِ قَبْل قُوَّتِهِ، وَبِفَقْرِهِ قَبْل غِنَاهُ، وَقَدْ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيل يَسَّرَهُ﴾ وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَأَحْيَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَحْسَنَ تَصْوِيرَهُ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الدُّنْيَا فَأَشْبَعَهُ وَأَرْوَاهُ، وَكَسَاهُ وَهَدَاهُ وَقَوَّاهُ، فَمَنْ هَذِهِ بِدَايَتُهُ فَأَيْ وَجْهٍ لِكِبْرِهِ وَفَخْرِهِ؟،،.
عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَامَ لَهُ الْوُجُودُ عَلَى اخْتِيَارِهِ لَكَانَ لِطُغْيَانِهِ طَرِيقٌ، بَل قَدْ سَلِّطَ عَلَيْهِ الأَْخْلاَطَ الْمُتَضَادَّةَ، وَالأَْمْرَاضَ الْهَائِلَةَ، بَيْنَمَا بُنْيَانُهُ قَدْ تَمَّ، إِذْ هُوَ قَدْ هَوَى وَتَهَدَّمَ، لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ
ضُرًّا وَلاَ نَفْعًا، بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرُ الشَّيْءَ فَيَنْسَاهُ، وَيَسْتَلِذُّ الشَّيْءَ فَيُرْدِيهِ، وَيَرُومُ الشَّيْءَ فَلاَ يَنَالُهُ، ثُمَّ لاَ يَأْمَنُ أَنْ يُسْلَبَ حَيَاتَهُ بَغْتَةً.
هَذَا أَوْسَطُ حَالِهِ، وَذَاكَ أَوَّل أَمْرِهِ، وَأَمَّا آخِرُ أَمْرِهِ: فَالْمَوْتُ الَّذِي يُعِيدُهُ جَمَادًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُلْقَى فِي التُّرَابِ فَيَصِيرُ جِيفَةً مُنْتِنَةً، وَتَبْلَى أَعْضَاؤُهُ، وَتَنْخُرُ عِظَامُهُ، وَيَأْكُل الدُّودُ أَجْزَاءَهُ، وَيَعُودُ تُرَابًا يُعْمَل مِنْهُ الْكِيزَانُ، وَيُعْمَرُ مِنْهُ الْبُنْيَانُ، ثُمَّ بَعْدَ طُول الْبِلَى تُجْمَعُ أَجْزَاؤُهُ الْمُتَفَرِّقَةُ وَيُسَاقُ إِلَى الْحِسَابِ.
وَالثَّانِي: مَنِ اعْتَرَاهُ الْكِبْرُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا تَعَزُّزٌ بِكَمَال غَيْرِهِ، ثُمَّ يَعْلَمْ أَبَاهُ وَجَدَّهُ، فَإِنَّ أَبَاهُ الْقَرِيبَ نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَبَاهُ الْبَعِيدَ تُرَابٌ.
وَمَنِ اعْتَرَاهُ الْكِبْرُ بِالْجَمَال فَلْيَنْظُرْ إِلَى بَاطِنِهِ نَظَرَ الْعُقَلاَءِ، وَلاَ يَنْظُرْ إِلَى ظَاهِرِهِ نَظَرَ الْبَهَائِمِ.
وَمَنِ اعْتَرَاهُ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ آلَمَهُ عِرْقٌ عَادَ أَعْجَزَ مِنْ كُل عَاجِزٍ، وَإِنْ شَوْكَةٌ دَخَلَتْ فِي رِجْلِهِ لأَعْجَزَتْهُ، وَبَقَّةٌ لَوْ دَخَلَتْ فِي أُذُنِهِ لأَقْلَقَتْهُ.
وَمَنْ تَكَبَّرَ بِالْغِنَى، فَإِذَا تَأَمَّل خَلْقًا مِنْ الْيَهُودِ وَجَدَهُمْ أَغْنَى مِنْهُ، فَأُفٍّ لِشَرَفٍ تَسْبِقُهُ بِهِ الْيَهُودُ، وَيَسْتَلِبُهُ السَّارِقُ فِي لَحْظَةٍ، فَيَعُودُ صَاحِبُهُ ذَلِيلًا.
وَمَنْ تَكَبَّرَ بِسَبَبِ الْعِلْمِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى الْعَالِمِ آكَدُ مِنْ حُجَّتِهِ عَلَى الْجَاهِل، وَلْيَتَفَكَّرْ فِي الْخَطَرِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِهِ، فَإِنَّ خَطَرَهُ أَعْظَمُ مِنْ خَطَرِ غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ قَدْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ قَدْرِ غَيْرِهِ.
وَلْيَعْلَمْ أَيْضًا: أَنَّ الْكِبْرَ لاَ يَلِيقُ إِلاَّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ إِذَا تَكَبَّرَ صَارَ مَمْقُوتًا عِنْدَ اللَّهِ بَغِيضًا عِنْدَهُ، وَقَدْ أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ أَنْ يَتَوَاضَعَ، وَكَذَلِكَ كُل سَبَبٍ يُعَالِجُهُ بِنَقِيضِهِ، وَيَسْتَعْمِل التَّوَاضُعَ (١) .
_________
(١) مختصر منهاج القاصدين ٢٥١ وما بعدها.
كِتَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكِتَابُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ كَتَبَ، يُقَال: كَتَبَ الشَّيْءَ يَكْتُبُهُ كَتْبًا وَكِتَابًا وَكِتَابَةً، وَيُطْلَقُ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ مِنْهَا:
أ - أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا كُتِبَ مَجْمُوعًا، قَالَهُ الأَْزْهَرِيُّ.
ب - يُطْلَقُ عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الشَّخْصُ وَيُرْسِلُهُ إِلَى غَيْرِهِ.
ج - يُطْلَقُ عَلَى الْمَكْتُوبِ وَعَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ.
د - يُطْلَقُ عَلَى الْمُنَزَّل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَشْمَل الْقُرْآنَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِْنْجِيل.
هـ - يُطْلَقُ عَلَى الصُّحُفِ الْمَجْمُوعَةِ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الْكِتَابُ هُوَ الَّذِي يَشْتَمِل عَلَى الْمَسَائِل سَوَاءٌ كَانَتْ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً مِنْ فَنٍّ أَوْ فُنُونٍ (٢) .
وَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ الْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) الكليات للكفوي ٢ / ٣٨٦.
تِبْيَانًا لِكُل شَيْءٍ﴾، وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا الْمَعْنَى فَيَقُولُونَ فِي الاِسْتِدْلاَل: وَدَلِيلُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ (١)، وَالْكِتَابُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُطْلَقُ عَلَى مُخْتَصَرِ الإِْمَامِ الْقُدُورِيِّ.
وَالْكِتَابُ الْحُكْمِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا يُكْتَبُ فِيهِ شَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَى غَائِبٍ بِلاَ حُكْمٍ لِيَحْكُمَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ وَيُسَمَّى كِتَابَ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السِّجِل:
٢ - مِنْ مَعَانِي السِّجِل لُغَةً: كِتَابُ الْعَهْدِ وَنَحْوُهُ، وَكِتَابُ الْقَاضِي، وَالْجَمْعُ سِجِلاَّتٌ، وَأَسْجَلْتُ لِلرَّجُل إِسْجَالًا: كَتَبْتُ لَهُ كِتَابًا، وَسَجَّل الْقَاضِي: قَضَى وَحَكَمَ وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِل (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ السِّجِل عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الَّذِي فِيهِ حُكْمُهُ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: هَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَفِي عُرْفِنَا: كِتَابٌ كَبِيرٌ تُضْبَطُ فِيهِ وَقَائِعُ النَّاسِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَالسِّجِل أَخَصُّ مِنَ الْكِتَابِ؛ لأَِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى كِتَابٍ مَخْصُوصٍ (٤) .
_________
(١) انظر: البحر المحيط ١ / ٤٤١.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
(٣) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٤) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ٣٥١، ومغني المحتاج ٤ / ٣٨٩.
ب - الدَّفْتَرُ:
٣ - الدَّفْتَرُ لُغَةً: جَرِيدَةُ الْحِسَابِ، وَالدَّفْتَرُ جَمَاعَةُ الصُّحُفِ الْمَضْمُومَةِ، وَالدَّفْتَرُ وَاحِدُ الدَّفَاتِرِ وَهِيَ الْكَرَارِيسُ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ، قَال ابْنُ دُرَيْدٍ: وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقَاقٌ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الدَّفْتَرِ وَالْكِتَابِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ وَالدَّفْتَرُ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكِتَابَ يُفِيدُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ، وَلاَ يُفِيدُ الدَّفْتَرُ ذَلِكَ، تَقُول: عِنْدِي دَفْتَرٌ بَيَاضٌ وَلاَ تَقُول: عِنْدِي كِتَابٌ بَيَاضٌ (٣) .
ج - الرِّسَالَةُ:
٤ - فِي اللُّغَةِ: رِسَالَةٌ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - اسْمٌ مِنَ الرَّسَالَةِ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - يُقَال رَسِل رَسَلًا وَرِسَالَةً مِنْ بَابِ تَعِبَ. يُقَال أَرْسَلْتُ رَسُولًا: بَعَثْتُهُ بِرِسَالَةٍ يُؤَدِّيهَا (٤) .
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهَا تَارَةً بِمَعْنَى الرَّسُول (٥)، وَتَارَةً بِمَعْنَى الْكِتَابِ (٦) .
وَعَلَى هَذَا فَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ عُمُومٌ
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٢) قواعد الفقه للبركتي، والمدونة ٤ / ٤٢١.
(٣) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص٢٤١.
(٤) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٧٥، والمحلي على المنهاج ٤ / ٢٢٦.
(٦) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٢ / ٤٢٨.
وَخُصُوصٌ نِسْبِيٌّ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ مِنْ أَحْكَامٍ:
تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ اسْتِعْمَالاَتِهِ كَمَا يَلِي:
أَوَّلًا: الْكِتَابُ بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ: أَيْ إِرْسَال كِتَابٍ إِلَى الْغَيْرِ بِشَأْنِ أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ أَوْ طَلَبِ شَيْءٍ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْهَا:
كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ لَدَيْهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَغَيْرِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الشُّرُوطِ وَاللُّزُومِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءٌ ف ٤٩، ٥٢، ٥٣) .
كِتَابُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِالطَّلاَقِ:
٦ - إِذَا كَتَبَ الزَّوْجُ إِلَى زَوْجَتِهِ كِتَابًا بِطَلاَقِهَا، فَإِنْ كَتَبَ إِلَيْهَا: يَا فُلاَنَةُ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كَتَبَ: هِيَ طَالِقٌ طَلُقَتْ فِي الْحَال سَوَاءٌ وَصَل إِلَيْهَا الْكِتَابُ أَوْ لَمْ يَصِل، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (١)، لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِذَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٩، والشرح الكبير على حاشية الدسوقي ٢ / ٣٨٤، والخرشي ٤ / ٤٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٤ - ٢٨٥، وأسنى المطالب ٣ / ٢٧٧، والمغني ٧ / ٢٤١.
كَتَبَ لِزَوْجَتِهِ نَاوِيًا الطَّلاَقَ حِينَ الْكِتَابَةِ وَقَعَ الطَّلاَقُ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ طَرِيقٌ فِي إِفْهَامِ الْمُرَادِ كَالْعِبَارَةِ وَقَدِ اقْتَرَنَتْ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ تَحْتَمِل الْفَسْخَ وَالْحِكَايَةَ وَتَجْرِبَةَ الْقَلَمِ وَالْمِدَادِ وَغَيْرِهَا، وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا قَرَأَ مَا كَتَبَهُ حَال الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَصَرِيحٌ فَإِنْ قَال قَرَأْتُهُ حَاكِيًا مَا كَتَبْتُهُ بِلاَ نِيَّةِ طَلاَقٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَتَبَ مُسْتَشِيرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا وَأَخْرَجَ الْكِتَابَ عَازِمًا عَلَى الطَّلاَقِ أَوْ لاَ نِيَّةَ لَهُ وَقَعَ الطَّلاَقُ لِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ نَوَى الطَّلاَقَ، وَإِنْ كَتَبَ الطَّلاَقَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَيْهِ، بَل كَتَبَهُ مُتَرَدِّدًا أَوْ مُسْتَشِيرًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ، أَوْ أَخْرَجَهُ مُتَرَدِّدًا فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ إِلاَّ إِذَا وَصَل الْكِتَابُ إِلَى الزَّوْجَةِ، وَإِنْ لَمْ يَصِل لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ (١) .
وَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ مُعَلَّقًا فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ عَلَّقَ الطَّلاَقَ عَلَى شَرْطِ الْوُصُول إِلَيْهَا، بِأَنْ كَتَبَ: إِذَا وَصَل كِتَابِي إِلَيْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ حَتَّى يَصِل إِلَيْهَا الْكِتَابُ؛ لأَِنَّهُ عَلَّقَ الْوُقُوعَ بِشَرْطِ الْوُصُول فَلاَ يَقَعُ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ آخَرَ (٢) .
_________
(١) الدسوقي ٢ / ٣٨٤، والخرشي ٤ / ٤٩.
(٢) بداع الصنائع ٣ / ١٠٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٥، والمغني ٧ / ٢٤١.