الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ (١) .

قَال الْمِنْهَاجِيُّ: التَّوْبَةُ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ تُسْقِطُ الإِْثْمَ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا إِقْلاَعٌ، وَنَدَمٌ، وَعَزْمٌ أَنْ لاَ يَعُودَ، وَتَبْرِئَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ حَقٍّ مَالِيٍّ إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، كَمَنْعِ زَكَاةٍ أَوْ غَصْبٍ، بِرَدِّهِ أَوْ بَدَلِهِ إِنْ تَلِفَ، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيُعْتَبَرُ رَدُّ الْمَظْلِمَةِ وَأَنْ يَسْتَحِلَّهُ أَوْ يَسْتَمْهِلَهُ، وَهَذَا فِي الأَْمْوَال، أَمَّا فِي مِثْل الْقَذْفِ وَالْغِيبَةِ فَقَدْ قَال الْكَرْمِيُّ: لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْهَا إِعْلاَمُهُ وَالتَّحَلُّل مِنْهُ، بَل يَحْرُمُ إِعْلاَمُهُ (أَيْ: لِدَرْءِ الْفِتْنَةِ) ثُمَّ قَال الْمِنْهَاجِيُّ: أَمَّا التَّوْبَةُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي تَعُودُ بِهَا الشَّهَادَةُ وَالْوِلاَيَةُ فَالْمَعَاصِي إِنْ كَانَتْ قَوْلِيَّةً شُرِطَ فِيهَا الْقَوْل، فَيَقُول فِي الْقَذْفِ: قَذْفِي بَاطِلٌ وَلاَ أَعُودُ إِلَيْهِ، أَوْ مَا كُنْتَ مُحِقًّا فِي قَذْفِي (٢) .

وَهَل مِنْ شُرُوطِ تَوْبَتِهِ إِصْلاَحُ الْعَمَل وَالْكَفُّ عَنِ الْمَعْصِيَةِ سَنَةً؟ قَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ كَافٍ، وَقَال مَالِكٌ: يُشْتَرَطُ صَلاَحُ حَالِهِ أَوِ الزِّيَادَةُ فِي صَلاَحِهَا.

وَقَال بَعْضُهُمْ: ظُهُورُ أَفْعَال الْخَيْرِ عَلَيْهِ

_________

(١) حديث عبادة بن الصامت: " ومن أصاب من ذلك. . . ". تقدم تخريجه ف١٤.

(٢) جواهر العقود للمنهاجي ٢ / ٤٣٧، والبيان والتحصيل لابن رشد ١٠ / ١٤٩، والفروع لابن مفلح ٦ / ٥٦٩، وعناية المنتهي للكرمي ٣ / ٤٧٤، ورحمة الأمة ٢ / ٢٣٢.

وَالتَّقَرُّبُ بِالطَّاعَاتِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ بِسَنَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا (١) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَقْوَالٌ: فَفِي الْخَانِيَّةِ: الْفَاسِقُ إِذَا تَابَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ زَمَنٌ تَظْهَرُ فِيهِ التَّوْبَةُ، ثُمَّ بَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسَنَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَالْمُعَدِّل، وَفِي الْخُلاَصَةِ: وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ بِزُورٍ ثُمَّ تَابَ وَشَهِدَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ (٢) .

وَهَذَا فِي الْكَبَائِرِ كُلِّهَا عَدَا الْقَذْفَ فَفِيهِ خِلاَفٌ، بَعْدَ الاِتِّفَاقِ عَلَى زَوَال اسْمِ الْفِسْقِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ:

ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُقْبَل شَهَادَةُ الْقَاذِفِ إِنْ تَابَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ تَوْبَتُهُ قَبْل الْحَدِّ أَمْ بَعْدَهُ.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ وَقَالُوا: الاِسْتِثْنَاءُ فِي سِيَاقِ الْكَلاَمِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ إِلاَّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ، وَلأَِنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْفِسْقِ، وَقَدِ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ، لَكِنَّ مَالِكًا اشْتَرَطَ أَنْ لاَ تُقْبَل

_________

(١) شرح زروق على الرسالة ٢ / ٢٨٤.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٧٤، ورحمة الأمة ٢ / ٢٣٣ - ٢٣٥، والميزان للشعراني ٢ / ٢١٥.

شَهَادَتُهُ فِي مِثْل الْحَدِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ.

وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمَسْرُوقٌ وَشُرَيْحٌ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ إِذَا كَانَتْ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الْحَدِّ، وَقَالُوا: إِنَّ الاِسْتِثْنَاءَ فِي الآْيَةِ عَائِدٌ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الْفِسْقُ، وَلاَ يَرْجِعُ إِلَى مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ عَدَمُ قَبُول الشَّهَادَةِ، لأَِنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِالتَّأْبِيدِ، وَلأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ قَبُول الشَّهَادَةِ جُعِل مِنْ تَمَامِ عُقُوبَةِ الْقَاذِفِ، وَلِهَذَا لاَ يَتَرَتَّبُ الْمَنْعُ - عِنْدَهُمْ - إِلاَّ بَعْدَ الْحَدِّ، وَمَا كَانَ مِنَ الْحُدُودِ وَلَوَازِمِهَا لاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، فَلَوْ قَذَفَ وَلَمْ يُحَدَّ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ (١)، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (قَذْفٌ ف ٢١) .

تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ:

١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةُ أَهْل التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٤٦٢، وإعلام الموقعين ١ / ١٠٤ - ١٠٩، والفروع لابن مفلح ٦ / ٥٦٨، ورحمة الأمة ٢ / ٢٣٥، والمحرر بحاشية ابن مفلح ٢ / ٢٥١ - ٢٥٦، والمبسوط للسرخسي ١٦ / ١٢٥ - ١٢٩ وقد أطال السرخسي وابن مفلح وابن القيم في مناقشات القولين.

رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ .

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ (١) .

وَذَهَبَ الأُْصُولِيُّونَ - كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَطْعِ تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا مَحْمَل ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ، وَالْمَشِيئَةُ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، قَالُوا وَلاَ ذَنْبَ عِنْدَنَا يُغْفَرُ وَاجِبًا بِاجْتِنَابِ ذَنْبٍ آخَرَ، وَدَل عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعْنَا لِمُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ وَمُمْتَثِل الْفَرَائِضِ بِتَكْفِيرِ صَغَائِرِهِ قَطْعًا لَكَانَتْ لَهُ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ الَّذِي نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لاَ تِبَاعَةَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ نَقْضٌ لِعُرَى الشَّرِيعَةِ، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ (٢) فَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى الْيَسِيرِ

_________

(١) حديث أبي هريرة: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٠٩) .

(٢) حديث: " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه. . . ". أخرجه مسلم (١ / ١٢٢) من حديث أبي أمامة.

كَمَا جَاءَ عَلَى الْكَثِيرِ.

قَال الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ الصَّغَائِرَ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ لَكِنْ بِضَمِيمَةٍ أُخْرَى إِلَى الاِجْتِنَابِ، وَهِيَ إِقَامَةُ الْفَرَائِضِ (١) .

وَاخْتُلِفَ هَل شَرْطُ التَّكْفِيرِ لِلصَّغَائِرِ عَدَمُ مُلاَبَسَتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الْكَبَائِرِ أَوْ لاَ يُشْتَرَطُ؟ حَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ عَنِ الْجُمْهُورِ الاِشْتِرَاطَ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتُ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ (٢) وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ، قَالُوا: وَالشَّرْطُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الاِسْتِثْنَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: مُكَفِّرَاتُ مَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ الْكَبَائِرَ.

وَيُسَاعِدُ ذَلِكَ مُطْلَقُ الأَْحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّكْفِيرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ (٣) .

تَكْفِيرُ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ:

١٧ - رَوَى عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَعَا لأُِمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ فَأُجِيبَ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلاَ الظَّالِمَ فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، قَال: أَيْ

_________

(١) تفسير القرطبي ٥ / ١٥٨، وفتح الباري ١٠ / ٤٢٣، والمحلي لابن حزم ٩ / ٣٩٣، والبحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٨.

(٢) حديث: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة. . . ". تقدم تخريجه ف١٦.

(٣) البحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٨، وتفسير القرطبي ٥ / ١٥٨.

رَبِّ، إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَل (١) . . .، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ ﷿ غَفَرَ لأَِهْل عَرَفَاتٍ وَأَهْل الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَال: هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ (٢)، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ أُخَرَ، وَالْحَاصِل أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَاجَهْ - وَإِنْ ضُعِّفَ - فَلَهُ شَوَاهِدُ تُصَحِّحُهُ، وَالآْيَةُ أَيْضًا تُؤَيِّدُهُ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ: مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ (٣)، وَقَوْلُهُ ﷺ

_________

(١) حديث عباس بن مرداس: " أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ١٠٠٢) وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢ / ١٤٠) . وقال البيهقي: له شواهد كثيرة ذكرناها في كتاب الشعب، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإلا فقد قال تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك (ابن عابدين ٢ / ٦٢٣) .

(٢) حديث: " إن الله ﷿ غفر لأهل عرفات. . . ". عزاه المنذري في الترغيب (٢ / ١٥٧) إلى ابن المبارك، وقال ابن حجر في قوة الحجاج ص٢٩: إن ثبت سنده إلى عبد الله بن المبارك فهو على شرط الصحيح.

(٣) حديث: " من حج ولم يرفث ولم يفسق. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٨٢) ومسلم (٢ / ٩٨٣) من حديث أبي هريرة.

لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ (١) .

لَكِنْ ذَكَرَ الأَْكْمَل فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَحْبَطُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِالإِْسْلاَمِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ حَتَّى لَوْ قَتَل وَأَخَذَ الْمَال وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الإِْسْلاَمُ كَافِيًا فِي تَحْصِيل مُرَادِهِ وَلَكِنْ ذَكَرَ ﷺ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لاَ يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ وَلاَ يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال وَالْكَبَائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ أَحَدٍ كَإِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ، وَكَذَا ذَكَرَ الإِْمَامُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَال: إِنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَمَشَى الطِّيبِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ الْكَبَائِرَ وَالْمَظَالِمَ، وَوَقَعَ مُنَازَعَةٌ غَرِيبَةٌ بَيْنَ أَمِيرِ بَادْشَاهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ مَال إِلَى قَوْل الطِّيبِيِّ، وَبَيْنَ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَدْ مَال إِلَى قَوْل الْجُمْهُورِ، وَكَتَبْتُ رِسَالَةً فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْفَتْحِ الْمَيْل إِلَى تَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ مَشَى الإِْمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي

_________

(١) حديث: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله. . . ". أخرجه مسلم (١ / ١١٢) .

شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ.

وَقَال عِيَاضٌ: هُوَ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَظَالِمِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهَا، وَالْحَاصِل أَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ، وَتَأْخِيرَ نَحْوِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَيَسْقُطُ إِثْمُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الأَْصْل وَدُونَ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَقْبَل، وَنَقَلَهُ عَنِ التِّرْمِذِيِّ وَاللَّقَانِيِّ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ سُقُوطَ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا قَال عِيَاضٌ لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لأَِنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا، وَهِيَ إِنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لاَ حَقَّ الْعَبْدِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الأَْحَادِيثُ (١) .

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَجَّ لاَ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْقَائِل بِأَنَّهُ يُكَفِّرُهَا أَنَّهُ يُسْقِطُ عَنْهُ قَضَاءَ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَتَرَكَهُ وَالْمَظَالِمَ وَالدَّيْنَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ إِثْمَ تَأْخِيرِ ذَلِكَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ طُولِبَ بِقَضَاءِ مَا لَزِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل مَعَ قُدْرَتِهِ فَقَدِ ارْتَكَبَ الآْنَ الْكَبِيرَةَ الأُْخْرَى (٢)، وَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ، فَلاَ يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٢٢ - ٦٢٣.

(٢) رسالة الصغائر والكبائر لابن نجيم بشرح السيواسي ٥٤.

(٣) حاشية ابن عابدين (٢ / ٦٢٤) نقلًا عن البحر الرائق.

شَفَاعَتُهُ ﷺ لأَِهْل الْكَبَائِرِ وَعَدَمُ خُلُودِهِمْ فِي النَّارِ.

١٨ - لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّفَاعَاتِ الْخَاصَّةِ بِهِ شَفَاعَتُهُ فِي قَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيهِمْ، فَلاَ يَدْخُلُونَهَا، هَذَا مَذْهَبُ أَهْل السُّنَّةِ.

وَقَدْ جَزَمَ السُّيُوطِيُّ فِي الْخَصَائِصِ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَجَزَمَ الْقَاضِي وَابْنُ السُّبْكِيِّ بِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ ﷺ بِهَا، وَأَشَارَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ إِلَى أَنَّهُ يُشَارِكُهُ فِيهِ ﷺ الْمَلاَئِكَةُ وَالأَْنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْمُؤْمِنُونَ.

وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ هِيَ غَيْرُ الشَّفَاعَةِ الْعَامَّةِ أَوِ الْعُظْمَى لِفَصْل الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ بَعْدَ الْمَحْشَرِ، فَتِلْكَ تَعُمُّ جَمِيعَ الْخَلْقِ، وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الأُْمَّةِ أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهِ (١) .

قَال الأَْشْعَرِيُّ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ شَفَاعَةً. . . وَهِيَ لِلْمُذْنِبِينَ الْمُرْتَكِبِينَ الْكَبَائِرَ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا لِشَفَاعَتِهِ ﷺ فِي أَهْل الْكَبَائِرِ بِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: شَفَاعَتِي لأَِهْل الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي (٣) .

_________

(١) شرح العقيدة الطحاوية ١٦٥ - ١٦٧، ولوامع الأنوار للسفاريني ٢ / ٢١٨.

(٢) الإبانة للأشعري ٢٩٤.

(٣) حديث أنس: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٦٢٥) وقال: حديث حسن صحيح.

قَال ابْنُ أَبِي الْعِزِّ: تَوَاتَرَتِ الأَْحَادِيثُ فِي شَفَاعَتِهِ ﷺ فِي أَهْل الْكَبَائِرِ، وَقَدْ خَفِيَ عِلْمُ ذَلِكَ عَنِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شَفَاعَةٌ ف ٦)

كَبِد

انْظُرْ: أَطْعِمَة

_________

(١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ص١٦٥.