الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

كِبْر

التَّعْرِيفُ:

١ - الْكِبْرُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ: الْعَظَمَةُ (١)، وَكِبْرُ الشَّيْءِ مُعْظَمُهُ (٢)، قَال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أَيْ: تَحَمَّل مُعْظَمَهُ.

وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ الْخُلُقُ الَّذِي فِي النَّفْسِ، وَهُوَ الاِسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إِلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ.

وَعَرَّفَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ خُلُقٌ بَاطِنٌ يَصْدُرُ عَنْ أَعْمَالٍ هِيَ ثَمَرَتُهُ، فَيَظْهَرُ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَذَلِكَ الْخُلُقُ هُوَ رُؤْيَةُ النَّفْسِ عَلَى الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ، يَعْنِي يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ الْغَيْرِ فِي صِفَاتِ الْكَمَال.

وَهُوَ فِي سُنَّةِ الرَّسُول ﷺ: عَدَمُ قَبُول الْحَقِّ

_________

(١) الصحاح لإسماعيل بن حماد الجوهري.

(٢) المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم لأبي البقاء العكبري مادة: كبر، تحقيق ياسين السواس، طبع جامعة أم القرى.

تَرَفُّعًا، وَاحْتِقَارُ النَّاسِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْكِبْرِيَاءُ:

٢ - قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْكِبْرِيَاءُ هِيَ التَّرَفُّعُ عَنِ الاِنْقِيَادِ، وَذَلِكَ لاَ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ اللَّهِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وَفِي الْحَدِيثِ: قَال اللَّهُ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ (٢) بَيْنَمَا يَرَى أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ هِيَ الْعِزُّ وَالْمُلْكُ، وَلَيْسَتْ مِنَ الْكِبْرِ فِي شَيْءٍ، قَال تَعَالَى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَْرْضِ﴾، يَعْنِي: الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانُ وَالْعِزَّةَ (٣) .

ب - الْعُجْبُ:

٣ - الْعُجْبُ بِالشَّيْءِ الزَّهْوُ وَكَثْرَةُ السُّرُورِ بِهِ،

_________

(١) حديث: " الكبر بطر الحق وغمط الناس ". أخرجه مسلم (١ / ٩٣)، وانظر إحياء علوم الدين ٣ / ١٦٣، ومختصر منهاج القاصدين ص٢٤٦.

(٢) حديث: " قال الله: الكبرياء ردائي. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٥٠ - ٣٥١) من حديث أبي هريرة، وأصله في صحيح مسلم (٤ / ٢٠٢٣) .

(٣) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص٢٤١. والمفردات للراغب الأصفهاني وجامع البيان للطبري ١ / ٢٢٨.

وَفُلاَنٌ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ: إِذَا كَانَ مَسْرُورًا بِخِصَالِهَا، وَلَيْسَ الْعُجْبُ مِنَ الْكِبْرِ فِي شَيْءٍ، قَال عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: الْعُجْبُ عَقْدُ النَّفْسِ عَلَى فَضِيلَةٍ لَهَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ لَهَا (١)، وَلَكِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْكِبْرِ؛ لأَِنَّهُ أَحَدُ أَسْبَابِهِ (٢) .

وَيَرَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: أَنَّ الْعُجْبَ هُوَ اسْتِعْظَامُ النِّعْمَةِ وَالرُّكُونُ إِلَيْهَا مَعَ نِسْيَانِ إِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٣)، وَيَذْكُرُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ - وَيُوَافِقُهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ - فِي ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ فَيَقُول: الْعُجْبُ لاَ يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ، حَتَّى لَوْ قُدِّرَ أَنْ يُخْلَقَ الإِْنْسَانُ وَحْدَهُ تُصُوِّرَ أَنْ يَكُونَ مُعْجَبًا، وَلاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرًا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَهُ (٤) .

ج - الْجَبْرُ:

٤ - الْجَبْرُ هُوَ التَّعَاظُمُ مَعَ الْقَهْرِ، وَالْجَبَرُوتُ أَبْلَغُ مِنَ الْجَبْرِ، لأَِنَّ الْوَاوَ وَالتَّاءَ لِلْمُبَالَغَةِ، كَالْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ (٥)، قَال النَّوَوِيُّ: الْجَبَرُوتُ هُوَ الْكِبْرُ وَالتَّعَظُّمُ وَالاِرْتِفَاعُ وَالْقَهْرُ، وَالْجَبَّارُ

_________

(١) الفروق في اللغة ص٢٤٣.

(٢) مختصر منهاج القاصدين ص٢٥٤.

(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ص ٧٤.

(٤) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٢٣، ومختصر منهاج القاصدين ص٢٤٧.

(٥) الفروق في اللغة ٢٤٢.

هُوَ الْمُتَكَبِّرُ الشَّرِسُ سَيِّئُ الْخُلُقِ (١)، وَيُقَال أَيْضًا لِلْقَاهِرِ غَيْرَهُ: جَبَّارٌ، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، وَنَقَل ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالاَ: آيَةُ الْجَبَابِرَةِ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقٍّ (٢) .

وَيَقُول الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْجَبَّارُ هُوَ مَنْ يَجْبُرُ نَقِيصَتَهُ بِادِّعَاءِ مَنْزِلَةٍ مِنَ التَّعَالِي لاَ يَسْتَحِقُّهَا (٣)، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُل جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ .

وَالْكِبْرُ أَعَمُّ مِنَ الْجَبْرِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكِبْرَ مِنَ الْكَبَائِرِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الذَّهَبِيُّ (٤) .

وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، قَال: مَنْ ضَرَبَ بِنَعْلِهِ مِنَ الرِّجَال، إِنْ فَعَل ذَلِكَ تَعَجُّبًا حَرُمَ، فَإِنَّ

_________

(١) تحرير التنبيه ليحيى بن شرف النووي ص٣٥٥ و٣٥٩ تحقيق محمد رضوان وفايز الداية، طبع دار الفكر، ١٤١٠هـ، دمشق.

(٢) تفسير ابن كثير ٤ / ٧٩ طبع. دار إحياء التراث العربي، بيروت.

(٣) المفردات، مادة: جبر.

(٤) الكبائر للذهبي ص٧٦.

الْعُجْبَ كَبِيرَةٌ (١)، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ (٢)، وَقَوْلِهِ ﷺ: ﴿مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ يَشْمَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرَ مِنْهُ، فَلاَ يُرَخَّصُ بِالْكِبْرِ مَهْمَا كَانَ قَلِيلًا، قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْكِبْرَ مَانِعٌ مِنْ دُخُول الْجَنَّةِ وَإِنْ بَلَغَ مِنَ الْقِلَّةِ إِلَى الْغَايَةِ (٣) .

وَإِذَا كَانَ الْكِبْرُ هُوَ الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ، وَهِيَ قَصْدُ الاِسْتِعْلاَءِ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَكْرُمَةٍ مِنَ الْمَكَارِمِ، فَإِنَّ هَذَا الْكِبْرَ - أَيْ: التَّكَبُّرَ - إِمَّا أَنْ يُحْتَاجَ إِلَيْهِ، أَوْ لاَ يُحْتَاجَ إِلَيْهِ.

فَإِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ كَانَ مَحْمُودًا، كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الظَّلَمَةِ، وَعَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ، وَنَحْوِهِمْ، وَلِذَلِكَ جَازَ الاِخْتِيَال فِي الْحَرْبِ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ (٤) .

وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ تُرَافِقَهُ نِيَّةُ التَّكَبُّرِ، أَوْ لاَ تُرَافِقَهُ نِيَّةُ التَّكَبُّرِ، فَإِنْ رَافَقَتْهُ نِيَّةُ التَّكَبُّرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ.

وَإِنْ لَمْ تُرَافِقْهُ نِيَّةُ التَّكَبُّرِ، فَإِنَّ الْفِعْل إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شِعَارِ الْمُتَكَبِّرِينَ، أَوْ لاَ يَكُونَ

_________

(١) الجامع لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ١٢ / ٢٣٨ طبع. دار إحياء التراث العربي، بيروت.

(٢) حديث: " لا يدخل الجنة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٩٣) من حديث ابن مسعود.

(٣) نيل الأوطار لمحمد بن علي الشوكاني ٢ / ١٠٩ طبع. دار الجيل، بيروت.

(٤) الروض المربع بحاشية ابن القاسم العاصمي ١ / ٥١٥.

مِنْ شِعَارِ الْمُتَكَبِّرِينَ.

فَإِنْ كَانَ مِنْ شِعَارِ الْمُتَكَبِّرِينَ كَتَصْعِيرِ الْخَدِّ، وَالاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ، وَإِسْبَال الإِْزَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَانَ مَكْرُوهًا.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شِعَارِ الْمُتَكَبِّرِينَ، كَالأَْكْل مُتَّكِئًا، وَتَشْمِيرِ الأَْكْمَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَالْحَاصِل أَنَّ كُل مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ يُكْرَهُ، وَإِنْ فُعِل لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ لاَ - أَيْ: لاَ يُكْرَهُ (١) -، عَلَى هَذَا فَإِنَّ مَنْ لَبِسَ الثِّيَابَ الْجَمِيلَةَ الرَّفِيعَةَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ التَّكَبُّرِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذَا مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ فِيمَا أَعْلَمُ (٢)، بَل إِنَّ لُبْسَ رَفِيعِ الثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ التَّكَبُّرِ، بَل بِنِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقْعٌ فِي قُلُوبِ سَامِعِيهِ وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ كَانَ مُثَابًا، قَال الشَّوْكَانِيُّ: إِنَّ الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، فَلُبْسُ الْمُنْخَفِضِ مِنَ الثِّيَابِ تَوَاضُعًا وَكَسْرًا لِسُورَةِ النَّفْسِ الَّتِي لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنَ التَّكَبُّرِ إِنْ لَبِسَتْ غَالِيَ الثِّيَابِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَثُوبَةِ مِنَ اللَّهِ، وَلُبْسُ الْغَالِي مِنَ الثِّيَابِ عِنْدَ الأَْمْنِ عَلَى النَّفْسِ مِنَ التَّسَامِي الْمَشُوبِ بِنَوْعٍ مِنَ التَّكَبُّرِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٩ طبع. دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة بيروت ١٤٠٠هـ.

(٢) نيل الأوطار ٢ / ١٠٩، وانظر: الفتاوى البزازية لابن البزاز الكردري ٦ / ٣٦٨ مطبوعة بهامش الفتاوى الهندية، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٦.

لِقَصْدِ التَّوَصُّل بِذَلِكَ إِلَى تَمَامِ الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ مِنْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ عِنْدَ مَنْ لاَ يَلْتَفِتُ إِلاَّ إِلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ لاَ شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْمُوجِبَاتِ لِلأَْجْرِ، لَكِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِمَا يَحِل لُبْسُهُ شَرْعًا (١) .

مَظَاهِرُ الْكِبْرِ:

٦ - الْكِبْرُ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ فِي الإِْنْسَانِ، لَهَا مَظَاهِرُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى (٢)، وَمِنْ هَذِهِ الْمَظَاهِرِ:

أ - تَصْعِيرُ الْوَجْهِ: وَهُوَ يَعْنِي: مَيْل الْعُنُقِ، وَالإِْشَاحَةُ بِالْوَجْهِ عَنِ النَّظَرِ كِبْرًا (٣)، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَلِذَلِكَ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَْرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُل مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ .

ب - الاِخْتِيَال فِي الْمَشْيِ: وَهُوَ يَعْنِي التَّبَخْتُرُ وَالتَّعَالِي فِي الْمِشْيَةِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَْرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَْرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا كُل ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، وَبِقَوْلِهِ ﷺ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجَّلٌ شَعْرُهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ

_________

(١) نيل الأوطار ٢ / ١١٠.

(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٢٣.

(٣) المفردات للراغب الأصفهاني.

يَتَجَلْجَل إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) .

وَكَمَا يَكُونُ الاِخْتِيَال بِاللِّبَاسِ الْفَاخِرِ يَكُونُ أَيْضًا بِفُرُشِ الْبُيُوتِ، وَبِرُكُوبِ السَّيَّارَاتِ الْفَاخِرَةِ، قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِرْخَاءُ السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ مَكْرُوهٌ؛ لأَِنَّهُ زِينَةٌ وَتَكَبُّرٌ (٢) .

وَرُخِّصَ بِالاِخْتِيَال فِي الْحَرْبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

ج - التَّرَفُّعُ عَنْ مُجَالَسَةِ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ: كَمَا تَرَفَّعَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلاَلٍ وَخَبَّابٍ، وَنَحْوِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، حَيْثُ قَالُوا لِرَسُول اللَّهِ ﷺ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاَءِ عَنْكَ لَغَشَيْنَاكَ وَحَضَرْنَا مَجْلِسَكَ، فَقَدْ رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَال الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اطْرُدْ هَؤُلاَءِ لاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَال: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلاَلٌ وَرَجُلاَنِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ

_________

(١) حديث: " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢٥٨) ومسلم (٣ / ١٦٥٣) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٩.

بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .

وَيَدْخُل فِي التَّرَفُّعِ عَنِ الْمُجَالَسَةِ التَّرَفُّعُ عَنِ الزِّيَارَةِ، لأَِنَّ مَنْ تَرَفَّعَ عَنْ مُجَالَسَةِ شَخْصٍ تَكَبُّرًا تَرَفَّعَ عَنْ زِيَارَتِهِ (١) .

د - التَّرَفُّعُ عَنِ السَّلاَمِ أَوْ مُصَافَحَةِ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ مَنْزِلَةً فِي الْمَال أَوِ الْجَاهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، احْتِقَارًا لَهُ.

هـ - أَنْ يَمْشِيَ وَيَمْشِيَ أَتْبَاعُهُ خَلْفَهُ: يُكْرَهُ لِلرَّجُل أَنْ يَمْشِيَ وَمَعَهُ أَتْبَاعُهُ مِنْ جُنْدٍ أَوْ تَلاَمِيذَ أَوْ أَنْصَارٍ يَمْشُونَ خَلْفَهُ، إِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ التَّكَبُّرَ (٢) .

والرُّكُوبُ وَمَعَهُ أَتْبَاعُهُ: يُكْرَهُ لِلرَّجُل الرُّكُوبُ وَمَعَهُ رِجَالُهُ يَمْشُونَ إِذَا أَرَادَ بِهِ التَّكَبُّرَ (٣) .

ز - حُبُّهُ الْقِيَامَ لَهُ: وَالْقِيَامُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

الأَْوَّل: قِيَامٌ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَال ﷺ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (٤)،

_________

(١) مختصر منهاج القاصدين ص٢٣٢.

(٢) إحياء علوم الدين ٣ / ٣٣٢.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٠.

(٤) حديث: " من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٩١) من حديث أبي أمامة، وقال: حديث حسن.

وَهَذِهِ عَادَةُ الأَْعَاجِمِ وَالْمُتَكَبِّرِينَ.

الثَّانِي: قِيَامٌ عِنْدَ مَجِيءِ الإِْنْسَانِ، فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ لاَ يَكَادُونَ يَفْعَلُونَهُ، قَال أَنَسٌ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ - أَيْ: إِلَى الصَّحَابَةِ - مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ (١) .

وَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالإِْمَامِ الْعَادِل وَفُضَلاَءِ النَّاسِ، وَقَدْ صَارَ هَذَا كَالشِّعَارِ بَيْنَ الأَْفَاضِل، فَإِذَا تَرَكَهُ الإِْنْسَانُ فِي حَقِّ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يُفْعَل فِي حَقِّهِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الإِْهَانَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ حِقْدًا، وَاسْتِحْبَابُ هَذَا فِي حَقِّ الْقَائِمِ لاَ يَمْنَعُ الَّذِي يُقَامُ لَهُ أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ (٢) .

ح - التَّمَيُّزُ فِي الطَّعَامِ: ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُل أَنْ يَأْكُل وَسَطَ الْخُبْزِ وَيَدَعَ حَوَاشِيَهُ لِغَيْرِهِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا (٣)، وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْكُل الْخُبْزَ الْحَوَارِيَّ - أَيْ: الأَْبْيَضَ - وَيُطْعِمَ مَمَالِيكَهُ خَشْكَارَ - أَيْ: الأَْسْمَرَ (٤) -

_________

(١) حديث: " لم يكن شخص أحب إليهم. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٩٠) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

(٢) مختصر منهاج القاصدين ص٢٣٠.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٦.

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٣٩.